د. عبدالرحيم عبدالحليم محمد
ليس من السهل الحديث عن تاريخ الحركة الاتحادية في السودان باعتبارها مجرد حزب سياسي نشأ في لحظة معينة ثم سار في خط مستقيم حتى يومنا هذا. فالاتحادية، في تقديري، أوسع من الحزب، وأقدم من كثير من المسميات التي حملتها تنظيماتها عبر العقود. إنها تيار سياسي واجتماعي ووطني عريض، شارك في تشكيل السودان الحديث، وأسهم بصورة حاسمة في معركة الاستقلال وبناء التجربة البرلمانية، ولكنه ظل، في الوقت نفسه، يعاني واحدة من أكثر علله إيلاماً: الانقسام المتكرر.
ولعل المفارقة الكبرى في تاريخ الاتحاديين هي أن الحركة التي عرفت كيف تجمع تيارات مختلفة في لحظات وطنية فاصلة، لم تعرف دائماً كيف تحافظ على وحدتها بعد انتهاء تلك اللحظات.
ومن هنا يصبح السؤال اليوم، والسودان يواجه واحداً من أخطر منعطفات تاريخه: هل يستطيع الاتحاديون أن يتعلموا من تاريخهم؟ وهل يستطيعون أن يبدأوا حواراً اتحادياً–اتحادياً يعيد جمع ما تفرق، لا لاستعادة الماضي، وإنما لصناعة المستقبل؟
من مؤتمر الخريجين إلى الحركة الاتحادية
لا يمكن فهم الاتحاديين بعيداً عن الحركة الوطنية السودانية التي تبلورت في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، وبصفة خاصة في أوساط مؤتمر الخريجين. فمن ذلك المناخ خرجت تيارات وأحزاب وتنظيمات متعددة، كان من أبرزها حزب الأشقاء، إلى جانب تيارات اتحادية أخرى، جمعتها بدرجات متفاوتة فكرة التحرر من الاستعمار، والعلاقة الخاصة مع مصر، ثم لاحقاً قضية تقرير مصير السودان وشكل الدولة الوطنية.
ولم تكن «الاتحادية» آنذاك وصفاً تنظيمياً فحسب، بل كانت رؤية لمسألة وادي النيل ولمستقبل السودان بعد الاستعمار. غير أن تطور الوعي الوطني السوداني، وتغير الظروف الإقليمية والدولية، دفع قطاعات واسعة من الحركة إلى الانتقال من شعار الوحدة مع مصر إلى تبني الاستقلال الكامل.
وكانت تلك واحدة من أهم لحظات المرونة السياسية في تاريخ الحركة الاتحادية: أن يتغير الشعار حين تتغير إرادة الشعب، من غير أن يصبح تغيير الوسيلة تخلياً عن الوطن.
وجاء تأسيس الحزب الوطني الاتحادي في أوائل الخمسينيات تتويجاً لمحاولات جمع التيارات الاتحادية في كيان سياسي كبير. وخاض الحزب انتخابات 1953 وحقق انتصاراً مكّنه من تشكيل الحكومة برئاسة إسماعيل الأزهري، ثم كان الأزهري في قلب اللحظة التي انتهت بإعلان استقلال السودان من داخل البرلمان في ديسمبر 1955، ليصبح الاستقلال واقعاً في الأول من يناير 1956.
وهنا تكمن إحدى الحقائق التي ينبغي ألا تغيب عن الاتحاديين اليوم:
أن أكبر إنجازاتهم التاريخية تحقق وهم موحدون، لا وهم شظايا متنافسة.
الانقسام الأول: حين افترق رفاق الاستقلال
لكن الوحدة لم تصمد طويلاً.
فبعد الاستقلال برزت الخلافات داخل الحزب الوطني الاتحادي، ولا سيما بين التيار السياسي المرتبط بالأزهري والقوى المرتبطة بطائفة الختمية وقيادتها. وفي عام 1956 وقع الانقسام الكبير وظهر حزب الشعب الديمقراطي، بينما استمر الحزب الوطني الاتحادي.
ولم يكن ذلك الانقسام مجرد تغيير في الأسماء. فقد كشف منذ وقت مبكر معضلة سترافق الحركة الاتحادية زمناً طويلاً: العلاقة بين المؤسسة الحزبية والقيادة الطائفية، وبين السياسي والتنظيمي، وبين الزعامة التاريخية ومتطلبات الحزب الحديث.
وقد أسهم الانقسام في إضعاف القوة التي خرجت منتصرة من معركة الاستقلال.
