ليست كل دولة غنية دولةً قوية بالمعنى الذي تصنعه الحضارة، والمؤسسات، والعلم، والإنتاج. فقد يكون المال وفيراً، بينما يظل المشروع السياسي فقيراً، وتصبح الثروة بدلاً من أن تكون وسيلة للبناء أداةً لشراء النفوذ وتوسيع دائرة التأثير
وحين تستخدم دولة فائضها المالي في تمويل مليشيات أو مرتزقة للقتال خارج حدودها، فهي لا تصنع قوةً حقيقية، وإنما تستأجر قوةً بالوكالة. تقف بعيداً عن ساحة المعركة، بينما يدفع آخرون الثمن من دمائهم وأوطانهم وهنا يثور سؤال لا ينبغي اسكاته: ينبغي اسكاته: إذا كان المال يستطيع شراء السلاح، وتمويل المليشيات، وإطالة أمد الحرب، فهل من المعقول لنه يتوقف عند حدود البندقية ولا يصل إلى السياسة والإعلام؟
إن المال الذي يستطيع أن يصل إلى ساحات القتال، يستطيع ـ من حيث المبدأ ـ أن يصل أيضاً إلى ساحات السياسة: إلى تمويل المنابر، واستمالة بعض السياسيين، ودعم بعض الأصوات، والتأثير في بعض مراكز القرار، وربما محاولة توجيه الرأي العام، ولا يعني ذلك أن كل صحفي ينتقد طرفاً معيناً مأجور، ولا أن كل سياسي يختلف مع أي موقف قد قبض ثمنا، فالإنصاف يقتضي ألا يتحول الشك إلى اتهام، وألا تصبح القرائن المزعومة أدلةً لمجرد أنها توافق أهواءنا، لكن الانصاف نفسه يقتضي أن نسأل: من بمول السلاح؟
من يدفع ثمن استمرار الحرب؟
من يملك مصلحة في إطالتها؟
ومن يمول الأصوات التي تبرر ما يحدث أو تصمت عن بعض الفظائع بينما تضخم أخطاء الآخرين؟
هذه أسئلة مشروعة ولا تصبح غير مشروعة لمجرد أنها محرجة.
والأخطر من شراء المواقف هو شراء الصمت؛ لأن الصمت في مواجهة الجريمة قد يكون أحياناً أكثر فاعلية من الدعاية لها،
فالكاتب الذي يرفع صوته في وجه خطأ صغير، ثم يلتزم الصمت أمام فظائع أكبر، لا يكفي أن نسأل: ماذا قال؟ بل ينبغي أن نسأله أيضاً: ماذا لم يقل؟
وهنا تكمن قيمة الاستقلال الحقيقي للصحافة والسياسة: أن يكون المبدأ واحداً، والجريمة جريمةً أياً كان مرتكبها، والضحايا ضحايا أياً كان قاتلهم، والسيادة سيادة أياً كان المعتدي عليها.
أما أن تُدان مليشيا عندما تخدم خصماً، ثم تُبرَّر جرائمها أو يُصمت عنها عندما تخدم مشروعاً آخر، فهذه ليست ازدواجية في المعايير فحسب؛ إنها محاولة لإعادة تعريف الحقيقة بحسب مصلحة الممول،
المال يستطيع أن يشتري السلاح، وقد يستطيع أن يشتري النفوذ؛ لكنه لا يستطيع أن يجعل الباطل حقاً إلى الأبد
فالطلقة تُسمع لحظة إطلاقها، أما ثمن القلم فقد يختفي في دفاتر الحسابات. ولذلك فإن السؤال عن مصادر التمويل، وعلاقات المصالح، وتدفق الأموال، ليس اتهاماً لأحد؛ وإنما هو جزء من حق المجتمع في معرفة الحقيقة.
