بقلم الريح عبد القادر محمد عثمان
ليس من الشجاعة ولا من الأمانة أن نقول للناس ما يحبون سماعه، ولا أن نوافقهم حين نعلم أن المخالفة قد تزعجهم.
الأمانة أن نبحث عن الحقيقة؛ والشجاعة أن نقولها حتى حين يكون قولها مراً في أفواهنا.
بدأت بهذا التمهيد لأني أريد أن أقول، بكل وضوح:
إن أعظم حدث غيّر وجه البشرية في قصة محمد ﷺ لم يكن يوم مولده، وإنما كان يوم نزول الوحي عليه.
فميلاده ﷺ كان ميلاد إنسان عظيم، أما الوحي فكان ميلاد الرسالة التي ستغيّر التاريخ.
حقيقة محمد ﷺ هي الرسالة الخاتمة؛ ولم تبدأ الرسالة يوم وُلد محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، وإنما بدأت يوم وُلِد محمد رسول الله ﷺ، ونزلت عليه أولى كلمات الوحي:
“اقرأ باسم ربك الذي خلق”.
ولذلك، فإن العبرة أكبر مما ترويه الأخبار عن خوارق صاحبت مولده ﷺ — كخمود نار المجوس أو وخروج نور أضاء قصور الشام.
أي نور يمكن أن يقارن بنور الوحي؟
وما قيمة نور أضاء قصوراً، لكنه لم يخرج أهل القصور من الظلمات إلى النور؟
هل يمكن مقارنة النور الذي أضاء القصور بنور آية أضاءت الصدور؟
يجب أن نسأل أنفسنا بصراحة شديدة: ما الذي يجعل نفوسنا تنبهر بالألعاب النارية فنعجز عن رؤية النور المتدفق من آيات الذكر الحكيم؟
في يوم مولده ﷺ لم يحدث ما غير الدنيا.
وكان من بين المحتفين أبو لهب، لعنه الله.
فإضاءة قصور الشام لم تترك أثراً.
ونار الفرس عادت للاشتعال من جديد بعد خمودها لليلة واحدة، إنْ صحّت الرواية.
أما بعد أربعين عاماً، حين نزل الوحي، وبدأت الرسالة، كان من بين المحتفين خديجة بنت خويلد، وأبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، رضي الله عنهم جميعاً.
لقد ظهر نور حقيقي أضاء الأرض إضاءة مستدامة.
وخمدت نار المجوس خموداً مستداماً.
لقد كان الميلاد بداية حياة محمد الإنسان.
أما الوحي فكان بداية حياة محمد الرسول.
ولهذا ينبغي أن نسأل أنفسنا سؤالًا مختلفًا:
إذا كنا نحب رسول الله ﷺ، فهل أعظم ما نقدمه له أن نحتفل بيوم مولده، أم أن نحيي ما جاء به؟
هل فرغنا من إحياء ما جاء به ثم تفرغنا للاحتفاء بمولده؟
يمر يومُ مولده مرةً واحدة في العام، لكنّ إحياء هديه وسنته يستمر طوال العام.
ينبغي ألا نفرح برسول الرحمة فرحاً عابراً، بل يجب أن ننشر الرحمة التي جاء بها في العالم طوال الوقت.
لماذا نحتفي به مرة واحدة في العام، وإغاثة الضعف والملهوف مستمرة في كل يوم؟
ولماذا نحتفي به مرة واحدة في العام ثم نترك اليتيم مقهوراً، والسائل مردوداً، والمحتاج بائساً وحيداً بقية العام؟
أيهما أعظم، وأيهما أليق وأيهما أنفع: الاحتفال به (بالزفة والرقص والطرب وأكل الحلوى) أم اتباعه والتخلق بأخلاقه؟
ونسأل من جديد: هل فرغنا من التخلق بأخلاقه وتفرّغنا للاحتفال بميلاده؟
بيد أن الأمر لا يتعلق مطلقاً بجواز الفرح من عدمه.
فالفرح بمحبوبنا أمر مفهوم، ومحبة رسول الله ﷺ أصل عظيم في حياة المسلم. ولا يؤمن من لا يحبه.