ثم جاء انقلاب الفريق إبراهيم عبود في نوفمبر 1958، فانتهت الديمقراطية الأولى، ودخل السودان دورة الحكم العسكري التي ستصبح، للأسف، ظاهرة متكررة في تاريخه السياسي.
1967: حين اكتشف الاتحاديون أن الوحدة ممكنة
بعد ثورة أكتوبر 1964 وعودة الحياة الديمقراطية، بدأت الضرورة السياسية تدفع جناحي الحركة الاتحادية إلى مراجعة تجربة الانقسام.
وكانت النتيجة واحدة من أهم محطات التاريخ الاتحادي: التقاء الحزب الوطني الاتحادي وحزب الشعب الديمقراطي واندماجهما في الحزب الاتحادي الديمقراطي عام 1967.
كانت تلك الوحدة اعترافاً عملياً بأن ما يجمع الطرفين أكبر مما يفرقهما.
وقد أثبتت انتخابات 1968 قيمة ذلك القرار؛ إذ عاد الحزب الموحد قوة انتخابية كبرى.
والدرس هنا يكاد يكون صارخاً في وضوحه:
حين توحد الاتحاديون اتسعت قاعدتهم، وحين انقسموا تقاسمتهم المسميات.
ثم جاء انقلاب مايو 1969، ودخلت البلاد مرة أخرى مرحلة الحكم العسكري، وتعرضت الأحزاب السياسية للقمع والملاحقة.
وبعد انتفاضة أبريل 1985 وعودة الديمقراطية، عاد الحزب الاتحادي الديمقراطي لاعباً أساسياً في الحياة السياسية، وشارك في حكومات الديمقراطية الثالثة.
وفي تلك المرحلة برز كذلك أحد أهم المواقف السياسية في تاريخ الحزب الحديث: دوره في الدفع باتجاه التسوية السلمية للحرب، ولا سيما اتفاق الميرغني–قرنق عام 1988، الذي مثّل محاولة جادة لفتح طريق سياسي نحو السلام.
لكن انقلاب الثلاثين من يونيو 1989 قطع الطريق على الديمقراطية وعلى تلك العملية السياسية معاً.
الإنقاذ والانقسامات الجديدة
خلال سنوات حكم الإنقاذ واجه الاتحاديون واقعاً بالغ التعقيد. دخل الحزب في المعارضة ضمن التجمع الوطني الديمقراطي، وشاركت قياداته وقواعده في العمل المعارض داخل السودان وخارجه، لكن السنوات الطويلة للحكم الشمولي أفرزت بدورها خلافات جديدة حول كيفية التعامل مع النظام.
كانت هناك رؤية تدعو إلى استمرار المواجهة السياسية حتى استعادة الديمقراطية، وأخرى رأت إمكان الحوار أو المشاركة أو العودة والعمل من الداخل.
ومن هذه الخلافات خرجت انقسامات وتيارات وتنظيمات متعددة، وأصبح المشهد الاتحادي مع مرور الوقت مزدحماً بالأسماء: اتحادي ديمقراطي أصل، اتحادي مسجل، وطني اتحادي، تيارات وهيئات ومجموعات إصلاحية وشبابية، ثم تجمعات اتحادية أخرى.
ولا تكمن المشكلة في تعدد الاجتهادات؛ فالتعدد داخل الحزب الديمقراطي أمر طبيعي، بل قد يكون مصدراً للقوة والحيوية.
المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف في الرأي إلى انشقاق في التنظيم، والانشقاق إلى حزب، والحزب إلى أجنحة، ثم يصبح لكل خلاف جديد ختم ولافتة ومكتب سياسي.
وهكذا صارت الحركة التي كانت ذات يوم قادرة على جمع قطاعات واسعة من السودانيين موزعة بين كيانات تشترك في جزء كبير من تاريخها وذاكرتها وشعاراتها وقواعدها الاجتماعية، لكنها تختلف في القيادة والمواقف والتقديرات.
التجمع الاتحادي: من محاولة جمع الاتحاديين إلى امتحان الانقسام
وفي هذا السياق تبرز تجربة التجمع الاتحادي باعتبارها واحدة من أهم المحاولات الحديثة لإعادة تقديم الاتحادية خارج بعض الأطر التقليدية التي أثقلتها الانقسامات.
