بقلم: د. أحمد التيجاني سيد أحمد
قيادي مؤسس في تحالف تأسيس
20 أغسطس 2026
مقدمة: من إعادة إعمار الزراعة إلى إعادة بناء الدولة
حين تنتهي الحرب في السودان، لن يكون التحدي الحقيقي هو إعادة بناء ما تهدم من مبانٍ وطرق ومؤسسات فحسب. التحدي الأكبر سيكون إعادة بناء الدولة السودانية على أسس مختلفة، بحيث لا تعود البلاد إلى النظام الذي أنتج الهشاشة والتهميش والصراع الذي سبق الحرب.
وفي هذا المشروع الكبير تحتل الزراعة موقعاً استثنائياً.
فالزراعة في السودان ليست مجرد قطاع اقتصادي من قطاعات الدولة، وإنما هي قاعدة الحياة والإنتاج والأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي في معظم أقاليم البلاد. وهي كذلك المجال الذي تتقاطع فيه الأرض والمياه والرعي والثروة الحيوانية والأسواق والطرق والهجرة والموارد الطبيعية والعلاقات الاجتماعية.
ومن هنا فإن إعادة بناء الزراعة بعد الحرب لا ينبغي أن تعني ببساطة إصلاح ما دمرته الحرب، ثم إعادة تشغيل الجهاز الزراعي المركزي القديم. المطلوب هو إعادة تأسيس البنية الزراعية نفسها على أساس جديد، يجعل الإنتاج قريباً من المنتجين، والقرار قريباً من الموارد، والاستثمار قريباً من مناطق الإنتاج.
وهذا هو جوهر فكرة توطين البنية الزراعية.
أولاً: لماذا فشلت البنية الزراعية القديمة؟
على الرغم من الإمكانات الزراعية الهائلة التي يمتلكها السودان، ظل القطاع الزراعي يعاني لعقود من اختلال عميق بين حجم الموارد المتاحة وضعف الإنتاجية والاستثمار والخدمات.
فقد تركز جانب كبير من القرار الزراعي في المركز، بينما بقي المنتج في الريف بعيداً عن مراكز اتخاذ القرار. وأصبحت المؤسسات الزراعية في كثير من الأحيان أجهزة إدارية أكثر منها مؤسسات إنتاجية.
كما جرى التعامل مع الزراعة والمحاصيل والثروة الحيوانية والمراعي والمياه باعتبارها ملفات منفصلة، في حين أنها في الواقع أجزاء من نظام إنتاجي واحد.
وفي مناطق واسعة من السودان، لا يمكن فهم الزراعة دون فهم الرعي، ولا يمكن إدارة الرعي دون إدارة المياه والمراعي، ولا يمكن حماية الإنتاج دون طرق وأسواق ومخازن وتمويل.
لقد كشفت الحرب هذه الاختلالات بصورة أكثر قسوة. فعندما انهارت مؤسسات الدولة في مناطق واسعة، انهارت معها الخدمات الزراعية، وتعطلت الأسواق وسلاسل الإمداد، وتراجعت قدرة المزارعين والرعاة على الوصول إلى المدخلات والأسواق.
وهكذا تحولت هشاشة البنية الزراعية إلى جزء من هشاشة الدولة نفسها.
ثانياً: ماذا نعني بتوطين البنية الزراعية؟
التوطين لا يعني تقسيم وزارة الزراعة إلى إدارات محلية، ولا يعني نقل بعض الموظفين من الخرطوم إلى الولايات.
المقصود أعمق من ذلك.
توطين البنية الزراعية يعني إعادة تنظيم النظام الزراعي بحيث يصبح الإقليم أو الحوض الزراعي أو المنطقة الإنتاجية وحدة أساسية للتخطيط والإدارة والاستثمار والخدمات.
فالقرار الزراعي يجب أن يبدأ من الأرض ومن المنتج، لا من المكتب المركزي.
والمطلوب هو بناء مؤسسات زراعية إقليمية ومحلية تمتلك القدرة على تحديد الموارد والإمكانات الزراعية المحلية؛ والتخطيط للمحاصيل والثروة الحيوانية والمراعي وفق طبيعة المنطقة؛ وتوفير المدخلات والخدمات الزراعية والبيطرية؛ وتنظيم المياه والموارد الطبيعية؛ وتطوير التخزين والتصنيع والتسويق؛ وجذب الاستثمار المحلي والخارجي؛ وبناء شراكات مباشرة مع المزارعين والرعاة والقطاع الخاص؛ وربط الإنتاج المحلي بالأسواق الوطنية والإقليمية والدولية.