وفي النهاية، يبقى الاختبار الأبسط والأكثر قسوة:
هل ندين الجريمة لأنها جريمة، أم لأن مرتكبها خصمنا؟
ومن يملك الشجاعة للإجابة عن هذا السؤال بصدق، يستطيع أن يميز بين صاحب موقف مستقل، وصاحب موقف اشترته المصالح، إن القواعد الفقهية والقانونية التي جرى تداولها: «السكوت في معرض الحاجة إلى البيان رضا»؛ فالسكوت لا يكون دائماً حياداً، بل قد يتحول، حين يكون البيان واجباً، إلى موقف له دلالته
وهذه القاعدة تفرض نفسها على المشهد الإعلامي والسياسي حين نرى أقلاماً تُسهب في الحديث عن الصغائر، ثم تصمت أو تتلعثم أمام الفظائع التي ارتكبتها المليشيا في حق المدنيين. والأشد إيلاماً أن يبلغ الأمر أحياناً حدَّ مساواة الجرائم الكبرى بأمور صغيرة، وكأن الدماء يمكن أن توضع في كفة واحدة مع خلاف سياسي عابر أو خطأ محدود
فإذا كان الكاتب يستطيع أن يرفع صوته في الصغير، فلماذا يخفت صوته أمام الكبير؟ وإذا كان قادراً على تسمية الخطأ حين يكون بعيداً عن المعتدي، فلماذا يعجز عن تسمية المعتدي حين تكون الجريمة واضحة؟
وهنا تعود العبارة التي قيلت من قبل: «من يدفع للسلاح لا يعجزه أن يدفع للأقلام.» ليست هذه العبارة حكماً على أحد، ولا دليلاً بذاتها على شراء قلم؛ لكنها سؤال مشروع في عالم السياسة والإعلام: هل يمكن لمن يملك المال لتمويل الحرب وتسليح المليشيات أن يعجز عن شراء التأييد السياسي أو استمالة بعض الأقلام؟
والأخطر من المال أن يصبح القلم أسيراً للخوف أو المصلحة أو الحسابات السياسية، فيرى الضحية ولا يتحدث عنها، ويرى الجلاد ولا يسميه، ثم يطلب من الناس أن يصدقوا أن هذا كله مجرد «حياد».
ليس المطلوب من الصحفي أن ينحاز إلى حكومة أو حزب أو جيش. المطلوب فقط ألا يختلط عليه الجلاد بالضحية، والجريمة بالخلاف السياسي، والفظائع بالصغائر
ففي معرض الحاجة إلى البيان، قد يكون الصمت بياناً. وقد يكون الامتناع عن إدانة الجريمة، حين تصبح الإدانة واجباً أخلاقياً، موقفاً لا يقل دلالة عن الكلام
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا كتب هؤلاء؟ بل: ماذا سكتوا عنه، ولماذا؟
من أقوى القرائن على موقف المدنيين من أطراف الحرب أن ننظر إلى اتجاه فرارهم واتجاه عودتهم. فكلما وطئت المليشيا مدينةً أو قريةً، رأينا أهلها يفرون منها إلى حيث يوجد الجيش، وكلما حرر الجيش مدينةً أو قريةً عاد النازحون إلى ديارهم.
هذه ليست دعاية سياسية ولا بياناً حزبياً؛ إنها حركة بشرية تلقائية، والإنسان حين يخاف على نفسه وأهله وماله لا يختار ملاذه اعتباطاً. ومن ثم فإن هذه الظاهرة تستحق أن تكون موضوعاً للبحث والتحليل من الصحفيين والسياسيين، بدلاً من تجاهلها أو الاكتفاء بالحديث عن مظاهر أخرى أقل دلالة
والسؤال هنا مشروع: لماذا لا تتناول الأقلام هذه الحقيقة المشاهدة؟ ولماذا يُستبعد سلوك ملايين النازحين من قراءة الموقف الشعبي؟
ثم إن ثمة فرقاً جوهرياً لا ينبغي تجاهله بين جيش نظامي يتلقى ضباطه تأهيلاً عسكرياً في الكلية الحربية، وتقوم بنيته على التسلسل والانضباط والتدريب العسكري، وبين تشكيل مليشياوي لا يقوم في نشأته وبنيته على المؤسسة العسكرية النظامية ذاتها. ولا يصح، بطبيعة الحال، تعميم وصف «الأمية» على كل فرد في المليشيا؛ لكن الفارق المؤسسي بين الجيش النظامي والمليشيا يظل واضحاً.
