دكتور الوليد آدم مادبو
كتبتُ قبل عام أن تمركز مني أركو مناوي في الشمالية ونهر النيل قد يكون محاولةً لتأمين ورقةٍ تفاوضية أخيرة في حربٍ لا يرى فيها الرجل طريقاً واضحاً إلى النصر. أما اليوم، وبعد تصريحاته الأخيرة التي قال فيها، رداً على المطالبين بإخراج قواته من الشمال، إنه لن يخرج، وإن من لا يعجبه موقفه يمكنه أن يغادر عبر بوابة أرقين، فقد بات السؤال: هل يصرح الرجل لأنه يملك قوةً كافية لفرض إرادته، أم أنه يحاول رفع قيمة وجوده السياسي بالتلويح بما قد يحدث إذا جرى تجاوزه؟
الحقيقة أن التطورات الميدانية جعلت احتمال الاجتياح أقل كثيراً مما توحي به لغة الرجل. فقد تغيّرت خريطة القوة منذ أن كتبت المقال الأول: الجيش يهيمن اليوم على الشمال والوسط، بينما يفرض الدعم السريع نفوذه على مساحات واسعة من غرب البلاد. أما المشتركة التي كان مناوي يعوّل عليها بوصفها قوةً قادرة على تغيير ميزان المعركة، فقد انكسرت شوكتها في الفاشر، ولم تعد تملك الوزن الذي يسمح لها بفتح جبهة جديدة في أقصى الشمال.
لهذا فإن الحديث عن اجتياح الشمالية يبدو أقرب إلى بهلوانية سياسية منه إلى خطة عسكرية قابلة للتنفيذ. فمناوي لا يستطيع، واقعياً، أن يجتاح الشمالية؛ ليس لأنه لا يريد، وإنما لأنه لا يملك شروط ذلك. المنطقة تقع عملياً تحت مظلة الجيش، فضلاً عن أن حساسيتها الجغرافية والسياسية تجعلها مرتبطة بدرجة وثيقة بالموقف المصري. وليس في يد مناوي جيشٌ يستطيع اختراق هذه الجغرافيا، ولا خطوط إمدادٍ تسمح له بحربٍ طويلة، ولا عمقٌ استراتيجي يمكن أن يحميه إذا تحولت المغامرة إلى مواجهة مفتوحة.
والأهم من ذلك أن الرجل لا يستطيع أن يعلن تمرده على الجيش من دون أن يسأل نفسه: إلى أين سيذهب؟
فهو لا يملك أرضيةً مستقلة في الشمال، ولا يستطيع العودة إلى دارفور من موقع المنتصر، ولا يملك، بعد تراجع القوة المشتركة، قدرةً مستقلة على فرض شروطه هناك. أما الرهان على فتح قناة مع الدعم السريع، فليس مستحيلاً من حيث المبدأ، لكنه قليل الجدوى من الناحية الاستراتيجية؛ إذ ماذا يستطيع مناوي أن يضيف إلى الدعم السريع في هذه اللحظة؟ وما الذي يستطيع أن يحصل عليه منه مقابل أن يفتح جبهة جديدة؟
إن قيمة أي حليف في الحرب تُقاس بما يضيفه إلى ميزان القوة، لا بمجرد رغبته في البقاء. ومناوي، بعد انكسار شوكة المشتركة في الفاشر، لم يعد يملك تلك القيمة الاستراتيجية التي كان يمكن أن تجعل منه حليفاً مغرياً أو شريكاً لا غنى عنه. ولذلك فإن احتمال التحاقه بالدعم السريع، وإن ظل وارداً كتكتيكٍ للبقاء، لا يبدو خياراً رابحاً لأي طرف.
ومن هنا ينبغي قراءة تهديده بأن إخراجه بالقوة قد يقود إلى حرب شاملة. فالحرب الشاملة تحتاج إلى أكثر من التصريح بها: تحتاج إلى قوات، وأرض، وإمداد، وعمق، وحلفاء، وقدرة على الصمود. أما أن يهدد رجلٌ بحربٍ شاملة وهو لا يستطيع أن يفتح جبهةً مستقلة ولا أن يحمي خطوطه، فذلك ليس إعلاناً عن قوة بقدر ما هو محاولة لرفع كلفة القرار السياسي الذي قد يُتخذ ضده.
إنها، ببساطة، سياسة الابتزاز حين تنحسر القدرة العسكرية.
وهنا تكمن المفارقة. فقد بدأ مناوي هذه الحرب بوصفه حليفاً للجيش، ثم تحول وجوده تدريجياً إلى نوع من الاستثمار السياسي في بقاء السلطة التي منحته موقعه. لكنه اليوم يكتشف أن التحالف مع السلطة لا يمنح بالضرورة قوةً مستقلة، بل قد يحوّل صاحبه إلى تابعٍ ينتظر من المركز أن يحمي له مكاسبه.
لذلك فإن وجوده في الشمالية ونهر النيل لم يعد، في تقديري، مشروعاً للتمدد بقدر ما أصبح رهينةً سياسية يحاول استخدامها لحماية موقعه. يريد أن يقول للسلطة: أنا هنا، ولست مستعداً للخروج، وإذا أردتم إخراجي فعليكم أن تتحملوا كلفة ذلك. وهي رسالة موجهة إلى السلطة أكثر مما هي موجهة إلى الشمالية نفسها.
