تجربة الحزب الشيوعي السوداني 1946-2026
الجزء 4: زلزال 1991 وتيه الأيديولوجيا: 1990-2019
إدوارد كورنيليو
حين انهار جدار برلين 1989، سخر بعضهم: “انتهى الحزب الشيوعي السوداني”. لم ينته، لكن شيئاً مات في داخله. لسبعين عاماً كان الاتحاد السوفيتي هو الإثبات العملي أن الاشتراكية ممكنة. فجأة أصبح الإثبات نقيضه: الاشتراكية تنهار من داخلها. الأحزاب الشيوعية في العالم انقسمت. بعضها حل نفسه واندمج في الاشتراكية الديمقراطية. بعضها تمسك بالاسم وغير المضمون. الحزب السوداني اختار طريقاً ثالثاً: حافظ على الاسم والأيديولوجيا، لكنه غيّر الممارسة بالتدريج.
التسعينيات كانت سنوات النقاش الكبير. “متغيرات العصر”؛ عنوان فضفاض لمأزق حقيقي. هل العولمة تلغي قانون القيمة؟ هل انتهى الصراع الطبقي؟ هل الدولة الوطنية ما زالت أداة تحليل؟ الحزب فتح النقاش، وهذا يُحسب له. آلاف الصفحات من المساهمات. لكن النقاش لم يتحول إلى خط جديد. انتهى إلى توازن هش: نعم للتجديد، لا للتصفية. النتيجة كانت خطاباً مزدوجاً. في العلن: ديمقراطية، حقوق إنسان، دولة مدنية. في الأدبيات الداخلية: دكتاتورية البروليتاريا، الأممية. القاعدة احتارت؛ والخصوم استغلوا الحيرة.
في الواقع، تغيرت القاعدة المادية نفسها. الإنقاذ نفذت أكبر عملية إعادة هندسة اجتماعية في تاريخ السودان. الخصخصة باعت السكة حديد، النقل النهري، مصانع النسيج. مشروع الجزيرة قُتل عمداً. آلاف العمال سُرحوا. الطبقة العاملة الصناعية التي كانت عمود الحزب الفقري تفتت. مكانها صعدت شرائح جديدة: خريجون عاطلون، موظفو دولة يشحذون، رأسماليون طفيليون نبتوا في حضانة البنوك الإسلامية، ونازحون من حروب دارفور والجنوب والنيل الأزرق. الحزب وقف أمام هذا المشهد بتحليل قديم. استمر يخاطب “العمال” الذين لم يعودوا في المصنع، و”المزارعين” الذين هجروا الحواشة. الفئات الجديدة؛ شباب الهامش، نساء القطاع غير المنظم، سكان المعسكرات، لم يجدوا لهم مكاناً في خطابه أو تنظيمه.
في هذا الفراغ نمت حركات جديدة. الحركة الشعبية في الجنوب، حركات دارفور المسلحة، مؤتمر البجا. هذه الحركات طرحت المسألة القومية من زاوية السلاح، لا من زاوية “حق تقرير المصير” النظري. الحزب أدانه العنف، ودعا للحل السلمي. الموقف أخلاقي، لكنه بدا عاجزاً. كيف تدعو لحل سلمي وسلطة تقصف القرى بالأنتنوف؟ القطيعة بين الحزب والحركات المسلحة عزلته عن أوسع قطاعات المهمشين. حاول لاحقاً ترميم العلاقة عبر “نداء السودان”، لكن الجسر كان قد انكسر.
داخلياً، انفجرت التناقضات. الخاتم عدلان خرج من الحزب وأسس “قوى السودان الجديد”. قال إن الماركسية ماتت وإن الحزب يحتاج إلى “علمانية ما بعد أيديولوجية”. معتصم أقرع وآخرون ردوا بأنه يدفن الماركسية باسم التجديد، وأنه يؤيد غزو العراق ويتبنى الليبرالية الجديدة. النقاش لم يكن حول أشخاص، بل حول سؤال مصيري: هل يمكن أن تكون ماركسياً وتقبل بالسوق؟ هل يمكن أن تكون ديمقراطياً وترفض الليبرالية؟ الحزب لم يحسم. ترك الجرح مفتوحاً، فظل ينزف كوادر.
جاءت ثورة ديسمبر 2018. الشارع الذي أسقط البشير لم يكن شارع الستينيات. قيادته شباب لم يقرأوا لينين، لكنهم مارسوا الديالكتيك في الميدان. اعتصام القيادة كان سوفييتاً سودانياً دون أن يدري. لجان المقاومة كانت خلايا ثورية دون لجنة مركزية. الحزب ساهم. كادره القديم علم الشباب كيف يطبعون البيان، كيف ينظمون الموكب، كيف يفاوضون. فكرة “اللجان القاعدية” التي نادى بها منذ 2010 وجدت تحققها. لكن حين سقط البشير، افترق الطريق. الحزب رفض الوثيقة الدستورية، رفض حكومة حمدوك، رفض التطبيع، رفض روشتة صندوق النقد. كلها مواقف مبدئية. لكن الشارع سأل: ما بديلكم؟ والبديل لم يكن جاهزاً. النتيجة: عزلة جديدة. الحزب الذي علّم السودان معنى “لا”، لم يتعلم كيف يقول “نعم” لمشروع. بين 1990 و2019، نجا من الانهيار السوفيتي، لكنه لم ينج من انهيار صلته بالجيل الجديد. في الجزء الأخير سنرى كيف واجهته الحرب بسؤال الوجود.
يعتمد هذا الجزء على متابعة النقاش الداخلي للحزب في التسعينيات حول “متغيرات العصر”، وعلى قراءة نقدية لتحولات البنية الاجتماعية في عهد الإنقاذ، وكتابات الخاتم عدلان ومعتصم أقرع حول مصير الماركسية. ليس تأريخا محايدا للفترة، بل محاولة لفهم كيف فقدت الأيديولوجيا قاعدتها المادية.
tongunedward@gmail.com
