يا لهذا التناقض فهؤلاء الذين يصرخون الآن لماذا ترفض صمود والقوى المدنية الحوار؟، هم أنفسهم الذين قالوا بالأمس ان هذه القوى عبارة عن خونة وعملاء وكفار ومشركون، وان صمود والقوى المدنية الرافضة للحرب هم ضد الجيش وضد الوطن. فلماذا يريدون الحوار مع الخونة الآن؟ ولماذا يركضون خلف العملاء الآن؟ ولماذا يستجدون الكفار والمشركين الآن؟
كيف يتحول الخائن فجأة إلى شريك في الحوار؟ وكيف يصبح العميل فجأة مطلوبًا لإنقاذ البلاد؟ وكيف يصبح عدو الجيش فجأة ضرورة سياسية؟ وان كانت القوى المدنية الرافضة للحرب أقلية لا وزن لها ولا شعبية لها فلماذا كل هذا الغضب ان كانت اقلية ولماذا كل هذا الصراخ؟ ولماذا كل هذا الاستجداء؟ ولماذا كل هذا الضغط لإدخالهم في الحوار؟
الحقيقة انهم يعلمون علم اليقين أن الحوار بلا صمود والقوى المدنية لا قيمة له وأن المسرحية بلا جمهور ستكون غير صالحة للعرض وأن الشرعية بلا شعب لا تصنع. ويعرفون أيضا أن القوى المدنية الرافضة للحرب تملك شيئًا لا يملكونه تملك المبدأ والضمير والذاكرة وتملك الحق الأخلاقي وهذا وحده كافٍ لإسقاط أي مسرحية سياسية.
الغضب الذي تراهم فيه اليوم هو غضب من أن القوى المدنية التي شيطنوها وسبّوها وكفّروها واتهموها بالخيانة لم تعد ورقة يمكن ابتلاعها أو استخدامها في الوقت الذي يناسبهم. هم غاضبون لأن صمود والقوى المدنية لم تدخل المسرحية ولن تمنحهم الشرعية التي يبحثون عنها ولم تقبل أن تكون ديكورًا في حوار يعرف الجميع أنه حوار غير معني بإنهاء الحرب.
القوى المدنية قالت شيئًا بسيطًا جدًا (أوقفوا الحرب أولًا) وهذه الجملة وحدها كافية لنسف كل المسرحيات لأن الحرب هي الشيء الوحيد الذي يمنح هؤلاء الذين يدعون الى الحوار القوة والسلاح والسيطرة والفوضى وهي أيضا الشيء الوحيد الذي يمنع الشعب من أن يسألهم من أعطاكم الحق في الحكم؟
رفض القوى المدنية للحوار ليس رفضا للسلام بقدر ما هو رفضا لخداع جديد والحوار الذي يدعون إليه ليس حوارا بل هو المشهد الأول في مسرحية قديمة مسرحية شاهدناها عشرات المرات يغيرون فيها لون الستارة ويبدلون فيها المقاعد لكن الممثلين هم نفسهم والنص هو نفسه والكذب هو نفسه والكوزنة هي نفسها وكأن السودان أرض بلا ذاكرة وكأن الشعب بلا عينين وكأن الدم الذي سال لم يكن دماً بشرياً. هذا الحوار ليس هو الأول ولن يكون الأخير ما دام الهدف هو شرعنة السلطة وغطاء لتمديد الحكم ومحاولة لإعادة تدوير الكيزان وأيضا محاولة لإعادة إنتاج نفس النظام الذي دمّر البلاد
تاريخ هؤلاء يقول إنهم يتبدلون كل يوم بينما الحقيقة ثابتة، هي الكوزنة ذلك المرض الذي لا يعرف مبدأ ولا يعرف حياء ولا يعرف ثباتًا ولا يعرف إلا البقاء في السلطة مهما كان الثمن.
دعوهم يذهبون إلى حوارهم لأن الشعب هذه المرة لن ينظر إليهم بعين الخوف ولكن بل بعينٍ رأت كل شيء عين رأت القتل والسحل والاغتصاب والنزوح والجوع واللجوء، عين رأت الخراب الذي صنعوه بأيديهم ثم جاؤوا اليوم ليغطوه بخرقة اسمها الحوار إنه حوار بلا شعب وبلا عدالة وبلا وقف للحرب وبلا رؤية.
أخيرا من حقنا أن نسأل لماذا يريدون الحوار الآن؟ لماذا بعد أن أشعلوا الحرب؟ لماذا بعد أن قسموا البلاد؟ لماذا بعد أن نزح الملايين؟ لماذا بعد أن مات الأبرياء؟ لماذا بعد أن تحول القتلة إلى أبطال؟ لماذا بعد أن تحوّل المغتصبون إلى أطهار؟ لماذا بعد كل هذا الدمار، ألم يكون الحوار خيارا مطروحا من قبل كل هذا القتل والخراب ألم يكن الحوار خياراً مطروحاً قبل كل هذا الدم؟ ألم يكن ممكناً أن يجلسوا قبل أن يشتعل الوطن؟ ألم يكن ممكناً أن يوقفوا الحرب قبل أن تتحول المدن إلى مقابر؟
كان خيارا رفضتموه لأنكم كنتم تعلمون أن الحوار والتفاوض لحظتها سيوقف الحرب التي خططتم لها كوسيلة لإحداث فوضى تعيدكم الى السلطة فأنتم لا تعرفون الحوار أنتم لا تعرفون إلا الأوامر وإلا الطاعة وإلا البيعة وإلا الولاء الأعمى. أنتم لا تجلسون إلى طاولة إلا إذا كانت الطاولة وسيلة لإعادة إنتاجكم ولا تفتحون بابا إلا إذا كان الباب يؤدي إلى نفس الغرفة التي صنعتم فيها الخراب.
فاذهبوا إلى حواركم وافعلوا ما شئتم فقد فعلتموها من قبل وستفعلونها من بعد ما داموا تصرّون على البقاء فوق كراسي الحكم رغم أنف الشعب الذي قتل وسحل ونزح وهاجر. خطابكم لم يعد يخدع أحد وكلماتكم لم تعد تغطي الدم وبياناتكم لم تعد تخفي الخراب وكل محاولة لإعادة إنتاجكم ستسقط لأن الشعب هذه المرة يرى كل شيء بمنظار ما بعد الدو وما بعد الخراب .
عبدالله جعفر
