عبدالغني بريش فيوف
في التاسع عشر من أغسطس 2026، عبرت قوة مكونة من أكثر من ثلاثمئة مقاتل من مواقعها في شمال دارفور إلى مدينة الدبة بالولاية الشمالية.
لم تُنزع أسلحتها في نقطة تفتيش، ولم يُسأل أحد من أفرادها عن مكانه في الشهور التي احترقت فيها الفاشر، بل استقبلتها استخبارات الجيش، ورُحّلت إلى أم درمان، وهناك انتظرها النور القبة، وهو نفسه من منشقّي الدعم السريع، ليقول لها بلغة رسمية مصقولة: أهلاً بكم في حضن الوطن.
قائد القوة اسمه موسى خميسين، وبينما كانت العبارات الوطنية تُتلى في أم درمان، كان مقاتلون خرجوا من الفاشر أحياءا يكتبون على وسائل التواصل أنهم يعرفون هذا الرجل جيداً.
اتهموه بالقتال على المحور الجنوبي للمدينة، وبالمشاركة في ما يسمّونه مجزرة الترتوار عند الساتر الترابي الذي أقامته الميليشيا حول المدينة المحاصرة، وبمطاردة الفارّين على طريق الأربعين وفي شرق الكومة وأم هجليج، وبفرض جبايات على النازحين كان العجز عن دفعها يعني الموت، وأشاروا إلى ظهوره في مقاطع مصورة إلى جانب الفاتح أبولولو، الرجل الذي وثّق تصفياته الميدانية بنفسه، وأُعلن اعتقاله تحت وقع الغضب، ثم أفادت تقارير غربية أنه انتقل حراً طليقاً ليقاتل في كردفان.
هذه اتهامات لا أحكام قضائية، وهي بالضبط نوع الاتهامات التي تُوجب التحقيق فوراً لا الترحيب فوراً، والدولة التي تختار الترحيب على التحقيق لا تكون قد أخطأت في تفصيل إجرائي عابر، بل تكون قد أعلنت عقيدتها بوضوح لا يحتمل التأويل: الولاء يشتري البراءة.
عقلية لم تتعلم شيئاً منذ الاستقلال..
السودان لم يعرف سلاماً حقيقياً منذ أن غادرت الإدارة البريطانية أراضيه، والسبب ليس سوء الحظ ولا الجغرافيا ولا التركيبة القبلية التي يتذرّع بها المركز كلما أراد إعفاء نفسه من المسؤولية.
السبب هو تلك العقلية المتحجرة التي ورثت السلطة والثروة والسلاح، وقررت من اللحظة الأولى أن الأطراف الهامش مشكلة أمنية لا شراكة سياسية.
هذه العقلية لم تسأل مرة واحدة، بجدية، عن سبب انفجار الحروب في المناطق المهمشة، بل قررت ان تتعامل معها بمنطقين لا ثالث لهما: القوة الغاشمة، أو استيعاب العائدين في اتفاقيات تنقضها بنفسها قبل أن تجفّ أحبارها، من أديس أبابا إلى نيفاشا إلى أبوجا إلى الدوحة إلى جوبا، النمط واحد لا يتغير: تُشترى القيادة بمنصب، وتُترك القضية معلّقة في الهواء، ويُعاد تدوير المسلّحين داخل مؤسسات الدولة بلا نزع سلاح حقيقي ولا عدالة انتقالية ولا مساس بأسباب الحرب الأصلية، ثم يُقال للناس إن الحرب انتهت، ثم تعود الحرب، وقد صارت أوسع وأشرس، ومعها قادتها القدامى أنفسهم بأثواب جديدة.
وحين لم تكفِها الاتفاقيات، صنعت العقلية نفسها ميليشيات تقاتل بالوكالة عنها، مراحيل في الثمانينيات، ودفاع شعبي في التسعينيات، وجنجويد في مطلع الألفية أُطلقوها في دارفور نيابة عن جيش لم يرد أن يتحمل كلفة حربه، ثم حرس حدود، ثم قوة نظامية بقانون يجيزها ويمنحها ميزانية ورتبا واقتصادا موازيا وذراعا خارجية.
أطعمت الدولة هذا الكائن حتى صار أقوى منها، ثم استغربت أن يأكلها، الحرب التي تدمّر السودان اليوم، ليست هجوماً على النظام من خارجه، إنها فاتورة صنعه الخاص وصلت متأخرة، ومعها فوائدها المتراكمة.
أما الدرس، فلم يُستخلص منه شيء، فبينما كانت الحرب تشتد في كل الجبهات، كان الردّ الحكومي، هو الشروع في صناعة الجيل التالي من الميليشيات: درع السودان وكتيبة البراء بن مالك، وسلسلة من التشكيلات القبلية والأيديولوجية والمناطقية التي تحمل السلاح باسم الدولة وتحتفظ بولائها لغير الدولة، وقُدّم ذلك كله على أنه ضرورة حرب لا مجال للجدل فيها، وهو ما قيل تماماً عن كل ميليشيا في تاريخ السودان الحديث، قبل أن تنقلب على صانعها.