فقد جاء التجمع من لقاء قوى وشخصيات وفصائل اتحادية رفضت المشاركة مع نظام الإنقاذ، وسعت إلى بناء صيغة اتحادية مدنية حديثة، أكثر ارتباطاً بالديمقراطية والمؤسسية، وأقرب إلى الأجيال الجديدة التي لم تعد ترى أن التاريخ وحده يمنح الأحزاب حق البقاء.
وكان للتجمع حضور واضح في المعارضة، ثم في ثورة ديسمبر وما أعقبها من ترتيبات سياسية، وأصبح جزءاً من قوى الحرية والتغيير، وبرز عدد من قياداته وعضويته في النشاط السياسي والمدني خلال الفترة الانتقالية.
وهنا تكمن، في تقديري، القيمة الأساسية لهذه التجربة.
لقد حاول التجمع أن يقول إن الاتحادية ليست مجرد حنين إلى الأزهري، ولا مجرد امتداد لزعامة تاريخية، وإنما يمكن أن تكون مشروعاً سياسياً مدنياً معاصراً، وأن تستوعب جيلاً اتحادياً جديداً تشكل وعيه في الشارع والجامعة والمهنة وثورة ديسمبر، لا في صراعات خمسينيات القرن الماضي.
لكن المفارقة المؤلمة أن التجمع نفسه لم ينجُ من الداء الذي ظل يلاحق الحركة الاتحادية.
فقد ظهرت داخله خلافات تنظيمية وسياسية، بعضها متعلق بطريقة إدارة المؤسسة وتوزيع الاختصاصات والعلاقة بين أجهزتها، وبعضها الآخر أعمق ويتصل بالموقف من الحرب ومن التحالفات السياسية والمدنية ومن المسار الذي انتقل من قوى الحرية والتغيير إلى «تقدم» ثم «صمود».
وقد ارتبط بابكر فيصل بالمسار الأخير، بينما اتخذ تيار آخر داخل التجمع موقفاً مختلفاً، ووصل الخلاف إلى تغييرات قيادية متنازع على شرعيتها وإلى تنازع حول من يمثل التجمع ومؤسساته.
ولذلك فإن الأدق ليس القول إن شخصاً انتصر وآخر هُزم، وإنما إن التجمع الاتحادي نفسه دخل امتحاناً حقيقياً للشرعية والمؤسسية وإدارة الاختلاف.
وهذه ليست قضية تخص التجمع وحده.
إنها، في الحقيقة، صورة مصغرة للمشكلة الاتحادية الأكبر.
فكيف يستطيع تنظيم نشأ، من حيث الاسم والفكرة، من أجل «التجمع»، أن يمنع اختلافاته الداخلية من إنتاج تجمع آخر في مواجهته؟
وكيف تستطيع الحركة الاتحادية أن تدعو السودان إلى إدارة التنوع والاختلاف وهي نفسها لم تنجح بعد في بناء مؤسسة تسمح لأبنائها بأن يختلفوا داخلها؟
هذه الأسئلة لا تنتقص من تجربة التجمع ولا من الدور الذي لعبه في ثورة ديسمبر، وإنما تجعل التجربة أكثر أهمية؛ لأن نجاحها وإخفاقاتها معاً يمكن أن تقدما درساً للحركة الاتحادية كلها.
وهل اسم «التجمع الاتحادي» مناسب؟
كان الاسم، في تقديري، مناسباً للحظة التأسيس.
فكلمة «التجمع» تعبر عن جمع فصائل وشخصيات واتجاهات اتحادية في مظلة مشتركة، وكانت بذلك تعبيراً صادقاً عن طبيعة المشروع في بدايته.
لكن الاسم نفسه يصبح موضع سؤال إذا كان الهدف هو بناء حزب سياسي دائم.
فـ«التجمع» يوحي بائتلاف أو مظلة أو مرحلة انتقالية أكثر مما يوحي بمؤسسة حزبية مكتملة. وربما يحمل، من حيث لا يقصد أصحابه، شيئاً من المشكلة التي عانت منها الاتحادية نفسها: نحن مجتمعون، ولكننا لم نندمج تماماً.
ولهذا فإن السؤال الأهم ليس: هل نغير اسم التجمع الاتحادي؟
بل:
هل يريد التجمع أن يصبح حزباً اتحادياً آخر يضاف إلى القائمة، أم يريد أن يصبح جسراً نحو إعادة تأسيس الحركة الاتحادية؟
إذا اختار الطريق الأول، فقد ينتهي، مهما حسنت نيات أصحابه، إلى إضافة لافتة جديدة إلى اللافتات الكثيرة.
