بقلم: السر جميل
تتطلب الحياة العقلانية والعيش بسلام نسجا دؤوبا لثقافة التسامح والتقبل، والابتعاد التام عن بذر بذور الفتنة أو تأجيج الصراعات بين الناس. إن العزة بالإثم مهلكة للنفس ومنقصة للقدر، وما كان الرجوع إلى الحق يوما إلا ذروة التسامح وكمال العقل ورجاحته. فالاعتراف بالخطأ ليس عيبا ولا يقلل من شأن المرء، بل هو دليل على نضج الروح واستقامة الخلق، فالإنسان بطبعه يتأرجح بين الصواب والخطأ، وليس بيننا معصوم أو ملاك يمشي على الأرض. إن العناد والإصرار على الزلل هو الذي يحول العثرة البسيطة إلى هاوية سحيقة، في حين يفتح التواضع أبواب الهداية والسلام الداخلي، ويجعل المرء متصالحا مع ذاته ومتقبلا لطبيعته البشرية.
تتجلى حكمة التجرد والإنصاف في المقولة الخالدة للإمام الشافعي حين قال إن رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب. هذه القناعة العميقة تكسر حدة التعصب وتفتح أفق الحوار الهادئ والتشاور البناء. فليس هناك كلام بشري منزل يستعصي على النقاش والتفنيد، بل إن سيرة النبي الكريم تعطينا أسمى الدروس في هذا الباب، إذ كان الصحابة رضوان الله عليهم يستفسرون منه عن الآراء في أمور حياتهم ودنياهم، أهو وحي أم رأي وشورى، فيتداولون الأفكار ويتناقشون بكل أريحية واحترام، تصديقا لقوله تعالى “وأمرهم شورى بينهم”. وتكتمل هذه الرؤية العظيمة بمقولة الإمام مالك وهو يشير إلى الروضة الشريفة قائلا إن كل أحد يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر. إن هذا الفهم يمنعنا من التغلق على أنفسنا أو توهم العصمة والاستعلاء، ويحمينا من الوقوع في فخ الشعور الدائم بأننا على صواب مطلق وأن الآخرين هم المخطئون والمجحفون بحقنا على الدوام.
إن إدارة الخلافات والوصول إلى شاطئ الأمان يستلزمان التسلح بالهدوء والتحكم التام في نوبات الغضب. ضبط الأعصاب وتجنب الانفعال ليس مجرد فضيلة أخلاقية، بل هو شريط الأمان الذي يتيح للعقل التفكير بوضوح وجلاء. مهما عظم حجم العقبة أو تعقدت تفاصيلها، فإن لكل مشكلة حلا إذا ما أحيطت بالحكمة والسكينة. وينبغي للمرء في هذا السياق أن يتجنب التبرير المستمر لا أخطائه أو اختلاق الأعذار الواهية للأزمات، لأن الاستغراق في التبرير لا يحل معضلة بل يمنحها وقتا أطول لتتضخم وتستشري. التبرير هو الهروب الخفي من التبعات، ويمثل عائقا حقيقيا أمام إصلاح الذات وتقويم المسار.
تتطلب الحكمة أيضا المواجهة المبكرة للأزمات وعدم دفن المشكلات في خفايا الصدور. إن تجاهل العثرات لا يعني أبدا تجاوزها أو الفكاك منها، بل إن احتواءها بالداخل ودفعها إلى الأعماق يغذيها لتكبر بمرور الأيام. المشكلة تشبه البذرة تماما، تنمو بالدفن وتتغذى على التجاهل، حتى تتحول مع الوقت إلى شجرة عظيمة تتغلغل جذورها في أعمق طبقات النفس، ولا يعود بالإمكان اقتلاعها أو مداواتها بأي علاج تقليدي. وتغدو فروعها شاهقة تضرب عنان السماء، يراها القاصي والداني ولكن دون قدرة على الاقتراب منها، لأنها شجرة شوكية جوفاء تؤذي كل من يدنو منها، ولا تمنح ظلا ولا تجود بثمر. هذا المآل المظلم هو ما ينتظر كل من ينمي المشاكل ويكتمها، بدلا من مواجهتها وحلها في المهد وفق النهج القويم وشرع الله الحكيم.
إن التصالح مع الذات والاعتراف بالخطأ والهدوء في مواجهة الأزمات تشكل منظومة متكاملة لراحة البال ورغد العيش. وحين يدرك المرء محدوديته وبشريته، ويفتح باب الشورى والحوار، ويواجه مشاكله بشجاعة دون استكبار أو تبرير، فإنه يبني لنفسه وللمحيطين به بيئة قائمة على الصدق والعدل والسلام، فتسود المحبة وتضمحل الفتن، اللهم أجعل بيوتنا آمنة مطمئنة بالسكينة والهدوء.
