عبد المنعم عجب الفَيا
درجت نصوص القوانين والتشريعات السودانية على استعمال كلمة “شهود” جمعا لشاهد، وهو الشخص الذي يستدعى امام البوليس أو النيابة أو المحكمة ليدلي بشهادته حول الواقعة أو الوقائع المتعلقة بالدعوى محل التقاضي. فاستقرت لذلك كلمة شهود في لغة اهل مهنة القانون جمعا وحيدا لكلمة “شاهد” .
لكنا نجد بالمقابل ان المتقاضين والمتخاصمين وعامة الناس لا سيما الاميين منهم يستخدمون كلمة “شهداء” جمعا لشاهد، الأمر الذي جعلهم عرضة للسخرية والتندر من بعض أهل المهنة الذين يعتقدون خطأ ان شهود هي الجمع الوحيد الصحيح، ولظنهم أن الشهداء صفة تطلق حصرا على الأموات في سبيل الله.
والحق أن القرآن الكريم استعمل صيغة الجمع شهداء في الآيات ذات الصلة بالشهادة في معنى البينة، ولم يستعمل شهداء بمعنى القتلى في سبيل الله لو لمرة واحدة. وإنما ورد ذلك في الحديث الشريف.
قال تعالى: ” وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا”. البقرة ٢٨٢
قال: ” شهيدين” ولم يقل شاهدين. وقال: شهداء.
ويقول عز وجل : (والذين يرمون المحصناتِ ثم لم يأتوا بأربعةِ شُهداءَ فأجلدوهم ثمانينَ جلدةً). النور ٤
وقال جل شانه: (والذين يرمون أزواجَهم ولم يكن لهم شهداءُ إلا أنفسُهم فشهادةُ أحدِهم أربعُ شهاداتٍ بالله أنه لمِنَ الصادقينَ). النور ٦
ومفرد شهداء، شهيد وشاهد. وقد استعمل القرآن الكريم الصيغتين شاهد وشهيد بمعنى واحد. قال تعالى :”وكَذَلِك جعلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا”. البقرة ١٤٣
وقال عز وجل: “وكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا”. النساء ٤١
وقال تعالى: “وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين، وان كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين”. يوسف ٢٦، ٢٧
قال شهيد في معنى شاهد، وقال شاهد في معنى شهيد، والجمع في كليهما شهداء.
وفي ذلك يقول معجم لسان العرب: “والشهيد: الشاهد، والجمع الشهداء. وأشهدته على كذا فشهد عليه أي صار شاهدا عليه. يقال للشاهد شهيد، ويجمع شهداء. واستشهدتُ فلانا على فلان إذا سألته إقامة شهادة احتملها”.
وأما الجمع شهود فقد ورد في القرآن الكريم في معنى عالمين عارفين. قال تعالي: “وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِين”. يونس ٦١
قوله: ” إنا كنا عليكم شهودا”، اي مطلعين وعالمين عارفين بما تعملون من عمل.
وهناك صيغة جمع أخرى لشاهد وشهيد، وهي شاهدين. ومنها قوله تعالى:”وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِين”. ال عمران، ٨١
محل الاستدلال قوله: “قالوا اقررنا قال، فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين”.
وقد درج بعض اهل القانون على أن يختموا صيغ العقود والبيوع والاقرارات بهذه الجملة: “وقد اشهدت من حضر من الشهود والله خير الشاهدين”.
هامش:
هذه المادة وردت في كتابنا (الفاظ اللهجة السودانية في لغة القرآن) الصادر في سنة ٢٠١٧ وهنا مزيدة ومعاد تحريرها.
عبد المنعم عجب الفَيا
٢٣ أغسطس ٢٠٢٦