اقتصاد الإفلات من العقاب!!
ما يفعله عبد الفتاح البرهان اليوم أخطر من مجرد صناعة ميليشيا إضافية، لأنه يبني منظومة حوافز كاملة تعمل بمنطقها الخاص وتنتج نتائجها تلقائيا.
لنقرأ الرسالة كما يسمعها مقاتل في دارفور أو كردفان هذه اللحظة: إذا قاتلت مع الميليشيا وارتكبت ما ارتكبت، ثم أحسنت قراءة الميدان وانشققت في الوقت المناسب، فأنت لا تنجو فقط، أنت تُكرَّم، تُستقبل رسمياً، ويُشاد بك في البيانات، وتُدمج بعربتك ورجالك ورتبتك في الجيش الذي كنت تقاتله بالأمس، وجرائمك لا تُنسى فحسب، بل تتحول إلى بند في سيرتك المهنية وسبب لترقيتك.
وقد جرّبت الدولة هذه المعادلة من قبل في هذه الحرب نفسها، ورأت نتيجتها بعينها، قائد انشقّ عن الدعم السريع في الجزيرة بعد ما وثّقته المنظمات هناك، فاستُقبل بوصفه بطلا وأصبح رأس تشكيل موازٍ، وانتهى تحت العقوبات الدولية بينما كانت الفضائيات المحلية تصوّره رمزاً وطنياً، ولم تُقرأ تلك التجربة كتحذير، بل كنموذج ناجح قابل للتكرار.
ما حدث ويحدث، ليس بناء جيش، إنه سوق، الدولة فيه لا تحتكر السلاح بل تستأجره، والمستأجر لا يبني وطناً لأنه يعلم يقيناً أن قيمته مشروطة بدوام الحرب، وأن نزع سلاحه يعني نزع قيمته السياسية والاقتصادية في اللحظة نفسها.
من هنا بالتحديد تأتي الحرب القادمة، لا من مؤامرة خارجية ولا من انقلاب مفاجئ، بل من عشرات القادة الميدانيين الذين مُنحوا شرعية بلا شروط، وسيكتشفون بعد صمت البنادق أن لا مكان لهم في دولة عادية، فيصنعون دولة غير عادية على مقاسهم.
حضن الوطن، ليس مغسلة!!
تستحق لغة هذا الخطاب وقفة، عبارة العودة إلى حضن الوطن، جميلة ومطاطة، وقد استُخدمت في السودان مرات لا تُحصى لتغليف أقذر الصفقات بورق لامع.
الوطن ليس حضناً يُفتح لكل قادم، بل إنه عقد، وأول بند فيه، هو أن الدم له ثمن.
ثم إن هذا الخطاب يهين ضحاياه قبل أي شيء آخر، تصوّر امرأة نجت من الفاشر ومشت طريق الأربعين ودفعت كل ما تملك لتعبر بأطفالها، ثم تفتح هاتفها لترى الرجل الذي تعرف وجهه يُستقبل في أم درمان استقبال العائد الكريم.
ماذا تفهم هذه المرأة عن الدولة السودانية؟
تفهم أنها ليست دولتها، وأنها آلة تكافئ من يحمل بندقية وتتجاهل من يحمل ذاكرة، وهذا الفهم بعينه هو ما ينتج الجيل التالي من المتمردين، لا الأيديولوجيا ولا التدخل الأجنبي ولا كل ما يُلقى عليه اللوم عادة.
ومن يقول إن العدالة تعطّل الحرب ويجب تأجيلها إلى ما بعد النصر، يقلب المعادلة رأساً على عقب، تأجيل العدالة في السودان لم يكن يوما ثمنا للسلام، بل كان السبب المباشر في انهياره المتكرر، في كل مرة قيل لاحقاً، جاء لاحقاً على هيئة حرب جديدة.
ما لا تملك الدولة سلطة التنازل عنه!!
هناك حدّ قانوني لا يجوز لأي قائد أو مجلس أن يتجاوزه بقرار سياسي، فالجرائم الواقعة في دارفور تخضع لولاية المحكمة الجنائية الدولية بموجب إحالة مجلس الأمن منذ عام 2005، والانتهاكات الجسيمة ضد المدنيين، من القتل العمد والاستهداف على أساس الهوية والعنف الجنسي والتجويع كأسلوب حرب، لا يسقطها عفو محلي ولا يمحوها قرار دمج صادر من غرفة عمليات.
البرهان لا يملك أن يعفو عن دم ليس دمه، ولا يملكه النور القبة ولا أي متحدث باسم القوات المساندة، وهذه ليست تفاصيل قانونية مترفة، بل لها أثر عملي مباشر على السودان الذي يقول إنه يريد إعادة الإعمار، حيث لا تمويل دوليا معتبرا، ولا رفع عقوبات، ولا شراكات اقتصادية، ولا عودة آمنة للاجئين، في بلد يدمج المتهمين بجرائم الفاشر في جيشه النظامي ويصوّر ذلك على أنه انتصار.
