صرح الأستاذ بابكر فيصل بأن اتهام البرهان لقوى الحرية والتغيير بالمخادعة هو «نصف الحقيقة»، لأن البرهان وياسر العطا طلبا من قيادة قوى الحرية والتغيير، أكثر من مرة، أن تضع يدها مع الجيش للتخلص من حميدتي، وكان ردهم أنهم يرفضون الانحياز لأي طرف، ويرفضون وقوع صدام بين الجيش والدعم السريع.
لا شك أن هذا موقف أخلاقي وسياسي يمكن الدفاع عنه، بل إنه يكشف جانباً مهماً من تناقض رواية البرهان. لكن المسألة لا تنتهي هنا.
فنحن نعلم الآن أن احتمال الحرب بين الجيش والدعم السريع لم يكن مجهولاً لقيادة قوى الحرية والتغيير. وإذا كانت هذه المعلومة قد وصلت إليها بالفعل، فإن السؤال المشروع هو: لماذا لم تُملك للرأي العام؟
هذه لم تكن معلومة عادية، بل كانت تتعلق باحتمال اندلاع حرب يمكن أن تدمر البلاد. وربما كان كشفها سيشكل ضغطاً على قيادة الجيش للتراجع عن خيار الحرب، أو على الأقل كان سيساعد السودانيين على فهم ما يجري عندما اندلعت الحرب.
لقد ظل البرهان قبل الحرب يخاطب الناس بطريقة توحي بأن العلاقة بين الجيش والدعم السريع مستقرة، ولذلك جاء اندلاع الحرب بالنسبة لكثيرين مفاجئاً ومربكاً. وفي هذا الفراغ المعلوماتي استطاع إعلام الفلول أن يفرض روايته: جيش وطني تعرض للخيانة والتمرد من حميدتي، مع استدعاء تاريخ الجنجويد ودارفور لتفسير الحرب.
وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع تفاصيل هذه الرواية، فإن غياب المعلومات التي كانت لدى القوى المدنية ساعد على انتشارها.
وهنا تظهر المفارقة: قد يكون الموقف السياسي صحيحاً أخلاقياً، لكن طريقة إدارة المعلومة قد تكون خاطئة سياسياً.
من السرية الوظيفية إلى السرية السلطوية:
ليست كل السرية سيئة. هناك سرية وظيفية تقتضيها المفاوضات وحماية الأشخاص والمصالح العامة، وتكون مؤقتة ولها مبررات واضحة.
لكن هناك أيضاً سرية سلطوية، حين تصبح المعلومة نفسها مصدراً للنفوذ، فيحتفظ بها القائد أو المجموعة لأنها تمنحهم موقعاً مميزاً، أو لأن كشفها قد يعرض قراراتهم للمساءلة.
وهنا يتحول امتلاك السر من وسيلة إلى مصدر للسلطة.
فمن يعرف أكثر يستطيع أن يقرر: من يعرف، ومتى يعرف، وما الذي يعرف. ومع الوقت قد تتكون عقلية سياسية تقول: «نحن نعرف الصورة الكاملة، وليس من الضروري أن يعرفها الجمهور.»
وهذا هو ما أعنيه بـ «ممارسة السياسات العليا».
ماذا قال الخاتم عدلان؟
هذه المسألة تذكرنا بما كتبه الخاتم عدلان في نقده لقيادة الحزب الشيوعي بشأن انقلاب الجبهة القومية الإسلامية في نهاية الثمانينيات. فقد أشار إلى أن قيادة الحزب كانت تمتلك معلومات عن الاستعداد للانقلاب، لكنها فضلت تمليكها لقيادة حزب الأمة من وراء حجاب بدلاً من جعلها معرفة عامة.
كان يمكن أن يؤدي كشف مخطط الانقلاب إلى تنبيه الرأي العام بانقلاب الاسلاميين على الديمقراطية الثالثة وربما إجهاض الانقلاب نفسه.
المشكلة إذن ليست في امتلاك المعلومات السرية، وإنما في احتكارها عندما تكون المصلحة العامة هي التي تقتضي نشرها.
الديمقراطية وحق المجتمع في المعرفة:
وهنا تتصل المسألة بفكرة التواصل العقلاني.
لا يمكن للمجتمع أن يناقش مصيره بصورة عقلانية إذا كانت المعلومات الأساسية محتكرة داخل الغرف المغلقة. فالحوار العقلاني يحتاج إلى حد أدنى من الحقائق المشتركة، وإلا تركنا المجال للشائعات والدعاية والروايات الأكثر قدرة على التأثير.
ولا يعني هذا أن تكشف القوى السياسية كل أسرارها. المطلوب هو التمييز بين ما يجب أن يبقى سرياً، وما يجب أن يعرفه المجتمع لأنه يتعلق مباشرة بمصيره.
والسؤال الذي ينبغي أن يحكم هذا التمييز هو:
هل حُجبت المعلومة لحماية المصلحة العامة، أم لحماية الموقع السياسي لمن يمتلكها؟
إذا أصبح امتلاك السر مصدراً للسلطة، فإن كشفه يصبح تهديداً لهذه السلطة. وعندها قد يدافع السياسي عن السر حتى ضد المصلحة التي يعتقد أنه يحميها.
لذلك فإن الديمقراطية لا تعني فقط أن يختار الناس من يحكمهم، وإنما تعني أيضاً ألا تُحجب عنهم المعلومات التي تمكنهم من الحكم على ما يحدث باسمهم.
وفي بلد مثل السودان، دفع المجتمع ثمناً باهظاً لقرارات اتُخذت في الغرف المغلقة. وربما آن الأوان للانتقال من ثقافة:
«نحن نعرف وأنتم لا تعرفون»
إلى ثقافة:
«ما يمس مصير البلاد يجب أن يكون، في الحدود التي لا تضر بالأمن والمصلحة العامة، معرفةً للمجتمع نفسه».
طلعت محمد الطيب
