ليس كل نموٍّ ثروة
قراءة في كتابين يعيدان تعريف معنى النجاح الاقتصادي
منبر نور
مقالات من بطون الكتب ونبض الواقع
المقدمة:
ماذا لو كان السؤال الاقتصادي الذي نطرحه خطأ؟
منذ أن بدأنا في «منبر نور» رحلة العودة إلى بطون الكتب، ونحن نحاول ألا نقرأ الكتاب باعتباره صفحات انتهى زمنها بخروجها من المطبعة، وإنما باعتباره عقلًا ينتظر قارئًا جديدًا.
قرأنا عن المؤسسات، والموارد، والتقنية، والابتكار، والوفرة، والهدر، ورأينا كيف يمكن لفكرة قديمة أن تعود في عصر جديد فتبدو وكأن مؤلفها كان ينظر من نافذة المستقبل.
واليوم نصل إلى سؤال يبدو بسيطًا، لكنه في الحقيقة يهز واحدة من أكثر المسلمات رسوخًا في الاقتصاد الحديث:
هل كل نمو اقتصادي جيد؟
اعتدنا أن نفرح عندما يرتفع الناتج المحلي الإجمالي، وأن نقلق عندما ينخفض.
اعتدنا أن نقرأ معدلات النمو كما نقرأ درجات الحرارة، ونعتبر ارتفاع الرقم علامة صحة وانخفاضه علامة مرض.
لكن ماذا لو كان الاقتصاد ينمو،
بينما لا يشعر المواطن بتحسن مماثل في حياته؟
ماذا لو ارتفع الناتج لأننا استخرجنا مزيدًا من النفط أو الذهب،
بينما لم يرتفع التعليم والصحة والإنتاجية؟
ماذا لو زاد الاستهلاك، لكن زادت معه الديون والتلوث واستنزاف الموارد؟
وماذا لو كان الاقتصاد قد كبر، ولكن الإنسان لم يكبر معه؟
هنا نفتح كتابين يلتقيان عند هذه المنطقة الحساسة، وإن اختلفت زاوية كل منهما:
The Growth Delusion للكاتب البريطاني ديفيد بيلينغ2018
وهو يشكل محاولة
نقد مباشر للهوس
بقياس النجاح من خلال النمو والناتج المحلي الإجمالي.
وقد وصف الناشر الكتاب بأنه نقد للاعتماد الضيق على النمو بوصفه مؤشرًا للرفاه.
وكتاب:
Doughnut Economics: Seven Ways to Think Like a 21st-Century Economist للاقتصادية كيت راورث، الصادر عام 2017، والذي يقترح
أن يكون هدف الاقتصاد تلبية احتياجات البشر داخل الحدود التي يستطيع الكوكب تحملها.
كتابان حديثان نسبيًا، لكنهما يفتحان بابًا قديمًا جديدًا في آن واحد:
ما الغاية من الاقتصاد أصلًا؟
ديفيد بيلينغ:
عندما يتحول النمو من وسيلة إلى عقيدة
يبدأ بيلينغ من شيء أصبح مألوفًا إلى درجة أننا نكاد لا نسأل عنه.
الناتج المحلي الإجمالي.
ذلك الرقم الكبير الذي تختصر فيه الدول نشاطها الاقتصادي، ويصبح محورًا لتقييم الحكومات والسياسات والأداء الاقتصادي.
لكن المشكلة ليست في أن الناتج المحلي الإجمالي لا قيمة له.
إنه مقياس مهم جدًا للنشاط الاقتصادي.
المشكلة عندما يتحول من مقياس إلى غاية.
وهنا تكمن قوة كتاب بيلينغ.
إنه لا يقول لنا إن النمو بلا قيمة، بل يسأل:
نمو ماذا؟ ولمن؟ وبأي ثمن؟
قد ينمو الاقتصاد لأن المصانع تنتج أكثر.
وقد ينمو لأن الناس يشترون أكثر.
وقد ينمو بسبب استثمارات ضخمة.
لكن الناتج المحلي لا يخبرنا وحده كيف توزعت ثمار ذلك النمو، ولا يكشف لنا بصورة كافية ما إذا كانت البيئة قد تدهورت، أو ما إذا كان المجتمع أصبح أكثر تفاوتًا، أو ما إذا كانت جودة الحياة تحسنت بنفس النسبة.
والكتاب لذلك ليس معركة مع النمو، وإنما مع اختزال النجاح الاقتصادي في رقم واحد.