والحروب لا تُقرأ فقط من بيانات المتحدثين ولا من مقالات السياسيين والصحفيين؛ أحياناً تقول حركة الناس ما يعجز
الخطاب السياسي عن قوله.
فإذا كان الناس يفرون من المليشيا إلى الجيش، ثم يعودون إلى بيوتهم مع تقدم الجيش، فهذه ظاهرة تستحق أن تُقرأ بصدق، وأن يُسأل عنها، وأن تُكتب كما هي؛ لأن الحقيقة لا تفقد قيمتها لمجرد أن بعض الأقلام لا ترغب في الكتابة عنها..
من حق كل إنسان أن يتمنى توقف الحرب، ومن الطبيعي أن يكون السلام غايةً يسعى إليها الجميع. لكن الدعوة إلى وقف الحرب بلا شروط، من غير تحديد مصير مليشيا ارتكبت فظائع بحق المدنيين ويُخشى أن تعود إلى ارتكابها، ليست في حقيقتها خطة للسلام؛ بل قد تكون مجرد هدنة تتيح للجريمة أن تستريح ثم تستأنف نشاطها،.
السؤال الذي ينبغي أن يسبق أي دعوة لوقف الحرب هو: ماذا بعد الوقف؟
هل تُترك المليشيا محتفظة بسلاحها وتنظيمها وقدرتها العسكرية؟ هل تصبح طرفاً سياسياً مساوياً للدولة؟ ومن يضمن ألا تستخدم فترة الهدوء لإعادة تنظيم صفوفها واستئناف القتال؟
السلام المستدام لا يعني فقط إسكات البنادق، وإنما إزالة أسباب الخوف وضمان أمن المدنيين ومنع تكرار الفظائع. ولذلك فإن الحديث عن وقف الحرب دون الحديث عن مصير القوة التي ارتكبت الجرائم، وعن نزع سلاحها ومساءلة من ارتكب الجرائم وضمان عدم تكرارها، هو حديث ناقص عن السلام.
ليس المطلوب إطالة الحرب إلى ما لا نهاية، ولا رفض كل مبادرة للسلام؛ وإنما المطلوب أن يكون للسلام شروط تحمي الضحية ولا تمنح المعتدي مكافأة على ما ارتكبه.
فوقف إطلاق النار قد يوقف الرصاص مؤقتاً، أما السلام الحقيقي فيوقف قدرة الجلاد على إعادة إنتاج الجريمة.
ليست المشكلة في السودان اليوم أن هناك مليشيا تطلب السلطة فحسب، فالأخطر هو أن بعض القوى المدنية تتعامل مع هذه المليشيا كما لو أنها تكون شريكاً موثوقاً في بناء دولة ثم تضع السلاح جانباً عندما تنتهي الحرب وتقبل بقيام جيش وطني جامع لا تكون لها فيه قوة مستقلة.
وهنا ينبغي أن نطرح السؤال بلا مواربة: من يضمن أن من غدر بمن تحالف معهم بالأمس لن يغدر بمن تحالف معهم اليوم؟
فالمليشيا التي غدرت بجماعة ابن عمها وغدرت بإقليمها وغدرت بمن أسهموا في تشكيلها ودعمها ثم خاضت حرباَ ضارية من أجل انتزاع السلطة لا يمكن أن يبنى التصور أن يبنى التصور السياسي معها على حسن النية وحده، فالسلطة التي تطلب بقوة السلاح لا تتحول تلقائياَ الى سلطة مدنية.
فاذا وصلت المليشيا للسلطة ورفضت تسليم سلاحها فهل يستطيع المدني الاعزل الذي وفر لها الغطاء السياسي والإعلامي وساعدها في الوصول للسلطة ان يطلب منها بعد ذلك أن تخرج منها؟
هنا دعونا أن نردد مع المتنبي:
وليس يصح في الافهام شيء
إذا احتاج النهار إلى دليل
وفي ذات السياق يمكننا القول ليس من الإنصاف اختزال ثلاثين عاماً من حكم عمر البشير في أخطاء سياسية عابرة؛ فقد ارتبط عهده، وفق تقارير دولية، بانتشار الفساد وضعف إنفاذ قوانين مكافحة الفساد، والتضييق على الصحافة التي تتناول قضايا الفساد، وبنية حكم قامت على المحسوبية وتوظيف أجهزة الدولة والأمن في حماية النظام.
