هناك أشياء كثيرة تحدث بين البشر من دون أن يقرروا حدوثها، وربما كان التثاؤب واحدا من أكثرها بساطة وإثارة للانتباه؛ يكفي أن ترى شخصا يتثاءب حتى تجد نفسك، بعد لحظات، وقد فعلت الشيء نفسه، من غير أن تكون قد قررت النوم أو شعرت بالتعب، وكأن جسدا واحدا قد امتد فجأة إلى جسدين، ثم إلى الغرفة كلها، وكأن بين البشر شبكة خفية تنتقل عبرها بعض الحالات والانفعالات من شخص إلى آخر، لا بالكلمات ولا بالإرادة، وإنما بمجرد الحضور والمشاهدة والعيش المشترك في مساحة واحدة.
ولعل هذه الظاهرة البسيطة كانت واحدة من المداخل التي دفعت بعض المهتمين، في أزمنة سابقة، إلى البحث عن تفسيرات أكثر غرابة لما يحدث بين البشر، فظهرت في أدبيات الباراسيكولوجي فكرة «الإشعاع السيكوفيزيائي»، وهي فكرة افتراضية قديمة كانت تتصور أن النشاط النفسي والعصبي للإنسان يمكن أن يصدر نوعا من الإشعاع غير المادي القادر على الانتقال والتأثير في الآخرين، وربطت مثل هذه التصورات بين الأحلام والانفعالات والتخاطر وبعض الظواهر التي بدت عصية على التفسير، غير أن العلم الحديث لا يتعامل مع هذا التصور باعتباره حقيقة علمية مثبتة، ولذلك لا أستدعيه هنا بوصفه تفسيرا للتثاؤب أو للسلوك الإنساني، وإنما بوصفه استعارة تصلح للاقتراب من ظاهرة أكثر واقعية وأشد حضورا في حياتنا السياسية والاجتماعية: كيف يمكن لفعل فردي أن ينتج معنى يتجاوز صاحبه، وكيف يمكن لذلك المعنى أن ينتقل داخل الجماعة حتى من دون أن يكون صاحبه قد أراد له أن ينتقل.
من هنا يصبح الانتقال من التثاؤب إلى السياسة أقل غرابة مما يبدو في البداية، لأن الجماعات البشرية لا تتشارك الأفكار والمواقف بالكلمات وحدها، وإنما تتأثر أيضا بما يفعله الآخرون، وبالمعاني التي تكتسبها أفعالهم في المجال العام، وقد يحدث أحيانا أن يغير موقف واحد الطريقة التي ينظر بها آخرون إلى مواقفهم هم، لا لأنهم قرروا تقليده، ولا لأن صاحب الموقف قصد التأثير فيهم، وإنما لأن وجود الفعل نفسه يعيد ترتيب حدود الممكن، فيجعل خيارا كان يبدو مستبعدا أكثر وضوحا، أو يجعل موقفا كان يحتاج إلى كثير من التبرير أقل كلفة من الناحية الأخلاقية والسياسية.
وفي هذا السياق يأتي انسحاب الدكتور المحبوب عبد السلام من اللجنة التيسيرية للحوار السوداني – السوداني باعتباره أكثر من مجرد مغادرة عضو لموقعه، ليس لأن المحبوب لا يمكن تعويضه بشخص آخر، وإنما لأن قيمة وجوده في هذا السياق لا تتعلق بالمقعد الذي يشغله بقدر ما تتعلق بالوزن الفكري والأخلاقي الذي يحمله معه؛ فبعض الأسماء لا تجلس على المقاعد وحدها، وإنما تحمل معها تاريخا من الأفكار والمواقف والجدل، وحين تنهض من المقعد يصبح فراغه أكثر كلاما من كثير من الكلمات. والمحبوب مفكر عرف بنقده للحركة الإسلامية، وبموقفه من ضرورة الحوار، وبالدعوة إلى أن يكون الاختلاف السياسي قابلا لأن يدار بلغة أكثر أناقة واتساعا من لغة الخصومة التي استهلكت السودانيين، ولذلك فإن انسحابه، أيا كانت تفاصيل دوافعه، لا يمكن أن يمر في المجال العام بالمعنى نفسه الذي يمر به انسحاب شخص لا يحمل هذا الرصيد الرمزي.