وليس السؤال كيف نحبه، بل كيف يريدنا هو أن نحبه.
فحب الرسول ﷺ ليس كحب غيره.
أنت لا تحبه على هواك، بل تحبه على ما أمرك به.
فلو تركت كيفية حبه لنا فسنحبه بالطبول والزفة والرقص والطرب.
إما إذا كان هو من يدلنا على كيفية حبه: فسيقول لنا ” قُل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم”.
وقد لا تكون المشكلة في الاحتفال في حد ذاته، بل تبدأ المشكلة:
حين يتحول الاحتفال بالنبي ﷺ إلى بديل عن اتباع النبي؛
حين نكثر الكلام عن محبته، ونكثر مخالفة هديه وسنته؛
حين ترتفع الأصوات بالمدائح، وتُصم الآذان عن سماع شكاء المظلومين وأنين المرضى والجائعين؛
حين نشتري الحلوى لأولادنا، تاركين أبناء الفقراء جوعى؛
حين نرفع أصواتنا بالصلاة والسلام عليه، ثم لا ندعو للسلام، ولا نطعم الطعام، ولا نصل الأرحام، ولا نرحم الأرامل والأيتام، ولا نقول كلمة الحق في وجوه الحكام.
عندها يصبح السؤال مشروعاً:
ماذا بقي من المحبة إذا لم تتحول إلى عمل؟
فالله سبحانه وتعالى لم يقل عبثاً لنبيه:
“فأما اليتيم فلا تقهر، وأما السائل فلا تنهر”؛ بل جعل هذه الأخلاق جزءاً لا يتجزأ من رسالته.
لقد مدحه الله قبل أن نمدحه
ليس النبي ﷺ بحاجة إلى أن ننشئ له مجدًا من عندنا.
لقد مدحه ربه: “وإنك لعلى خلق عظيم”؛
ورفع ذكره: “ورفعنا لك ذكرك”؛
وأخبر أنه رحمة: “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”.
فإذا كان الله قد رفع ذكره، فبماذا نزيد نحن في ذكره؟
وإذا كان الله قد أثنى عليه، فماذا نضيف نحن إلى مدحه؟
ربما يكون أليق مدح له ألا نكثر مدحه، وإنما أن نجعل العالم كله والناس جميعاً يرون أثره فينا:
أن يرى الناس في قولنا صدقَه، وفي معاملاتنا أمانته، وفي علاقاتنا تواضعه ورحمته، وفي اختلافنا حلمه، وفي قوتنا عفوه، وفي حكمنا عدله.
وبالتأكيد ليست هذه دعوة إلى التخلي عن مدحه ﷺ بل ذلك ما هو إلا تذكير بألا نجعل المدح بديلاً للتقصير.
باختصار، من أحب النبي ﷺ، وأراد أن يمدحه، وأن يفرح به ويُفرِحَه، وأن يحتفي به، فليحاول أن يجعل شيئاً من أخلاق النبي حاضراً في حياته.
الرسالة هي الميلاد الحقيقي
يقول الله تعالى:
“ألم نشرح لك صدرك، ووضعنا عنك وزرك، الذي أنقض ظهرك، ورفعنا لك ذكرك”.
ويقول جل من قائل:
“ووجدك ضالًا فهدى، ووجدك عائلًا فأغنى”.
هذه الآيات العظيمات ليست مجرد عبارات نتلوها في المناسبات، بل تذكير بمصدر النعمة والهداية.
فالذي هداه الله لا يحتقر ضالاً، “كذلك كنتم من قبل”؛
والذي أغناه الله لا يتخلى عن الفقير؛
والذي شرح الله صدره للإسلام، سيجعل أخلاقه نبراساً لهداية الناس؛
والذي رفع الله ذكره لا يتكبر على أحد.
وهنا نصل إلى معنى آخر من قوله تعالى:
“وأما بنعمة ربك فحدث”.
فالنعمة التي أمر الله رسوله ﷺ بالحديث عنها هي بالتأكيد الوحي والرسالة وما يتعلق بهما.