وفي هذا النموذج تصبح الحكومة المركزية مسؤولة أساساً عن السياسات القومية، والتشريع، والمعايير، والبحوث الاستراتيجية، والبنية التحتية القومية، والعلاقات الخارجية والتمويل الوطني، بينما تنتقل مساحة أكبر من التنفيذ والقرار إلى المستويات الأقرب إلى الإنتاج.
ثالثاً: من الجغرافيا السياسية إلى الجغرافيا الزراعية
السودان ليس وحدة إنتاجية متجانسة.
فالسودان الزراعي في الجزيرة يختلف عن السودان الزراعي في دارفور، ويختلف كلاهما عن كردفان أو النيل الأزرق أو الشمالية أو شرق السودان.
هناك الزراعة المطرية، والزراعة المروية، والزراعة النهرية، والرعي المتنقل، والإنتاج المختلط، ومناطق الغابات والصمغ العربي، ومناطق الثروة الحيوانية الواسعة.
لذلك فإن إعادة بناء الزراعة يجب أن تنطلق من الجغرافيا الزراعية للسودان وليس من التقسيم الإداري وحده.
وهنا يمكن أن يصبح «الحوض الإنتاجي» أو «المنطقة الزراعية» وحدة مهمة للتخطيط. فالحوض الزراعي يجمع الأرض والمياه والمزارعين والرعاة والأسواق والبنية التحتية في منظومة واحدة. وهذا يسمح بالتخطيط المتكامل بدلاً من معالجة كل مشكلة بصورة منفصلة.
رابعاً: الزراعة والثروة الحيوانية منظومة واحدة
من أكبر أخطاء التخطيط الزراعي السوداني الفصل الإداري والفني الحاد بين الزراعة والثروة الحيوانية.
في أجزاء واسعة من السودان، المزارع هو أيضاً مربي ماشية، والمراعي مصدر أساسي للثروة، والمخلفات الزراعية تدخل في تغذية الحيوان، والحيوان يساهم في خصوبة التربة والنقل والدخل الأسري.
لذلك فإن توطين البنية الزراعية يجب أن يقوم على مفهوم النظام الزراعي المتكامل.
وهذا يعني أن التخطيط المحلي يجب أن يحدد في الوقت نفسه الأراضي الزراعية، ومناطق الرعي، ومسارات الماشية، ومصادر المياه، ومناطق الزراعة المطرية، والغابات، ومناطق الصمغ العربي، والأسواق، والطرق، ومراكز الخدمات البيطرية والزراعية.
وبذلك يصبح الحد من النزاع بين المزارعين والرعاة جزءاً من التخطيط الزراعي، وليس ملفاً أمنياً منفصلاً.
خامساً: إعادة توزيع القوة الاقتصادية
توطين الزراعة ليس مسألة إدارية فقط؛ إنه أيضاً مسألة إعادة توزيع للقوة الاقتصادية.
فعندما تتركز المدخلات والتمويل والخدمات والأسواق في المركز، يصبح المنتج في الريف تابعاً لمراكز بعيدة عنه.
أما عندما تتطور المؤسسات المحلية، ومراكز التخزين، ومصانع التصنيع الزراعي، والخدمات المالية، والأسواق الإقليمية، فإن القيمة المضافة تبقى بدرجة أكبر في مناطق الإنتاج.
وهذا يغير علاقة الريف بالدولة. بدلاً من أن يكون الريف مصدراً للمواد الخام والعمالة والموارد، يصبح شريكاً حقيقياً في الاقتصاد الوطني.
وهنا تلتقي الزراعة مع مشروع بناء السودان الجديد: دولة لا تستنزف الأقاليم لصالح المركز، وإنما تجعل المركز والأقاليم شركاء في إنتاج الثروة وتوزيعها.
سادساً: دارفور وكردفان والنيل الأزرق كنقاط بداية
يمكن أن تبدأ عملية التوطين من المناطق التي تحتاج إلى إعادة بناء عاجلة، وفي الوقت نفسه تمتلك إمكانات إنتاجية كبيرة.
دارفور وكردفان والنيل الأزرق، على سبيل المثال، ليست مجرد مناطق تحتاج إلى مساعدات غذائية. إنها مناطق تمتلك موارد زراعية وحيوانية ومائية وبيئية هائلة يمكن أن تصبح جزءاً أساسياً من نهضة السودان الغذائية والاقتصادية.
وفي هذه المناطق ينبغي أن يبدأ العمل من القاعدة: الماء ← الأرض ← المنتج ← المدخلات ← الإنتاج ← التخزين ← التصنيع ← السوق.