لكن الإنصاف يقتضي هنا ألا نحمل المحبوب ما لم يقصده، وألا نحول موقفه إلى رسالة متعمدة للآخرين؛ فالإنسان قد يتخذ موقفا لأسباب تخصه وحده، ثم يجد أن هذا الموقف، بمجرد ظهوره إلى العلن، اكتسب دلالات لم تكن جزءا من نيته الأصلية، وهذا تحديدا ما يجعل الفكرة أكثر أهمية، لأن المحبوب لا يرسل إشعاعا خفيا إلى من يليه، وإنما يرسل انسحابه، بمجرد حدوثه، إشارة اجتماعية يمكن أن تلتقطها البيئة المحيطة به، إشارة لا تقول بالضرورة إن المشروع فشل، ولا تعني أن الذين بقوا ينبغي أن يغادروا، لكنها تجعل فكرة المغادرة نفسها موجودة في المجال العام بصورة لم تكن عليها قبل ذلك، وتفتح أمام الآخرين احتمالا جديدا يمكن التفكير فيه.
فالانسحاب الأول لا ينقل بالضرورة سببه، وإنما ينقل إمكانه؛ إذ إن الباب الذي لم يكن أحد يراه بوضوح يصبح، بعد أن يفتحه شخص واحد، بابا مرئيا للجميع، وما كان قبل لحظة يبدو خروجا استثنائيا وربما مكلفا أخلاقيا وسياسيا، يصبح بعده خيارا يمكن التفكير فيه وتبريره، خصوصا حين يأتي انسحاب آخر من شخصية لها وزنها هي الأخرى.
ولم يتوقف الأمر عند انسحاب المحبوب ونعمات، بل لحق بهما الروائي بركة ساكن، وهو أيضا اسم ذو وزن فكري وثقافي كبير، بما يجعل تتابع الانسحابات أكثر حضورا في قراءة المشهد.
ومن هنا يصبح انسحاب الأستاذة نعمات الزبير حدثا يستحق أن يقرأ في سياقه الخاص، مع احترام التبرير الذي قدمته لقرارها، وهو التفرغ للعمل الإنساني، وعدم تحميل موقفها ما لم تقله أو نسبة دوافع إليها لم تعلنها؛ فهي، مثل المحبوب، صاحبة قرار مستقل، وقد يكون لقرارها من الأسباب والاعتبارات ما لا علاقة له بانسحاب غيرها، غير أن استقلال الدوافع لا يلغي بالضرورة أثر المعنى الذي كان قد بدأ في التشكل من قبل؛ فالإشعاع الذي انطلق من الفكرة، إذا جاز لنا استخدام الاستعارة، لم يعد مرتبطا بصاحبه وحده، وإنما تحول إلى معنى في المجال العام، وصار الانسحاب الأول قد جعل فكرة المغادرة نفسها حاضرة وقابلة لأن تقرأ من زوايا متعددة، ولذلك فإن انسحاب نعمات، حتى مع اختلاف مبرره، يدخل بالضرورة في المجال الرمزي الذي كان قد بدأ يتشكل، لا بوصفه نتيجة لانسحاب المحبوب، وإنما بوصفه فعلا جديدا وقع في فضاء أصبح فيه معنى الانسحاب أكثر حضورا مما كان عليه من قبل، وهنا لم يعد المشهد أمام مقعد واحد خلا، وإنما أمام فراغين متجاورين، والفراغ، حين يتكرر، لا يعود فراغا محايدا، بل يبدأ في رسم ملامح الشيء الذي غاب.
وهنا تحديدا يمكن استعارة تعبير «عدوى الانسحاب»، مع التنبيه إلى أن المقصود ليس عدوى بالمعنى الطبي، ولا تقليدا آليا يجعل الثاني ينسحب لأن الأول انسحب، وإنما انتقال للمعنى الأخلاقي والسياسي للفعل؛ فالذي يلتقطه الآخرون ليس بالضرورة السبب الذي دفع الأول إلى المغادرة، وإنما المعنى الذي أصبح ممكنا بعد أن غادر، وكأن الانسحاب الأول يقول، من حيث لا يقصد صاحبه: ربما لم يعد خروجك موقفا فرديا غريبا، وربما أصبح خيارا يمكن الدفاع عنه إذا وجدت نفسك أمام الأسباب نفسها أو أمام أسئلة قريبة منها.
ولذلك فإن النظر إلى انسحاب المحبوب ثم انسحاب نعمات باعتبارهما مجرد حادثتين منفصلتين قد يفوّت جانبا مهما من المشهد، كما أن اختزالهما في فكرة التقليد المباشر قد يكون ظلما لهما معا؛ فالأفراد يحتفظون بدوافعهم واستقلالهم الأخلاقي، لكنهم لا يتخذون قراراتهم في فراغ، وإنما داخل بيئة تتغير مع كل موقف جديد، وما يتغير هنا ليس القرار وحده، وإنما كلفة القرار ومعناه وموقعه في نظر الآخرين، ولذلك قد يكون الفعل الثاني مستقلا تماما من حيث دوافعه، لكنه يتحرك داخل مجال رمزي مختلف عن ذلك الذي كان قائما قبل الفعل الأول.
