الدين مصنع.. لا دكان شعائر
بقلم: مرتضى القسم عوض الكريم
يقول علي شريعتي:
لا تتوهم أن الدين هو أن تنطق الشهادة، وتصلي، وتصوم، وتزكي، وتحج. فهذه عبادات شعائرية وهي فرائض، لكنك لن تقطف ثمارها ولن تحقق أهدافها إلا إذا صحَّت عبادتك التعاملية.
ويقول الشيخ عبدالفتاح مورو: “الاسلام قضية حضارية قبل ان يكون قضية فقهية. الاسلام جاء ليبني الانسان ويعمر الارض، لا ليحبسنا في زوايا المساجد”.
ويقول الشيخ راشد الغنوشي: “الاسلام لا يعرف الفصل بين الدين والحياة. الدين في الاسلام مشروع حضارة، ومشروع دولة، ومشروع انتاج وعدل. من اختزله في الشعائر فقد خانه”.
ويقول الشيخ محمد الغزالي: “ان اخطر ما اصاب المسلمين هو فصلهم بين الاخلاق والعبادة. صاروا يصلون ولا يصدقون، ويصومون ولا يتقنون، ويحجون ولا يعدلون”.
ويقول مالك بن نبي: “ان مشكلة المسلمين ليست في نقص الموارد، ولكن في عجز العقول. لقد استبدلنا الفكر بالصراخ، والعمل بالشعارات، والحضارة بالاستهلاك”.
ويقول محمد أركون: “لابد من مراجعة العقل الاسلامي. تجميد النص في الماضي وقطع الصلة بين الدين والعقل والواقع هو انتحار حضاري”.
انتماؤك الشكلي للدين لا يقدم ولا يؤخر. إنما استقامتك على مبادئ الدين هي مفتاح القبول والرضى. فالدين معاملة، والدين انتاج، والدين اخلاق، قبل ان يكون لحية وسبحة.
والناظر إلى من يتصدرون الفتوى اليوم يجد الخراب. اختزلوا الدين كله في الحيض والنفاس، وحنطوه في كتب الصفراء.
فتجد عندهم فظاظة وتكبر وادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة. يفتون حسب ما يطلبه الحاكم، ويبيعون الدين بالدنيا.
يصرخون في المنابر بالجهاد وهم اجبن الناس، ويتكلمون عن الزهد وهم اغنى الناس، ويحرمون على الناس ما احلوه لانفسهم.
حولوا المساجد الى متاحف، والعلم الى تكرار ببغائي للقدامى بلا روح ولا ابتكار. كأن الاسلام تجمد عند القرن الرابع، وكأن العقل حرام، وكأن السؤال كفر.
مع ان كل آيات القرآن تدعو الى التأمل والتفكر والتعقل وعمارة الارض والنظر في آيات الله.
{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}
الدين والانتاج توأمان
ولكننا اصبحنا عالة على غيرنا. المايك الذي نخطب به من انتاج الغرب “الكافر”. والثوب الذي نلبسه من مصانعهم. ومواد البناء والكهرباء والدواء والسلاح كلها من ايديهم. ثم نرفع ايدينا وندعو: اللهم انصرنا!
فكيف ينصر الله قوما تركوا سنته في الكون؟ هل الجهل سينتصر؟ وعلى من ننتصر ونحن لا نصنع حتى مسمارا؟
الاسلام لم يات ليجعلنا امة عالة مستهلكة. جاء ليجعلنا امة منتجة معمرة. اول كلمة نزلت “اقرأ” وثاني معنى “اعمل”.
الرسول كان تاجرا، والصحابة كانوا زراعا وصناعا وبنائين. لم يفصل احد بين المحراب والمصنع.
قال مالك بن نبي: “قابلية الاستعمار تبدا حين نعطل عقولنا وننتظر غيرنا ان يفكر ويصنع عنا”. وهذا ما نحن فيه الان.
نحن نحتاج ان نحكم دين الله فينا. ان نحول المساجد من صناديق للخطب الى شموع مضيئة تضيء لنا طريق الانتاج.
نعمل داخل المسجد دورات لمدة عام في صيانة المعدات الكهربائية للرجال والنساء.
ونعمل دورات في التمريض والاسعافات. ودورات في الحدادة والنجارة والزراعة. ودورات في محو الامية وتعليم الكبار.
نجعل كل خطبة منبرا للعلم والتعلم، ومحرقة للتطرف، وقاطعة مع اجترار الماضي وصراعاته.
نبتعد عن الولاء الضيق للجماعات والاحزاب، ونذهب الى رحاب الاسلام الاسمى الذي بدأ بـ “اقرأ”.
فتركنا القراءة.. وتركنا العمل.. وتركنا ديننا عمدا.. ثم نسأل: هل هناك امل للصلاح؟
نعم هناك امل. اذا عدنا ففهمنا ان الدين معاملة قبل ان يكون مسبحة، وانتاج قبل ان يكون خطبة، وعقل قبل ان يكون تقليد، واتقان قبل ان يكون دعاء، وعمارة قبل ان يكون امنية.
فاما ان نكون امة “اقرأ واعمل واعمر” .. او نبقى امة “تكلم ونم وانتظر المعجزة”. والخيار لنا.