أما إذا اختار الثاني، فإن تجربته، بما فيها من نجاحات وأخطاء وانقسامات، يمكن أن تكون إحدى أهم روافد الحوار الاتحادي–الاتحادي المنشود.
بل لعل أجمل خاتمة تاريخية لاسم «التجمع الاتحادي» أن ينجح بالفعل في تجميع الاتحاديين، ثم يصبح جزءاً من كيان أكبر منه.
ما الذي يختلف حوله الاتحاديون حقاً؟
إذا تجاوزنا الأسماء ونظرنا إلى جوهر الأطروحات الاتحادية المختلفة، سنجد أن المسافة بينها ليست دائماً بالحجم الذي توحي به كثرة التنظيمات.
فهناك تيار يرى في الختمية وبيت الميرغني مكوناً تاريخياً واجتماعياً وروحياً لا يمكن فصل الحركة الاتحادية عنه.
وهناك تيار آخر يؤكد مدنية الحزب واستقلال مؤسساته السياسية عن أية مرجعية طائفية أو أسرية.
وبينهما اتجاهات تحاول التوفيق بين احترام المكونات التاريخية للحزب وبناء مؤسسة ديمقراطية حديثة.
وهناك خلاف آخر يتعلق بالموقف من الأنظمة العسكرية: هل تكون المواجهة والمقاطعة، أم الحوار والمشاركة من أجل التأثير من الداخل؟
كما توجد اختلافات حول شكل التنظيم، ودور الشباب، وعلاقة المركز بالأقاليم، وطريقة اختيار القيادة، ومفهوم الدولة المدنية، والعلاقة بين الدين والسياسة، والتحالفات مع القوى السياسية الأخرى.
لكن هل تبرر هذه الاختلافات وجود هذا العدد من التنظيمات الاتحادية؟
أحسب أن الإجابة هي:
لا.
فالاختلاف حول هذه القضايا يمكن أن يعيش داخل حزب ديمقراطي واحد إذا كانت هناك مؤسسات حقيقية وانتخابات داخلية ومؤتمر عام ودستور ملزم للجميع.
فالحزب ليس جماعة من الأشخاص المتطابقين في آرائهم.
الحزب مؤسسة لإدارة الاختلاف.
السودان تغير… فهل تغير الاتحاديون؟
وهنا نصل إلى القضية الأهم.
إن الدعوة إلى وحدة الاتحاديين لا ينبغي أن تعني استعادة صورة الحزب كما كانت في خمسينيات أو ستينيات القرن الماضي.
فالسودان نفسه لم يعد ذلك السودان.
لقد تغير المجتمع، وتبدلت تركيبته السكانية والسياسية، وظهرت أجيال لم تعش زمن الأزهري ولا تجربة الديمقراطية الثانية ولا حتى انتفاضة أبريل. ثم جاءت الحروب والانقلابات وانفصال الجنوب وثورة ديسمبر والحرب الكارثية التي مزقت الدولة والمجتمع وشردت الملايين.
ولهذا فإن توحيد الاتحاديين لا قيمة له إذا كان المقصود جمع القيادات القديمة في صورة تذكارية ثم إصدار بيان عن «وحدة الصف».
الوحدة المطلوبة ينبغي أن تكون وحدة مشروع قبل أن تكون وحدة أشخاص.
ماذا يقول الاتحاديون اليوم عن الدولة السودانية؟
ماذا يقولون عن الجيش والدولة المدنية؟
ماذا يقولون عن الحرب والسلام؟
ماذا يقولون عن الفيدرالية وتوزيع السلطة والثروة؟
ماذا يقولون عن الهامش الذي ظل طويلاً يشكو من مركز يحتكر القرار والموارد؟
ماذا يقولون للشباب الذين لم يعودوا يرثون الأحزاب كما ورثتها أجيال سابقة؟
وماذا يقدمون للمرأة، وللمهنيين، وللمزارعين، وللعمال، وللسودانيين في المهجر، ولضحايا الحرب والنازحين واللاجئين؟
هذه هي الأسئلة التي ستقرر مستقبل الحركة الاتحادية، لا عدد اللافتات التي تحمل كلمة «الاتحادي».
لماذا الوحدة الآن؟
السودان اليوم مهدد بما هو أخطر من خسارة حزب للانتخابات.
إنه مهدد في وجوده كدولة موحدة وقابلة للحياة.
وفي مثل هذه اللحظة يصبح استمرار تشظي القوى السياسية التاريخية ترفاً لا يملكه الوطن.