الرقم الذي لا يرى الإنسان
تخيل اقتصادين.
الأول حقق نموًا بنسبة 7%.
لكن هذا النمو ذهب إلى طبقة صغيرة، وارتفعت تكاليف السكن والتعليم والعلاج، وتدهورت البيئة، ولم تتحسن إنتاجية العامل.
والثاني حقق نموًا بنسبة 4%.
لكن دخل الفقراء ارتفع، وتحسن التعليم، وانخفضت البطالة، وتوسعت الخدمات الصحية، وتحسنت البنية الأساسية.
أي الاقتصادين نجح أكثر؟
الآلة الإحصائية قد تجيبنا بجملة قصيرة:
الأول.
لكن حياة الإنسان قد تعطينا إجابة مختلفة.
وهنا يصبح السؤال الاقتصادي سؤالًا فلسفيًا:
هل نقيس الاقتصاد من أجل الاقتصاد، أم نقيسه من أجل الإنسان؟
كيت راورث: ارسم الاقتصاد من جديد
إذا كان بيلينغ يشكك في الطريقة التي جعلنا بها النمو مقياسًا للنجاح، فإن كيت راورث تذهب أبعد:
لنرسم صورة أخرى للاقتصاد.
ومن هنا جاءت «اقتصادات الدونات».
قد يبدو الاسم لأول وهلة طريفًا، لكنه يخفي وراءه تصورًا بالغ العمق.
الدائرة الداخلية تمثل الأساس الاجتماعي الذي ينبغي ألا يسقط الإنسان تحته: الغذاء، والماء، والصحة، والتعليم، والسكن، والدخل، والعمل، والعدالة وغيرها.
أما الحلقة الخارجية فتمثل السقف البيئي الذي لا ينبغي للبشرية أن تتجاوزه إذا أرادت أن تحافظ على الأنظمة الطبيعية التي تقوم عليها الحياة.
وبينهما تقع المساحة التي تسميها راورث المساحة الآمنة والعادلة لازدهار البشرية.
وهنا تظهر الفكرة بصورة شديدة الجمال:
لدينا مشكلتان متعاكستان.
إنسان يقع داخل الحفرة لأنه محروم من أساسيات الحياة.
وإنسان يخرج فوق السقف لأنه يستهلك موارد الكوكب بصورة تتجاوز قدرته.
والاقتصاد الجيد هو الذي يحاول إبقاء البشر في المنطقة الواقعة بين الحرمان والتجاوز.
بين بيلينغ وراورث:
الحوار يبدأ
هنا يصبح الكتابان أكثر إثارة عندما نضعهما جنبًا إلى جنب.
بيلينغ يقول:
انتبهوا إلى ما تقيسونه.
وراورث تقول:
وانتبهوا إلى الحدود التي يتحرك داخلها الاقتصاد.
بيلينغ يشكك في جعل الناتج المحلي الإجمالي بوصلة وحيدة.
وراورث تبحث عن بوصلة مختلفة: مجتمع لا يترك الناس تحت الحد الاجتماعي الأدنى، ولا يدفع الكوكب فوق حدوده البيئية.
إنهما لا يقدمان الوصفة نفسها، لكنهما يتكاملان بصورة رائعة.
الأول يسأل عن المقياس.
والثاني يسأل عن الغاية والحدود.
النمو ليس عدوًا
وهنا ينبغي أن نكون منصفين.
لا يجوز أن نخرج من الكتابين باستنتاج ساذج يقول إن النمو الاقتصادي سيئ.
هذا غير صحيح.
الدول الفقيرة تحتاج إلى النمو.
المجتمعات التي تفتقر إلى الكهرباء والمياه النظيفة والمستشفيات والمدارس والطرق والمصانع تحتاج إلى مزيد من الإنتاج، لا إلى أقل.
الدولة التي يعيش مواطنوها في الفقر لا تستطيع أن تقول لهم:
«لن ننمو لأن النمو يضر البيئة».
فالفقر نفسه مشكلة اقتصادية وإنسانية وبيئية.
وهذا بالضبط ما يجعل رؤية راورث مثيرة: هدفها ليس منع التنمية، وإنما الوصول إلى منطقة تحقق الاحتياجات الأساسية للناس دون تجاوز القدرة البيئية للكوكب.
إذن ليست القضية:
النمو أم عدم النمو؟
بل:
أي نمو؟
النمو الذي تحتاجه الدول النامية
الدول المتقدمة والدول النامية لا تبدأ من النقطة نفسها.