ومن هذه الزاوية تصبح المسألة أعمق من سؤال من غادر ومن بقي، لأن المشكلة ليست في الذين غادروا الغرفة، ولا في الذين اختاروا البقاء فيها، وإنما في الهواء الذي جعل الغرفة قابلة لأن يصبح الخروج منها خيارا مفهوما؛ فاللجنة، في نهاية الأمر، ليست مجموعة أسماء يمكن استبدال بعضها ببعض كلما خلا مقعد، وإنما هي جزء من عملية سياسية أكبر تتصل بأسئلة الثقة والشرعية والتمثيل والملكية والاستقلال والضمانات، وهي أسئلة لا يمكن تجاوزها بمجرد إعادة ترتيب المقاعد أو إضافة أسماء جديدة إلى القائمة.
وقد يكون من السهل أن نعوض الفراغ البشري الذي يتركه المنسحب، لكن الأصعب هو أن نعوض الفراغ الذي يتركه السؤال؛ فحين ينسحب صاحب وزن فكري وأخلاقي، فإن ما يتركه وراءه ليس مقعدا شاغرا فقط، وإنما سؤالا عن البيئة التي جعلت بقاءه أقل قابلية للاستمرار، وحين يتكرر الأمر يصبح من الصعب التعامل معه باعتباره مجرد مشكلة في التشكيل، لأن تغيير الأشخاص لا يغير بالضرورة شروط اللعبة، واستبدال المقاعد لا يعيد الثقة إذا كانت المشكلة في هندسة الغرفة نفسها.
وهنا تبرز الأسئلة التي لا يمكن للجنة أن تتجاوزها إذا أرادت أن تؤدي دورها بصورة مقنعة: من أين تستمد شرعيتها الأخلاقية والسياسية؟ وكيف ينظر إليها الذين يفترض أن يكونوا جزءا من العملية التي تمهد لها؟ وهل يرون فيها مساحة مستقلة لتهيئة الطريق إلى الحوار، أم يرونها امتدادا لتوازنات سياسية قائمة؟ وهل تستطيع أن تقنع المختلفين معها بأن وظيفتها هي تيسير الحوار لا احتكار الحديث باسمه؟ ثم، وهو السؤال الأهم، هل تستطيع أن تبني قدرا من الثقة في البيئة التي تتحرك فيها، في الوقت الذي يفترض أن يكون هدفها الأساسي هو المساعدة في بناء الثقة بين السودانيين أنفسهم؟
هذه الأسئلة لا تنتقص من حسن نيات الذين يعملون داخل اللجنة، كما أنها لا تجعل الذين غادروا أكثر صوابا بالضرورة ممن بقوا، وإنما تعيد النقاش إلى مستواه الصحيح، لأن اللجنة التي تريد أن تهيئ السودانيين لحوار طال انتظاره لا يكفيها أن تكون موجودة، بل عليها أن تكون مقنعة في وجودها، ولا يكفيها أن تجمع أسماء لها مكانتها، بل ينبغي أن تكون قادرة على تفسير الدور الذي تجمعهم من أجله، والحدود التي تقف عندها، والمسافة التي تفصلها عن مراكز النفوذ، وكيف يمكن أن يشعر المختلفون بأنها ملكية عامة للعملية لا ملكية خاصة لمجموعة من الأشخاص.
ومن هنا فإن انسحاب المحبوب، ثم انسحاب نعمات، لا ينبغي أن يقرأ بوصفه حكما نهائيا على اللجنة، فهذا استنتاج لا تسمح به الوقائع وحدها، لكنه في الوقت نفسه ليس خبرا يمكن المرور عليه بلا تأمل، لأن الانسحابات، حين تأتي من شخصيات ذات وزن، تتحول إلى إشارات سياسية حتى لو لم يقصد أصحابها إرسالها، والإشارة لا تكمن فقط فيما يقوله المنسحب، وإنما في الأثر الذي يتركه فعله في البيئة المحيطة به، وفي الأسئلة التي يفتحها لدى الذين بقوا، وفي الطريقة التي يعيد بها الآخرون حساباتهم تجاه المؤسسة نفسها.
ولعل المفارقة أن اللجنة التي تسعى إلى تهيئة الطريق للحوار قد تجد نفسها، من حيث لا تريد، أمام حاجة إلى حوار حول الحوار نفسه؛ حوار لا يتعلق فقط بأسماء المشاركين، وإنما بفكرة اللجنة، وبوظيفتها، وبحدود دورها، وبعلاقتها بالقوى السياسية والمدنية، وبالمسافة التي ينبغي أن تقفها من أطراف الحرب ومن مراكز النفوذ، وبالضمانات التي يمكن أن تجعل عملها قابلا لأن يكتسب ثقة من هم خارجها، لأن الحوار الذي يفترض أن يعيد بناء الثقة بين السودانيين لا يستطيع أن يبدأ من مساحة لا يشعر الجميع بأنها جديرة بالثقة.