والأخطر من ذلك أن النظام لم يكتفِ باحتكار القوة النظامية، بل أنشأ في عام 2013 قوات الدعم السريع كجزء من جهازه الأمني، واستخدمها في حملاته ضد التمرد، وكانت تقارير حقوقية قد وثقت تورطها في انتهاكات جسيمة ضد المدنيين،
لقد صنعت سلطة البشير، بقصد حماية نفسها من خصومها، قوةً مسلحة موازية للدولة؛ ثم نمت هذه القوة واستقلت بمصالحها ونفوذها حتى تحولت في النهاية إلى أحد أخطر خصوم النظام الذي نشأت في ظله. وقد وُصفت قوات الدعم السريع بأنها نشأت من رحم الجنجويد الذين ساندتهم حكومة البشير، ثم جرى تنظيمها رسمياً في 2013 تحت قيادة حميدتي,
وهذه هي المفارقة التي ينبغي ألا ينساها السودانيون: من يصنع مليشيا ليقتل بها خصومه، قد يكتشف ذات يوم أنه صنع خصماً للدولة وللمجتمع ولمن صنعها.
ولذلك، فإن مستقبل السودان لا ينبغي أن يكون عودةً إلى منظومة البشير، ولا تسليماً بمليشيا الدعم السريع باعتبارها طرفاً طبيعياً في معادلة الحكم. إن أراد الله للسودان خيراً، فلا بد أن يكون المستقبل لدولة واحدة، وجيش وطني واحد، وسلطة مدنية مشروعة، وأن تخرج منظومة البشير والدعم السريع معاً من أي معادلة للحكم، مع محاسبة من تثبت مسؤوليته أمام قضاء عادل.
فالسودان لا يحتاج إلى إعادة تدوير الذين صنعوا أزماته، وإنما يحتاج إلى دولة تتعلم من أخطائها، لا دولة تعيد إنتاجها.
“Don’t beat around the bush” يعني: لا تلتف حول الموضوع، ولا تتهرب من الحقيقة.
من حق السودانيين أن ينتقدوا منظومة عمر البشير، وأن يحاسبوها سياسياً وقانونياً على ما نُسب إليها من فساد واستبداد وانتهاكات. وليس في ذلك ما يستوجب الاعتراض؛ فالجرائم لا تسقط بالتقادم السياسي، ولا تصبح مقبولة لأن غيرها ارتكب جرائم لاحقاً.
لكن ما يستحق السؤال هو ازدواجية المعايير: لماذا تُجلد منظومة البشير بأقسى العبارات، بينما تُذكر فظائع المليشيا أحياناً بعبارات ناعمة، أو تُدان إدانة خجولة لا تقترب من حجم المأساة؟
فإن كانت هناك فظائع، فسمّوها فظائع. وإن كان هناك معتدٍ، فسمّوه معتدياً. وإن كانت هناك مسؤولية، فحددوا صاحبها. فالحياد لا يعني الغموض، والمهنية لا تعني التهرب، والسلام لا يبدأ بإخفاء الحقيقة،
أما أن نرجم منظومةً بكل ما نملك من حجج وألفاظ، ثم نلتف حول فظائع طرف آخر، أو نكتفي بإدانتها بعبارات باهتة، فذلك ليس عدلاً ولا موضوعية؛ بل ازدواج في المعيار لا يخفى على القارئ
لا تلتفوا حول الحقيقة؛ فالحقيقة، مهما حاول البعض تجميلها أو إخفاءها، تبقى أقوى من الأقلام
حين تُدان منظومة البشير وتُلطَّف فظائع المليشيا: ازدواجية المعايير وأثرها السياسي
وهنا تصبح ازدواجية المعايير أخطر من مجرد تناقض في الكتابة. فهي قد تمنح المعتدي، من حيث يدري الكاتب أو لا يدري، رصيداً من الشرعية السياسية لا يستحقه، بينما يُصوَّر خصمه باعتباره أصل المشكلة.
حسين إبراهيم علي جادين