أما استدعاؤه لاتفاقية جوبا، والتشكيك في شرعية من يطالب بإلغائها، فهو فصل آخر من المفارقة. فمن الواضح أن مناوي يريد أن يحتفظ بالاتفاقية حين تمنحه شرعيةً وموقعاً، وأن يتعامل مع الحرب حين تعطل التزاماتها وكأنها مجرد عارضٍ مؤقت. وقد قال بنفسه إن تنفيذ الاتفاق لم يتجاوز 5%، وإن الحرب عطلت استكمال الترتيبات الأمنية ودمج قوات الحركات في الجيش.
لكن المشكلة ليست في مقدار ما نُفذ من الاتفاق، بل في السؤال عن البيئة الدستورية والسياسية التي كان الاتفاق جزءاً منها. فقد وقّعت جوبا في سياق سياسي مختلف، ثم جاءت الحرب لتقلب ذلك السياق رأساً على عقب. ومن ثم فإن التمسك الحرفي بالاتفاقية لتبرير استمرار وضعٍ سياسي وعسكري نشأ عنها، مع تجاهل التحولات التي أفرزتها الحرب، هو أقرب إلى استخدام النص بوصفه غطاءً للامتياز منه بوصفه عقداً وطنياً قابلاً للحياة.
ومناوي هنا لا يختلف كثيراً عن أولئك الذين جعلوا من الاتفاقيات الانتقالية من قبله نصوصاً مقدسة حين تخدم مصالحهم، ثم نصوصاً قابلة للتجاوز حين تصبح عبئاً عليهم.
لقد تغيّر السودان، وتغيّرت موازين القوة، وتغيّر حتى معنى السلطة نفسها. أما مناوي فيبدو كمن يحاول أن يحمل معه ترتيبات ما قبل الحرب إلى عالمٍ دمّرت فيه الحرب معظم شروطها.
ولهذا فإن تصريحاته الأخيرة لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مقدمةً لاجتياح الشمالية، بل باعتبارها محاولة لإعادة تسعير وجوده السياسي. فهو يرفع سقف الخطاب كي يجعل التخلص منه مكلفاً، ويستدعي خطر الحرب الشاملة كي يرفع قيمة التفاوض معه، ويتمسك بجوبا كي يحافظ على الأساس القانوني والسياسي الذي أتى به إلى السلطة.
إنها لعبة قديمة: حين تتراجع قيمة القوة، يجري تعويضها بتضخيم قيمة الخطر.
ولعل أخطر ما في هذه اللعبة ليس أن مناوي يستطيع فعلاً إشعال حربٍ في الشمال، وإنما أن السلطة قد تستمر في التعامل معه باعتباره قوةً لا غنى عنها، فتمنحه من النفوذ أكثر مما يمنحه ميزان القوة الحقيقي. فالخطر هنا ليس في مناوي وحده، بل في المبالغة في تقدير مناوي.
إن الرجل لا يملك اليوم، على ما يبدو، القدرة على اجتياح الشمالية، ولا على خوض حرب مستقلة ضد الجيش، ولا على التحول بسهولة إلى حليف ذي قيمة استراتيجية للدعم السريع. وما يملكه، في المقابل، هو خطاب مرتفع النبرة، وموقع سياسي، وبعض القوة المسلحة، وقدرة على المناورة بين مراكز القوى. وهذه أدوات ابتزاز لا أدوات انتصار.
ومن ثم فإن السؤال الصحيح لم يعد: متى سيجتاح مناوي الشمالية؟
بل: متى تدرك السلطة أن تهديداته لا تستند إلى القوة التي توحي بها تصريحاته؟
فالمهرج لا يحتاج إلى أن يكون قوياً؛ يكفيه أن يقنع الآخرين بأنه أخطر مما هو عليه.
وهكذا يصبح مناوي، في هذه المرحلة، لا مشروع فاتحٍ للشمال ولا قوةً ثالثةً قادرةً على قلب موازين الحرب، وإنما لاعباً يحاول أن يبتز السلطة العسكرية الكيزانية بما تبقى له من وزن، وأن يحول وجوده العسكري إلى ورقة تفاوضية تحفظ له موقعاً في سودانٍ لم يعد يشبه السودان الذي وقّع فيه اتفاقية جوبا.
وهذه، في نهاية الأمر، هي مأساة السودان الأكبر: أن تتحول الحرب من صراعٍ على الدولة إلى سوقٍ للمواقع، وأن يصبح السلاح وسيلةً للحصول على مقعد، والاتفاقية وسيلةً لحماية الامتياز، والتهديد بالحرب وسيلةً لمنع صاحب السلطة من اتخاذ قرارٍ سياسي.
لقد كان الولاء الوطني، في معناه القديم، عهداً بين الإنسان وأرضه. أما في هذا الزمن فقد أصبح عند بعض القادة عقداً مؤقتاً بين المقاتل وموقعه. ومن هنا لا تكون القضية في أن يدخل مناوي الشمالية أو يخرج منها، وإنما في أن يبقى السودان أسيراً لمنطقٍ يجعل كل بندقيةٍ صاحبة حق، وكل اتفاقيةٍ منتهية الصلاحية قابلةً للاستدعاء حين تخدم صاحبها، وكل تهديدٍ بالحرب كافياً لإبقاء الامتيازات قائمة.
ولذلك فإن الخلاص لا يكون بإخراج مناوي من الشمالية وحدها، ولا بإبقاء مناوي فيها، وإنما بإعادة بناء دولةٍ لا يستطيع فيها أحد أن يحوّل وجوده العسكري إلى حقٍ دائم في السلطة.
فحين تستعيد الدولة احتكارها المشروع للقوة، وتسقط اقتصاديات الابتزاز السياسي، عندها فقط يصبح السؤال: من يخرج ومن يبقى؟ سؤالاً إدارياً وقانونياً، لا مقدمةً لحربٍ جديدة.