ولا ينبغي أن يبدأ من المساعدات وحدها. المساعدات ضرورية لإنقاذ الإنسان أثناء الأزمة، لكنها لا يمكن أن تكون استراتيجية لإعادة بناء السودان.
الاستراتيجية الحقيقية هي تحويل مناطق الأزمات من مناطق استهلاك للمساعدات إلى مراكز إنتاج للغذاء والثروة.
سابعاً: محور الشمالية – وادي حلفا إلى الخرطوم كحوض زراعي-لوجستي استراتيجي
يمثل الامتداد الجغرافي من وادي حلفا في أقصى الشمال إلى الخرطوم أحد أهم الأحواض التي يمكن أن تُعاد قراءتها في إطار فكرة توطين البنية الزراعية، ليس فقط باعتباره شريطاً نهرياً زراعياً، بل باعتباره ممر إنتاج ولوجستيات وتجارة وربط بين السودان ومحيطه الإقليمي.
هذا المحور ظل تاريخياً يُنظر إليه كمنطقة زراعة مروية تقليدية مرتبطة بالنيل، لكنه في الواقع أوسع من ذلك بكثير، إذ يجمع بين إنتاج زراعي محدود لكنه عالي القيمة في بعض المناطق؛ ومحور نقل وتجارة يربط الشمال بالوسط؛ وبوابة حدودية استراتيجية مع مصر ومحيط البحر الأحمر.
الخصائص البنيوية للمحور: ندرة المياه خارج نطاق النيل المباشر؛ تراجع الكثافة السكانية الزراعية في أجزاء واسعة من الشمال مقارنة بقدرات الأرض؛ وجود بنية تاريخية للري التقليدي والمشاريع النيلية الصغيرة؛ قربه من أسواق خارجية في مصر ومراكز استهلاك داخلية في الخرطوم؛ ووجود شبكات طرق ونقل أفضل نسبياً من مناطق الهامش الزراعي الأخرى. وهذه الخصائص تجعل من المنطقة ليست مجرد حوض إنتاج، بل حوض ربط اقتصادي ولوجستي.
تم التعامل مع الشمال تاريخياً باعتباره منطقة زراعة محدودة الإنتاج، أو منطقة هجرة للعمالة نحو الخرطوم والخليج، أو منطقة مشاريع صغيرة غير مترابطة. لكن هذا النموذج أغفل أن الشمال منطقة إدارة مياه ونقل وتجارة، وأن قيمته الاقتصادية لا تكمن في الزراعة وحدها بل في الممر النيلي كمنصة ربط، وأن ارتباطه بالخرطوم جعله جزءاً من اقتصاد مركزي أكثر منه اقتصاداً إقليمياً متكاملاً.
في إطار توطين البنية الزراعية، لا ينبغي النظر إلى وادي حلفا–الخرطوم كحوض زراعي تقليدي فقط، بل كحوض مركب متعدد الوظائف يقوم على الزراعة النيلية عالية الكفاءة، واللوجستيات وسلاسل الإمداد، والخدمات والتجارة الحدودية.
في الزراعة النيلية عالية الكفاءة ينبغي التركيز على محاصيل ذات قيمة مضافة عالية من الخضر والفواكه والأعلاف المحسنة، واستخدام تقنيات ري حديثة تقلل الفاقد المائي، وإدخال الزراعة التعاقدية المرتبطة بالأسواق.
وفي اللوجستيات وسلاسل الإمداد، يمكن تحويل الشريط النيلي إلى ممر نقل زراعي وتجاري، وإنشاء مراكز تخزين وتبريد على طول المحور، وربط الإنتاج في الشمال بأسواق الخرطوم ومصر.
أما في الخدمات والتجارة الحدودية، فينبغي تطوير وادي حلفا كبوابة تجارية إقليمية، وبناء مناطق خدمات لوجستية مرتبطة بالتصدير والاستيراد، وإدماج الاقتصاد الحدودي في الاقتصاد الوطني بدلاً من عزله.
الخرطوم ليست فقط مركز استهلاك، بل هي أيضاً مركز تمويل وقرار وخدمات ونقطة تجميع وتوزيع. لكن في نموذج التوطين يجب إعادة تعريف العلاقة بحيث تصبح الخرطوم مركز إدارة لا مركز استحواذ، بينما يصبح الشمال ممر إنتاج وربط لا مجرد هامش زراعي.