وعند هذه النقطة تعود استعارة «الإشعاع السيكوفيزيائي» إلى مكانها الصحيح، لا باعتبارها نظرية علمية يمكن أن تفسر ما يحدث، وإنما باعتبارها صورة أدبية لشيء نعرفه جيدا في حياتنا الجماعية؛ فالإشعاع الحقيقي الذي ينتقل داخل الغرفة ليس إشعاعا غامضا يخرج من عقول البشر ويتسلل إلى عقول الآخرين، وإنما هو المعنى، ذلك الشيء غير المرئي الذي تنتجه المواقف ثم ينتقل بين الناس، فتنتقل معه الشكوك والثقة والقلق والطمأنينة والإحساس بالشرعية أو فقدانها، وقد يحتاج الإنسان إلى خطاب طويل كي يشرح موقفه، لكنه قد لا يحتاج إلى أكثر من موقف واحد كي يجعل الآخرين يعيدون النظر في مواقفهم.
ولهذا لا أظن أن المسألة ينبغي أن تنتهي إلى لوم المحبوب لأنه انسحب، أو إلى لوم نعمات لأنها اتخذت قرارا مشابها، أو إلى مطالبة من بقي بأن يتجاهل ما يحدث حوله، وإنما ينبغي أن تدفع هذه الانسحابات إلى قراءة أهدأ وأكثر عمقا للبيئة التي تتحرك فيها اللجنة، لأن المؤسسة القادرة على تهيئة الحوار لا تقاس فقط بعدد الأسماء التي تجلس حول طاولتها، وإنما بقدرتها على جعل تلك الطاولة مقبولة في نظر من هم خارجها، وبقدرتها على إقناع السودانيين بأن الطريق إليها لا يمر عبر الولاء لشخص أو جهة، وإنما عبر وضوح المهمة واستقلالها واتساع تمثيلها وصدق الضمانات المحيطة بها.
وربما لهذا السبب فإن أفضل طريقة للتعامل مع «عدوى الانسحاب» ليست البحث عن طريقة لمنع الناس من التثاؤب، وإنما فتح النوافذ؛ لأن المشكلة ليست في أن يتثاءب أحد، وإنما في أن تكون الغرفة مغلقة إلى الحد الذي يجعل التثاؤب ينتشر فيها أسرع من الكلام، وإذا كان الحوار السوداني – السوداني يريد أن يكون أكثر من مجرد طاولة جديدة يجلس حولها المختلفون، فإنه يحتاج قبل ذلك إلى بيئة تسمح لهم بأن يثقوا في الطاولة، وفيمن أعدها، وفي حدود دورها، وفي أن الباب سيظل مفتوحا أمام الجميع، وأن الغرفة ليست ملكا لأحد بقدر ما هي مساحة مؤقتة لخدمة فكرة أكبر منها.
وحين يتغير معنى البقاء، يصبح الانسحاب معديا، وحين يصبح الانسحاب معديا فإن الحكمة لا تكون في لوم من غادر، ولا في مطالبة من بقي بأن يغلق أذنيه عن الإشارات المحيطة به، وإنما في النظر إلى الهواء نفسه، إلى ذلك المجال غير المرئي الذي تتشكل فيه المواقف قبل أن تتحول إلى أفعال، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للجنة ليس أن يغادرها شخص أو اثنان، وإنما أن يصبح الهواء نفسه جزءا من المشكلة، بينما ينشغل أهل الغرفة بتبديل الكراسي.
ذلك هو «الإشعاع» الذي يستحق أن نبحث عنه؛ ليس في المختبرات القديمة ولا في نظريات التخاطر، وإنما في السياسة السودانية نفسها، حيث تنتقل الشكوك أسرع من البيانات، وتنتشر الثقة بصعوبة، وتصبح المواقف الفردية أحيانا رسائل جماعية من دون أن يقصد أصحابها ذلك، وحيث لا تكون أخطر الأشياء دائما هي الكلمات التي تقال، وإنما المعاني التي تبدأ في الانتقال بين الناس بعد أن يصمت أصحابها، ويبقى السؤال الحقيقي في النهاية هو ما إذا كان الذين يجلسون حول الطاولة ما زالوا قادرين على التنفس في هذا الهواء بثقة.
م. معاوية ماجد