بل إن هذه الحقيقة ينبغي أن تكون في قلب النقاش العالمي.
الدولة الغنية قد تواجه سؤالًا:
كيف نقلل استهلاكنا ونحافظ على رفاهنا؟
أما الدولة الفقيرة فتواجه سؤالًا مختلفًا:
كيف نوفر الغذاء والماء والطاقة والتعليم والعمل لملايين البشر؟
لا يمكن وضع الدولتين في سلة واحدة.
وهنا تصبح فكرة «النمو النوعي» أكثر أهمية.
نحن لا نريد فقط نموًا في الإنفاق.
نريد نموًا في الإنتاجية.
ولا نريد فقط نموًا في استخراج الموارد.
نريد نموًا في القيمة المضافة.
ولا نريد فقط زيادة الاستيراد.
نريد زيادة القدرة على الإنتاج.
ولا نريد فقط زيادة عدد الجامعات.
نريد زيادة المهارات التي يحتاجها الاقتصاد.
في السودان: هل نريد نموًا أم تغييرًا في طبيعة الاقتصاد؟
وهنا نصل إلى السؤال الذي يهمنا أكثر.
السودان بلد واسع الموارد، لكنه لم يتحول حتى الآن إلى اقتصاد واسع القيمة.
لدينا ذهب.
ولدينا أراضٍ زراعية.
ولدينا ماشية.
ولدينا موارد مائية.
ولدينا معادن.
ولدينا طاقة شمسية هائلة.
ولدينا موقع جغرافي.
ولدينا ملايين الشباب.
لكن وجود المورد لا يعني تلقائيًا وجود الثروة.
وهذا موضوع ناقشناه في مقالات سابقة من «منبر نور».
الثروة تبدأ عندما نعرف كيف نحول المورد إلى قيمة مضافة.
وهنا يمكن لكتاب بيلينغ أن يسألنا:
إذا ارتفعت قيمة صادرات الذهب، فهل أصبح الاقتصاد أكثر صحة بالضرورة؟
ويمكن لراورث أن تسأل:
هل انعكس هذا النمو على الأساس الاجتماعي للإنسان السوداني؟
هل تحسن التعليم؟
هل تحسنت الصحة؟
هل ارتفعت الإنتاجية؟
هل أصبح الاقتصاد أكثر قدرة على خلق وظائف مستدامة؟
هل حافظنا على مواردنا للأجيال القادمة؟
قد يؤدي استخراج مورد طبيعي إلى زيادة الناتج والصادرات والإيرادات.
وهذا أمر جيد في ذاته.
لكن إذا خرج المورد من الأرض ولم يترك وراءه صناعة، ولا معرفة، ولا بنية أساسية، ولا مهارات، ولا مؤسسات، فقد تكون الدولة قد حققت دخلًا دون أن تبني اقتصادًا.
وهنا يكمن الفرق.
الدخل يمكن أن ينتهي.
أما القدرة الإنتاجية فتبقى.
إذا استخرجنا الذهب وبعناه، انتهى الذهب.
لكن إذا بنينا حول الذهب:
مدارس فنية،
كليات تعدين،
مختبرات،
شركات هندسية،
مصانع معالجة،
شركات خدمات تعدين،
صناعات مجوهرات،
ومراكز بحث،
فإن المورد يتحول إلى منظومة معرفية وإنتاجية.
وهذه المنظومة يمكن أن تعيش حتى بعد انخفاض إنتاج المنجم.
الاقتصاد الذي يستهلك رأس ماله
وهنا يلتقي المقال الجديد مع مقالنا السابق «حين تصبح الوفرة فقرًا».
هناك قلنا إن الاقتصاد يمكن أن ينتج الكثير لكنه يهدر الكثير.
وهنا نقول:
يمكن للاقتصاد أن ينمو، لكنه إذا استهلك رأس ماله الطبيعي والبشري دون أن يعوضه، فقد يكون النمو ذاته جزءًا من المشكلة.
دولة تستنزف المياه الجوفية أسرع من قدرتها على التجدد.
دولة تقطع الغابات دون إعادة تشجير.
دولة تهمل التعليم لعقود ثم تتساءل لماذا انخفضت إنتاجية العمل.
دولة تسمح بتآكل البنية الأساسية دون صيانة.
هذه الدول قد تحقق نموًا في سنة أو سنتين.
لكنها ربما تكون تستهلك مستقبلها كي تمول حاضرها.