والحركة الاتحادية، بما تملكه من تاريخ وامتداد اجتماعي وتجربة سياسية، يمكن أن تسهم في إعادة بناء الوسط السياسي السوداني: وسط ديمقراطي مدني يرفض الشمولية، ولا يرى السياسة حرباً بين معسكرات مغلقة، ويستطيع الحوار مع مختلف المكونات السودانية.
لكنها لن تستطيع القيام بهذا الدور وهي موزعة بين عدة تنظيمات تتنافس أحياناً على الاسم والتاريخ أكثر مما تتنافس على تقديم برنامج للمستقبل.
والوحدة هنا ليست مفيدة للاتحاديين وحدهم، وإنما للسودان نفسه؛ لأن الحياة الديمقراطية تحتاج إلى أحزاب كبيرة ومؤسسية تستطيع تجميع المصالح الاجتماعية المختلفة وتحويلها إلى برامج سياسية، بدلاً من استمرار تفتيت المجال السياسي إلى عشرات التنظيمات الصغيرة.
نحو حوار اتحادي–اتحادي
لهذا أرى أن الوقت قد حان لإطلاق حوار اتحادي–اتحادي شامل، لا يستثني أحداً ولا يبدأ بتحديد من هو «الاتحادي الحقيقي» ومن هو الدخيل.
فهذا السؤال نفسه كان جزءاً من المشكلة.
كل من ينتمي إلى التراث الاتحادي ويقبل الديمقراطية والعمل المدني والتداول السلمي للسلطة ينبغي أن يجد مكاناً على مائدة الحوار.
ولا ينبغي أن يبدأ الحوار بالسؤال:
من سيكون الرئيس؟
بل بالسؤال:
أي حزب نريد؟ وأي سودان نريد؟
ثم تأتي القيادة بعد ذلك.
ولا ينبغي أن يكون الهدف مجرد دمج الهياكل القائمة بعضها في بعض، لأننا بذلك قد نجمع مشكلات التنظيمات المختلفة في تنظيم واحد.
المطلوب إعادة تأسيس حقيقية تنتهي إلى مؤتمر اتحادي جامع، يضع برنامجاً سياسياً جديداً، ودستوراً للحزب، ونظاماً ديمقراطياً لاختيار قياداته، ويحدد بوضوح العلاقة بين المؤسسات السياسية والمكونات الدينية والاجتماعية والتاريخية للحركة.
وفي مثل هذا المؤتمر ينبغي أن يكون للشباب والنساء والأقاليم والمهجر حضور حقيقي، لا حضوراً رمزياً لإكمال الصورة.
ويمكن أن تسبق المؤتمر لجنة تحضيرية تمثل مختلف التيارات الاتحادية، تكون مهمتها حصر نقاط الاتفاق والاختلاف وصياغة مشروع «ميثاق اتحادي جديد» يعرض على القواعد قبل إجازته.
وهنا يستطيع التجمع الاتحادي أن يؤدي دوراً تاريخياً إذا تجاوز أزمته الداخلية، لا باعتباره طالباً لضم الآخرين إليه، وإنما باعتباره واحداً من روافد هذا المشروع.
الختمية والاتحاديون: لا إقصاء ولا وصاية
ولعل من أكثر المسائل حساسية تلك المتعلقة بعلاقة الحركة الاتحادية بالختمية.
ولا أرى أن حل هذه المسألة يكون بإنكار التاريخ أو بمحاولة إقصاء مكون كان له أثر واضح في بناء القاعدة الاجتماعية للحركة الاتحادية.
كما لا يمكن، في المقابل، أن يصبح الانتماء الديني أو الأسري بديلاً عن الشرعية المؤسسية داخل حزب سياسي حديث.
يمكن احترام الرمزية الدينية والتاريخية، مع الإصرار في الوقت نفسه على أن القيادة السياسية تستمد شرعيتها من مؤسسات الحزب وقواعده.
فالاحترام شيء، والحق التنظيمي شيء آخر.
وبهذا وحده يمكن إنهاء جدل استهلك جزءاً كبيراً من طاقة الاتحاديين طوال عقود.
الأزهري لا يحتاج إلى تمثال
كثيراً ما يستدعي الاتحاديون اسم إسماعيل الأزهري، وصورته وهو يرفع علم السودان، وخطابه يوم الاستقلال.
وهذا حقهم، فهو جزء أصيل من تاريخهم ومن تاريخ السودان.
لكن الوفاء للأزهري لا يكون بتعليق صورته على جدران دور الحزب.