الإفلات من العقاب سياسة اقتصادية أيضاً، وفاتورتها تُدفع من جيب المواطن الذي لم يقاتل مع أحد.
المحاسبة ليست انتقاما!!
الاعتراض المتوقع جاهز دائما، وهو، هل نطارد ثلاثمئة شخص، وهل نغلق باب الانشقاق فتطول الحرب؟
الجواب هو، أن المحاسبة ليست عقابا جماعيا ولا رفضا لاستقبال من يترك القتال، بل هي أن يكون للاستقبال مسار، وأن يكون للمسار قواعد لا مزاج.
يبدأ ذلك بالتمييز بين المقاتل العادي والقائد، فالفتى الذي جُنّد بالإكراه أو بالجوع في كردفان ودارفور، يحتاج برنامج تسريح وتأهيل ودمج مدني، أما العميد الذي قاد محوراً في حصار مدينة فيحتاج ملفا، ويقتضي أن يجري الفرز والتوثيق قبل الدمج لا بعده، بأن تُحتجز القوة في موقع محدد، وتُسجّل الأسماء والرتب ومواقع الانتشار السابقة، وتُطابق مع ما جمعته لجان التحقيق والمنظمات والناجون، فمن لا شيء عليه يُستوعب ومن عليه شبهة يُوقف على ذمة التحقيق، وهذا ليس ترفاً بل إجراء بديهي في أي جيش يحترم نفسه ويعرف من يُدخله إلى صفوفه.
ويقتضي أيضاً أن يعود العائد فرداً لا بجيشه الصغير وعرباته ومحاسيبه، فالاحتفاظ بالبنية يعني الاحتفاظ بالميليشيا داخل الجيش، وهو تحديداً الخطأ الذي أنتج الدعم السريع من رحم الدولة.
ويقتضي مسارا قضائيا واحدا للجميع، لا محاسبة انتقائية تلاحق ميليشيا الخصم وتغفر لميليشيا الحلف، فأي عدالة تعرف الانتماء قبل أن تعرف الفعل ليست عدالة بل تصفية حسابات مؤجلة.
ويقتضي أخيرا أن يكون احتكار الدولة للسلاح هدفا معلنا ومجدولا بمواعيد وميزانيات وبرامج تسريح، لا أمنية بلاغية تُردد في الخطب.
السودان لم يُهزم في هذه الحرب فقط، بل هُزم في تفسيرها، حيث الرواية الرسمية تقول إن المشكلة ميليشيا واحدة يجب دحرها، وإن كل ما يخدم دحرها مباح، والحقيقة أن المشكلة هي المصنع لا المنتَج، المصنع الذي يحوّل الجماعات المسلحة إلى أدوات رخيصة، ثم يُفاجأ حين تكتشف الأدوات أن لها مشروعا خاصا.
إن ما جرى في الدبة وأم درمان، ليس تفصيلا عسكريا يمكن تجاهله، ولا خبراً يُطوى بانتهاء نشرة المساء، بل إنه اختبار لطبيعة الدولة التي يُراد بناؤها بعد الحرب، فإما دولة تُخضع السلاح للقانون، وتفرز المنشقين، وتحقق في الاتهامات، وتنصف الضحايا، وإما سلطة تعيد شراء الولاءات وتمنح البنادق صكوك البراءة كلما بدّلت مواقعها.
ليس المطلوب إغلاق باب الانشقاقات أو معاقبة المقاتلين جماعيا، بل منع الانشقاق من أن يتحول إلى مغسلة للجرائم، إذ من يترك القتال ينبغي أن يجد مسارا واضحا للتسليم والتسريح وإعادة التأهيل، ومن تحوم حوله شبهات الانتهاكات ينبغي أن يجد تحقيقا مستقلا ومحاكمة عادلة، فلا الانضمام إلى الجيش يمحو الماضي، ولا تبديل الزي يعيد الدم إلى أصحابه.
لقد دفع السودان ثمنا فادحا لأن سلطاته ظلت تعالج كل ميليشيا بميليشيا أخرى، وكل أزمة بصفقة جديدة، وكل جريمة بتأجيل جديد للعدالة، وقد حان الوقت لكسر هذه الحلقة، وهي جيش وطني واحد، وسلاح واحد، وقانون واحد، ومحاسبة لا تميّز بين حليف وخصم، فالعدالة ليست عبئا على السلام، بل هي الأساس الوحيد الذي يمنع السلام من التحول إلى هدنة مؤقتة بين المسلحين.
أما الدولة التي تستقبل المتهمين قبل أن تستمع إلى الضحايا، وتكافئ الولاء قبل أن تتحقق من الدم، فلن تبني وطنا، ستؤجل فقط موعد الانفجار التالي.
السودان لا يحتاج إلى إعادة تدوير الميليشيات، بل إلى إنهاء المصنع الذي ينتجها، لأن وطناً يُبنى بلا محاسبة ليس دولة، وإنما حرب مؤجلة تنتظر بندقيتها التالية.
bresh2@msn.com