رأس المال الذي لا يظهر في الميزانية
وهنا نصل إلى فكرة شديدة الأهمية:
هناك أشياء كثيرة لا تظهر بسهولة في الحسابات الاقتصادية، لكنها تصنع الاقتصاد.
الثقة.
المعرفة.
الصحة.
البيئة.
المؤسسات.
رأس المال الاجتماعي.
مهارات العمال.
الاستقرار.
كلها أصول اقتصادية.
إذا أهملتها الدولة، فقد لا يظهر الضرر فورًا في الناتج المحلي.
لكنه يظهر بعد سنوات.
ولهذا فإن الحكمة الاقتصادية ليست أن تسأل فقط:
كم أنتجنا هذا العام؟
بل:
ماذا تركنا للعام القادم؟
راورث والاقتصاد الذي لا يترك أحدًا خلفه
تقدم راورث تصورًا يجعل التنمية عملية ذات وجهين.
من جهة، يجب رفع من هم تحت الحد الاجتماعي.
ومن جهة أخرى، يجب ألا يتجاوز الاقتصاد الحدود البيئية.
وهذا مهم جدًا بالنسبة إلى العالم النامي.
لأن تحقيق التنمية لا ينبغي أن يعني نسخ المسار الصناعي للدول الغنية بكل ما صاحبه من استنزاف بيئي.
يمكن للدول النامية أن تقفز فوق بعض المراحل.
أن تستخدم الطاقة الشمسية بدلًا من بناء بعض أنماط الطاقة القديمة.
أن تستخدم التكنولوجيا الرقمية بدلًا من بعض البنى الورقية.
أن تبني نقلًا أكثر كفاءة.
أن تستخدم الزراعة الدقيقة.
أن تحول المخلفات إلى موارد.
أن تبني اقتصادًا دائريًا.
وبذلك لا تكون التنمية مجرد تكرار لتاريخ الآخرين، بل فرصة لبناء نسخة أكثر كفاءة من التنمية.
لنتخيل مشروعًا صناعيًا في السودان.
الطريقة التقليدية في تقييمه قد تسأل:
كم ينتج؟
كم يوظف؟
كم يدفع ضرائب؟
كم يضيف إلى الناتج المحلي؟
وهي أسئلة مهمة.
لكن المنهج الأعمق يسأل أيضًا:
كم قيمة مضافة محلية يخلق؟
كم مهندسًا وفنيًا يدرب؟
كم شركة سودانية تدخل في سلسلة توريده؟
كم نسبة المكونات المحلية؟
هل يحافظ على المياه؟
كيف يتعامل مع المخلفات؟
هل يبني معرفة يمكن أن تنتقل إلى صناعات أخرى؟
هل الوظائف التي يخلقها مؤقتة أم مستدامة؟
وهنا يتحول تقييم المشروع من حساب الإنتاج إلى حساب التنمية.
من الاقتصاد الذي يكبر إلى الاقتصاد الذي ينضج
ربما تكون هذه هي العبارة التي نحتاجها.
ليس الهدف أن يكبر الاقتصاد فقط.
بل أن ينضج.
الاقتصاد الناضج هو الذي يستطيع تحويل النمو إلى:
دخل،
وفرص عمل،
ومعرفة،
وصحة،
وتعليم،
وبنية أساسية،
وعدالة،
واستدامة.
أما الاقتصاد الذي يكبر رقمه بينما تتآكل قدرته الإنتاجية، فهو مثل إنسان يزداد وزنه دون أن تزداد صحته.
قد يبدو أكبر.
لكنه ليس بالضرورة أفضل.
.
مراجع المقال
David Pilling, The Growth Delusion: Wealth, Poverty, and the Well-Being of Nations, Tim Duggan Books/Crown, 2018.
Penguin Random House
Kate Raworth, Doughnut Economics: Seven Ways to Think Like a 21st-Century Economist, Chelsea Green Publishing, 2017.
Google Books
Kate Raworth, “Why it’s time for Doughnut Economics,” IPPR Progressive Review, 2017.
Wiley Online Library
J. F. Rockström et al., أعمال وأبحاث Planetary Boundaries التي استند إليها إطار السقف البيئي لدى راورث.
Amartya Sen, Development as Freedom, 1999.
E. F. Schumacher,
Small Is Beautiful: Economics as if People Mattered, 1973.
عبد العظيم الريح مدثر
متقاعد من
المصرف العربي للتنميه الاقتصاديه في افريقيا
مؤسس منبر
نور البحثي
sanhooryazeem@hotmail.com