وهذا التحول يعني نقل جزء من سلاسل القيمة إلى مواقع الإنتاج على النيل، وتقليل الاعتماد على الخرطوم كمحطة وحيدة للتسويق، وخلق مراكز وسيطة بين وادي حلفا والخرطوم، مثل دنقلا ومروي وعطبرة، كمحاور للإنتاج والنقل والخدمات.
ورغم محدودية الأرض الزراعية مقارنة بالجزيرة أو النيل الأزرق، فإن هذا المحور يمتلك إمكانات استراتيجية كبيرة: زراعات تصديرية عالية القيمة، وموقعاً يسمح بتحويله إلى ممر تجارة إقليمي مع مصر وشمال إفريقيا، وإمكانات للطاقة الشمسية والزراعة الذكية، ووجود نهر النيل كأصل استراتيجي دائم.
والتحدي في هذا المحور ليس نقص الموارد فقط، بل ضعف الاستثمار في القيمة المضافة، وغياب رؤية تعتبره جزءاً من اقتصاد إقليمي متكامل، واستمرار المركزية في اتخاذ القرار الزراعي، وهجرة الكفاءات الزراعية نحو الخارج أو العاصمة.
وفي إطار مشروع توطين البنية الزراعية، يمكن أن يصبح محور وادي حلفا–الخرطوم نموذجاً للحوض الزراعي-اللوجستي المتكامل، ومختبراً لتجربة الربط بين الزراعة والتجارة والنقل، وجسراً بين السودان ومحيطه الإقليمي، وجزءاً من إعادة تعريف العلاقة بين المركز والأطراف.
إن إعادة قراءة الشمال من وادي حلفا إلى الخرطوم لا تعني تضخيم دوره الزراعي التقليدي، بل تعني تحريره من اختزال الزراعة إلى إنتاج محدود، وإعادة إدخاله في منظومة أوسع: منظومة الحركة والتجارة والقيمة المضافة والربط الإقليمي. وفي هذا المعنى يصبح هذا المحور ليس مجرد شريط على النيل، بل عموداً لوجستياً واقتصادياً في جسد السودان الجديد بعد الحرب.
ثامناً: إعادة بناء البنية التحتية من منظور الإنتاج
بعد الحرب، ستكون هناك حاجة هائلة إلى إعادة بناء الطرق والمنشآت والأسواق. لكن السؤال يجب ألا يكون فقط: ماذا دُمر وكيف نعيده؟ بل: ماذا نحتاج لكي ننتج بصورة أفضل مما كنا ننتج قبل الحرب؟
فالطريق الزراعي ليس مجرد طريق. إنه جزء من سلسلة القيمة. والمخزن ليس مجرد مبنى. إنه أداة لتقليل فاقد الإنتاج. والسد أو الحفير ليس مجرد منشأة مائية. إنه جزء من منظومة الأمن الغذائي.
ومركز الخدمات البيطرية ليس مجرد مرفق صحي للحيوان. إنه حماية لاستثمار اقتصادي ضخم. ومصنع التصنيع الزراعي ليس مجرد منشأة صناعية. إنه وسيلة لإبقاء القيمة المضافة داخل المنطقة.
ومن هنا يجب أن يكون الاستثمار في البنية التحتية الزراعية استثماراً في الإنتاج وليس في الإنشاءات فقط.
تاسعاً: المنتج يجب أن يكون في قلب النظام
لن تنجح أي استراتيجية زراعية إذا ظل المزارع والراعي خارج عملية صنع القرار.
المطلوب بناء مؤسسات إنتاجية يشارك فيها المنتجون أنفسهم: جمعيات وتعاونيات وروابط منتجين واتحادات مهنية ومؤسسات تمويل وتسويق محلية.
ويجب أن يحصل المنتج على حزمة متكاملة بدلاً من خدمات متفرقة: التمويل، والمدخلات، والإرشاد، والتأمين، والمياه، والتخزين، والتسويق، ومعلومات الأسعار والأسواق.
وهذا يقتضي الانتقال من مفهوم وزارة تقدم الخدمات إلى مفهوم نظام إنتاج تشارك فيه الدولة والمنتج والقطاع الخاص والمجتمع المحلي.
عاشراً: الدولة الجديدة لا تعني دولة أضعف
قد يُفهم التوطين خطأً باعتباره تراجعاً لدور الدولة المركزية. والحقيقة عكس ذلك.
السودان يحتاج بعد الحرب إلى دولة وطنية قوية، ولكن قوة الدولة لا تعني احتكار المركز لكل القرارات.
الدولة القوية هي التي تضع القواعد وتحمي الحقوق وتضمن العدالة وتوفر البنية التحتية القومية وتمنع الاحتكار وتحمي الموارد، وفي الوقت نفسه تتيح للأقاليم والمجتمعات المحلية إدارة شؤونها الإنتاجية وفق ظروفها.