فلم يملك الرسول ﷺ دوراً وقصوراً ليتحدث عنها.
أما حديثك أنت بنعمة ربك فلا يعني أن تتفاخر على الناس بما تملك.
لأنك في الحقيقة لست المالك.
بل حديثك بنعمة ربك أن تعترف بتلك النعمة، وتحمد الله عليها، ثم تجعل مما أعطاك الله نصيباً يصل إلى غيرك من المحتاجين.
وإن كنت قوياً ذا سلطان، فحديثك بنعمة ربك أن تنصر المظلومين وأن يأمن الضعفاء شر القوة التي متعك الله بها؛
وإن كنت عالماً، فحديثك بنعمة ربك أن تُبلغ خلاصة علمك إلى الحكام كما تبلغها إلى المحكومين.
وهكذا ستُرى أثر نعمة الله عليك.
لا تجعلوا لذكر النبي ﷺ موسماً
في ذكرى مولد الرسول ﷺ، ليس الأمر المهم أن نحتفل، بل أن نتساءل:
ما هو الشيء الذي يفرح به الرسول ﷺ أكثر إذا فعلناه: أن نمدحه ونطرب ونرقص ونأكل الحلوى، أم أن نطعم البائس الفقير ؟
على سبيل المثال: هل يفرح ﷺ لزفة المولد وصيوانات المديح أم لإقامة السرادقات لإطعام الفقراء والمساكين؟
قبل أن نفرح ونطرب ونمدح، أليس الأجدر بنا أن نسأل أنفسنا: ماذا فعلنا بما جاء به النبي ﷺ ؟
هل أطعمنا الجائعين؟
هل رحمنا اليتامى والأرامل؟
هل أتحنا الطعام وأفشينا السلام؟
هل أصلحنا بين المتخاصمين والمتحاربين؟
هل قلنا كلمة الحق في وجه الحكام إن كانوا ظالمين؟
إنّ الميلاد الحقيقي الذي ينبغي أن يهمنا هو: متى تولد الرسالة المحمدية في حياتنا نحن؟
فالرسول ﷺ قد أدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، فهل يعقل أن يكون دورنا نحن المدح والرقص والزفة والطبول؟
هل يكون نصيب الرسول ﷺ الحكمة ونصيبنا نحن “الدروشة”؟
كلا، ليست المحبة طبولاً تقرع، ومدائح تُغنى، ولا أجساداً تتمايل من شدة الطرب.
بل الاحتفال الحقيقي بالرسول ﷺ هو أن نسير على سيرته، ونتبع هديه وسنته ونتخلق بأخلاقه.
وأعظم مدح له هو أن تتحول كلماته إلى سلوك يغير حياتنا؛
وأعظم فرح بمولده: أن نكون رحماء متواضعين فيما بيننا.
ولن نكون من الرحماء إن ظل بيننا جياع بسبب الحرب، ومشردون بسبب الحرب؛
ولن نكون من المتواضعين، إنْ لم ترتفع راية السلام في بلداننا.
فالدعوة إلى الحرب والبغضاء بين الإخوة دافعها نعرةٌ نتنة، نهى الرسول ﷺ عنها؛ والنعرة لمن لا يعرف معناها هي الكِبر والخيلاء والعصبية.
وقد جاء الرسول ﷺ ليتمم مكارم الأخلاق.
ومن المعلوم أن مكارم الأخلاق كلها كانت موجودة قبل الإسلام إلا مكرمة واحدة لم تكن موجودة، هي التواضع.
فجاء الرسول ﷺ بالتواضع فتمت المكارم.
وحين نتعلم أن ذكر الرسول ﷺ، ومدحه، والفرح به وبرسالته وبمولده، كلها تتركز في أن نتخلق بتلك المكارم، لن يكون ذكر النبي ﷺ في حياتنا مجرد مناسبة تمر بنا مرة واحدة في العام، بل يصبح أثره حيّاً فينا كل يوم، طول العام، طول العمر.
اللهم صلّ وسلم بارك عليه، وأنعم علينا بالسلام والوئام بحق الصلاة عليه.
elrayahabdelgadir@gmail.com
