د. فراج الشيخ الفزاري
تلقيت عبر بريدي الإلكتروني الخاص عدداً كبيراً من التعليقات الإيجابية التي تؤيد وتزكي ترشيح الدكتورة حنان الكواري، مرشحة دولة قطر لمنصب المدير العام لمنظمة الصحة العالمية.
ولعل تعليق الاستشاري والخبير في الصحة العامة وصحة البيئة، د. عبدالماجد مردس أحمد، خير من يمثل جانباً مهماً من هذه الآراء، فضلاً عما يتمتع به من رأي ثاقب ومكانة مرموقة في المشهد الصحي الوقائي في السودان.
وقد تناول الدكتور مردس الموضوع من منظور سوداني ومهني متوازن، مستهلاً مداخلته بالقول:
مع خالص الود والتقدير للأستاذ الدكتور فراج الشيخ، خبير الصحة العامة وصحة البيئة، على طرحه هذا الموضوع في هذا الظرف السوداني والإقليمي والدولي بالغ الحساسية، وعلى دعمه لترشيح الدكتورة حنان الكواري، مرشحة دولة قطر لمنصب المدير العام لمنظمة الصحة العالمية.
ويرى د. مردس أن تناول الموضوع من المنظور السوداني يستحق التوقف عنده؛ ليس فقط باعتباره تنافساً على منصب دولي رفيع، وإنما أيضاً من منطلق الوفاء ورد الجميل للمواقف الإنسانية التي اتخذتها دولة قطر تجاه الشعب السوداني قبل الحرب وبعدها.
ويضيف:
وقد كنت شاهداً على جانب من هذا الحضور الإنساني والميداني من خلال المؤسسات والمنظمات القطرية، وفي مقدمتها قطر الخيرية والهلال الأحمر القطري، وما قدمته من دعم ومساندة في مجالات إنسانية وصحية وإغاثية متعددة.
ومن هنا قد يتساءل البعض: ما علاقتنا نحن بترشيح المدير العام لمنظمة الصحة العالمية؟
والحقيقة أن الأمر يعنينا بصورة مباشرة؛ فهذه المنظمة شريك أساسي في قضايا الصحة العامة، والطوارئ الصحية، ومكافحة الأوبئة، ودعم النظم الصحية، وهي قضايا تمس السودان بصورة خاصة في ظل ما يمر به من حرب ونزوح وأزمات إنسانية وصحية متراكمة، وما يتطلبه المستقبل من بناء للنظام الصحي والتعافي وإعادة الإعمار.
كما أن ترشيح الدكتورة حنان الكواري يستحق الاهتمام والتقدير لما تتمتع به من خبرة في إدارة النظم الصحية ورؤية في مجالات الصحة العامة، فضلاً عن مواقفها العملية تجاه الكوادر الصحية والطبية السودانية، ولا سيما خلال جائحة كورونا.
ومع ذلك، فإن الموقف المهني المتوازن يقتضي الإقرار بوجود أكثر من مرشح لهذا المنصب، من المنطقة العربية وخارجها، وأن يستند الاختيار إلى الكفاءة والسجل المهني والرؤية والقدرة على قيادة المنظمة في مرحلة شديدة التعقيد، بعيداً عن العاطفة أو الاعتبارات الجغرافية وحدها.
وهنا تبرز قضية جوهرية قد تكون من أهم معايير الاختيار، وهي المستقبل المالي والسياسي لمنظمة الصحة العالمية، وقدرتها على الحفاظ على استقلالية قرارها في ظل التحولات التي يشهدها التمويل الدولي، بما في ذلك تراجع الدعم الأمريكي للمنظمة أو تغيره.
فالمدير العام المقبل لن يحتاج إلى خبرة صحية وإدارية فحسب، بل إلى قيادة قادرة على تأمين تمويل مستدام، وتنويع مصادر الدعم، والحد من الارتهان لأي جهة مانحة، وحماية استقلالية القرار الفني والعلمي للمنظمة من الضغوط السياسية والمالية.
ومن هذا المنطلق، يرى د. مردس أن على الدول العربية والإقليمية تكثيف التشاور والسعي إلى التوافق حول مرشح يحظى بأوسع قدر من القبول والكفاءة والرؤية، بما يحول دون تشتت الأصوات ويعزز فرص المنطقة في الوصول إلى هذا المنصب العالمي المهم.
وينبغي أن يستند دعم أي مرشح إلى معايير واضحة، من أبرزها:
الكفاءة والخبرة القيادية.
الفهم العميق لقضايا الصحة العامة والطوارئ والأزمات.
القدرة على تأمين مستقبل مالي مستدام للمنظمة.
حماية استقلالية القرار الصحي والعلمي.
دعم الدول الهشة والمتأثرة بالحروب والنزوح والأزمات.
امتلاك رؤية عالمية تتجاوز المصالح الجغرافية والسياسية الضيقة.
أما بالنسبة للسودان، فمن حقنا أن نتذكر مواقف من وقفوا إلى جانبه في أوقات الشدة، وأن نرد الجميل بالتقدير والدعم، من دون أن يؤثر ذلك في موضوعيتنا المهنية تجاه بقية المرشحين.
فالوفاء لا يتعارض مع المهنية، والدعم لا يعني إلغاء المنافسة، والاختيار الرشيد لا يقوم على المجاملة، وإنما على الكفاءة والسجل المهني والرؤية والقدرة على قيادة منظمة الصحة العالمية نحو مزيد من الاستقلال والاستدامة والعدالة الصحية.
وفي تقديري، فإن مثل هذه الآراء والمداخلات المهنية تمثل إضافة مهمة للنقاش حول هذا الاستحقاق الدولي، وتؤكد أن اهتمام السودانيين بالترشيح لا ينطلق من المجاملة أو العاطفة وحدها، وإنما أيضاً من قراءة لمصالح السودان وعلاقاته وموقعه في منظومة الصحة العالمية.
وأجدد شكري وتقديري للدكتور عبدالماجد مردس على هذه المداخلة الثرية، وعلى ما تضمنته من رؤية مهنية متوازنة، متمنياً أن يستمر هذا النقاش بما يخدم السودان ويعزز حضوره في القضايا الصحية والإنسانية الإقليمية والدولية.
مع خالص التحية والتقدير،
د. فراج الشيخ الفزاري