وهكذا تصبح اللامركزية أداة لبناء دولة أقوى، لا وسيلة لتفكيك الدولة.
الحادي عشر: الزراعة كأحد أعمدة العقد الوطني الجديد
إذا كان السودان الجديد سيقوم على عقد وطني مختلف، فإن الزراعة يمكن أن تكون أحد أهم أعمدة هذا العقد.
فالأقاليم التي ظلت تشعر بالتهميش يمكن أن ترى في الاستثمار الزراعي والتنموي حقاً وطنياً لا منحة من المركز. والمزارع يمكن أن يتحول من متلقٍ للإغاثة إلى منتج.
والشباب يمكن أن يجدوا في الاقتصاد الزراعي فرصاً للعمل والاستثمار بدلاً من الهجرة أو حمل السلاح. والمرأة الريفية يمكن أن تصبح شريكاً أساسياً في الإنتاج والتصنيع والتسويق. والقطاع الخاص يمكن أن يجد بيئة استثمارية مستقرة مرتبطة بالإنتاج الحقيقي.
وهكذا تتحول الزراعة من قطاع اقتصادي إلى أداة للمصالحة وإعادة توزيع الفرص وبناء السلام.
الثاني عشر: من «إعادة الإعمار» إلى «إعادة التأسيس»
ربما تكون أهم فكرة في مشروع ما بعد الحرب هي ألا نعيد السودان إلى ما كان عليه قبل 15 أبريل 2023. فذلك السودان نفسه كان يحمل جذور أزمته.
لذلك يجب أن يكون السؤال: كيف نبني سوداناً لا يعيد إنتاج الأسباب التي قادته إلى الحرب؟
وفي الزراعة، يعني ذلك الانتقال من المركزية إلى التوطين؛ ومن الإدارة إلى الإنتاج؛ ومن القطاع المنفصل إلى النظام المتكامل؛ ومن الإغاثة إلى القدرة على إنتاج الغذاء؛ ومن استخراج موارد الأقاليم إلى الاستثمار فيها؛ ومن التخطيط المكتبي إلى التخطيط القائم على الأرض والناس والموارد.
الثالث عشر: مشروع قابل للتنفيذ
لا يحتاج هذا التحول إلى انتظار اكتمال بناء الدولة الجديدة. يمكن البدء بمشروعات نموذجية في عدد محدود من المناطق، ثم توسيعها تدريجياً.
ويكون لكل منطقة برنامج متكامل يبدأ بتقييم الموارد، ثم تحديد الأولويات، ثم إعادة تأهيل الخدمات والبنية الأساسية، ثم توفير المدخلات والتمويل، ثم بناء الأسواق وسلاسل القيمة.
وبهذا يمكن تحويل عملية إعادة بناء الزراعة إلى برنامج وطني لإعادة بناء الاقتصاد المحلي.
ويجب أن تتكامل هذه العملية مع الحكومة الانتقالية، والأقاليم، والمجتمعات المحلية، والقطاع الخاص، والجامعات ومراكز البحث، والشركاء الدوليين. لكن القيادة والملكية يجب أن تكونا سودانيتين.
خاتمة: السودان الذي نريد أن نزرعه
بعد الحرب، سيكون السودان أمام خيارين.
إما أن يعيد بناء مؤسسات الماضي، ويعيد إنتاج مركزيتها واختلالاتها، ثم ينتظر أزمة جديدة. وإما أن يستفيد من مأساة الحرب لكي يعيد تأسيس الدولة والاقتصاد والمجتمع على قواعد جديدة.
وفي هذا الخيار الثاني تصبح الزراعة نقطة بداية مهمة.
فالسودان لا يحتاج فقط إلى أن يعيد زراعة ما دمرته الحرب؛ بل يحتاج إلى زراعة بنية جديدة للدولة.
بنية يكون فيها القرار قريباً من الأرض، والإنتاج قريباً من المنتج، والاستثمار قريباً من الموارد، والأسواق مرتبطة بمناطق الإنتاج، والأقاليم شريكاً كاملاً في الاقتصاد الوطني.
إن توطين البنية الزراعية ليس مشروعاً فنياً لوزارة الزراعة. إنه مشروع سياسي واقتصادي لبناء السودان الجديد بعد الحرب.
والسؤال في النهاية ليس فقط: كيف نعيد الزراعة؟ بل: أي سودان نريد أن تزرع فيه هذه الزراعة جذورها؟
ahmedsidahmed.contacts@gmail.com