الوفاء الحقيقي هو استعادة معنى اللحظة التي مثّلها: القدرة على تجاوز الشعار حين تتغير مصلحة الوطن، والقدرة على الوصول إلى الآخرين، والقدرة على جعل الاستقلال قضية تتجاوز الحزب نفسه.
الأزهري لا يحتاج منا إلى تمثال آخر.
يحتاج الاتحاديون إلى استعادة الشجاعة السياسية التي جعلت جيلاً كاملاً يضع السودان فوق خلافاته.
اتحدوا… ولكن من أجل السودان
إنني لا أدعو هنا إلى وحدة عاطفية تستدعي أمجاد الماضي، ولا إلى مصالحة بين بضعة أسماء، ولا إلى إعادة إنتاج الحزب القديم كما كان.
أدعو إلى شيء أصعب وأبقى:
إعادة تأسيس الحركة الاتحادية.
إلى حوار صريح يعترف بالأخطاء قبل الحديث عن الأمجاد.
إلى حزب لا ينشق أعضاؤه كلما اختلفوا.
إلى مؤسسة تتسع للختمي وغير الختمي، وللشبابي والمخضرم، وللمركزي وابن الإقليم، ولمن يرى هذا الاجتهاد أو ذاك، ما دام الجميع يحتكمون إلى الديمقراطية.
لقد جرّب الاتحاديون الانقسام طويلاً، حتى صار الانقسام نفسه يكاد يبدو جزءاً من هويتهم السياسية.
لكن تاريخهم يقول شيئاً آخر.
حين اجتمعت التيارات الاتحادية قبل الاستقلال، صنعت قوة قادت أول حكومة وطنية.
وحين افترقت بعد الاستقلال ضعفت.
وحين عادت والتقت في الحزب الاتحادي الديمقراطي استعادت ثقلها الانتخابي والسياسي.
ثم عندما عادت الانقسامات، تقلص ذلك الثقل وتوزع بين الأسماء والتنظيمات.
وحتى التجمع الاتحادي، الذي حمل في اسمه حلم الجمع، وجد نفسه أمام الامتحان ذاته.
وهنا ينبغي أن نتوقف.
فليس المطلوب أن ينتصر جناح من التجمع على جناح، ولا أن ينتصر «الأصل» على التجمع، ولا الوطني الاتحادي على كليهما، ولا أن يثبت كل فريق أنه الوريث الشرعي الوحيد للأزهري.
فإذا ظل السؤال:
من يملك الاسم؟
فلن يصل الاتحاديون إلى شيء.
أما إذا أصبح السؤال:
كيف نبني حركة اتحادية ديمقراطية حديثة تتسع لنا جميعاً؟
فربما تبدأ عندئذ مرحلة جديدة.
إن التاريخ لا يعيد نفسه حرفياً، ولكنه أحياناً يضع أمامنا مرآة شديدة الوضوح.
والمرآة الاتحادية تقول اليوم:
ليس مطلوباً أن يتطابق الاتحاديون، وإنما أن يتعلموا كيف يختلفون داخل بيت واحد.
والسودان، الخارج ذات يوم من تحت راية الاستعمار إلى فضاء الاستقلال، يقف اليوم أمام امتحان ربما كان أشد خطراً:
امتحان بقاء الدولة نفسها.
فإذا كان للاتحاديين شيء يقدمونه لهذا الوطن في هذه اللحظة، فليبدأوا بأن يقدموا نموذجاً لما يدعون السودان إليه:
الوحدة في التنوع، والحوار بدلاً من القطيعة، والمؤسسة بدلاً من الفرد، والوطن قبل الحزب.
ولذلك فإن الدعوة إلى حوار اتحادي–اتحادي لم تعد ترفاً تنظيمياً، ولا محاولة للمّ شمل أسرة سياسية قديمة.
إنها دعوة لاستعادة قوة سياسية يحتاج إليها السودان.
فليجلس الاتحاديون إلى بعضهم، لا ليبحثوا عمن انتصر في خلافات الأمس، بل ليسألوا سؤال الغد:
ماذا نستطيع أن نفعل معاً لإنقاذ السودان؟
وعندما يصبح هذا هو السؤال، ستصبح كثير من أسباب الانقسام أصغر كثيراً مما بدت طوال السنوات الماضية.
فالبيت الاتحادي، مهما تعددت أبوابه، لا يزال بيتاً واحداً في الذاكرة السياسية السودانية.
وقد آن لأهله أن يلتقوا فيه من جديد..هذه تاملات عاشق للفكر وللوطن..
