السودان يحتاج
Peace Application: «يرجى المحاولة لاحقاً»
د. صلاح أحمد الحبو
في زمن التحول الرقمي، حيث أصبح لكل مشكلة تقريباً Application، يبدو أن السودان وصل إلى المرحلة التي يحتاج فيها السلام نفسه إلى تطبيق إلكتروني. تطبيق رسمي يمكن للمواطن أن يفتحه صباحاً ليتابع آخر تحديثات السلام: «قيد التفاوض»، «جارٍ التشاور»، «بانتظار الضمانات»، «تم تأجيل الاجتماع»، ثم الرسالة الأكثر صدقاً في النظام كله: «يرجى المحاولة لاحقاً».
قد تبدو الفكرة ساخرة، لكنها في الحقيقة تلخص مأزقاً بنيوياً. فالسودان لا يعاني نقصاً في مبادرات السلام بقدر ما يعاني من منظومة سياسية واقتصادية تجعل السلام عاجزاً عن تغيير شروط الصراع. كثرت الوساطات والخرائط والمبادرات والاجتماعات، لكن الحرب أثبتت أنها أكثر قدرة على التحديث من عملية السلام: كلما صدر بيان، ظهر في الميدان Update جديد.
المشكلة إذن ليست فقط في تعثر مفاوضات السلام، بل في السؤال الأكثر قسوة: ما الذي يجعل الحرب أكثر قدرة على الاستمرار من السلام؟
هنا تقدم دراسة Chatham House، Why Peacebuilding Fails and What to Do About It، مدخلاً مختلفاً. فالتقرير لا ينظر إلى الحرب باعتبارها مواجهة عسكرية محلية يمكن إنهاؤها بمجرد جمع أطرافها حول طاولة، بل يدرس «اقتصادات الصراع» بوصفها أنظمة عابرة للحدود تتداخل فيها الأموال والأسواق والشبكات المسلحة والمصالح الجيوسياسية. وفي حالة السودان، يركز التقرير على تجارة الذهب التي تحولت إلى منظومة اقتصادية تغذي الحرب وتستفيد منها في الوقت نفسه. (Chatham HouseAttachment.png)
وهنا تتغير المسألة جذرياً. يمكنك أن تعقد مائة اجتماع للتفاوض، لكنك لن تنهي حرباً إذا بقيت الحوافز الاقتصادية التي تموّلها، والشبكات التي تحميها، والحدود التي تسمح لها بالحركة، والفاعلون الذين يستطيعون تحويل الفوضى إلى نفوذ وربح.
يصف التقرير تجارة الذهب السوداني بأنها «self-sustaining economic ecosystem»؛ أي «منظومة اقتصادية مكتفية ذاتياً» تغذيها الحرب وتغذي الحرب بدورها. (Chatham HouseAttachment.png) وهذه العبارة وحدها تكفي لإعادة كتابة كثير من أدبيات السلام في السودان: ربما لا تفشل مبادرات السلام لأنها ضعيفة فقط، وإنما لأنها تحاول إغلاق ملف سياسي بينما تظل آلة اقتصادية كاملة مفتوحة في الخلفية.
وهنا يمكن تخيل الـ Peace Application السوداني بصورة أكثر واقعية. تفتح الصفحة الأولى:
حالة المفاوضات: قيد الانتظار.
تضغط على «لماذا؟»
اقتصاد الحرب: يعمل بكفاءة.
تضغط مرة أخرى:
الشبكات العابرة للحدود: متصلة.
ثم:
الحوافز لاستمرار الصراع: نشطة.
ثم تظهر العبارة المعتادة:
يرجى المحاولة لاحقاً.
المفارقة أن الحرب السودانية لا تعمل وحدها. تقرير Chatham House يوضح أن الصراع يرتبط بشبكات متعددة الاصطفاف، وأن الحدود والموانئ ومسارات التجارة أصبحت مراكز نفوذ، فيما تتداخل مصالح الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين. وفي حالة الذهب، لا يتعلق الأمر فقط بمن يستخرج المعدن، بل بمن يحمي المناجم، ومن ينقل الذهب، ومن يموله، ومن يشتريه، ومن يوفر القنوات التي تسمح بتحويله إلى سيولة. (Chatham HouseAttachment.png)
وهذا يعني أن السلام لا يمكن أن يكون مجرد Agreement بين طرفين. إنه يحتاج إلى تفكيك System كامل.
فإذا كان اقتصاد الحرب أكثر مرونة من السياسة، وإذا كانت شبكات التهريب أكثر سرعة من لجان الوساطة، وإذا كان المال يعبر الحدود بسهولة أكبر من مبادرات السلام، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا لم تنجح المفاوضات؟
بل: لماذا يفترض السلام أن المشكلة سياسية فقط؟
هنا أيضاً تظهر مشكلة أخرى: مركزية عملية السلام نفسها. فبينما تتفاوض النخب على مستقبل الدولة، تحاول المجتمعات المحلية إنقاذ ما تبقى من المجتمع. وتوثق دراسة UNDP لعام 2025 ست مبادرات محلية للسلام في دارفور وكردفان، قادتها مجتمعات محلية وشباب وقيادات تقليدية بهدف تخفيف التوتر، ومنع العنف، وإعادة فتح الأسواق، واستعادة الحركة وحماية الأرواح. (UNDPAttachment.png)
هذه المبادرات تقدم درساً بالغ الأهمية: السلام لا يبدأ دائماً من القصر أو قاعة المؤتمر؛ أحياناً يبدأ من السوق.
فحين يتفق أهل منطقة على حماية طريق، أو إعادة فتح سوق، أو منع الثأر، أو تأمين حركة المدنيين، فإنهم يمارسون نوعاً من السلام أكثر اتصالاً بالحياة من عشرات البيانات الرسمية. وتشير UNDP إلى أن هذه التجارب تؤكد قيمة المقاربات متعددة المسارات التي تتجاوز المفاوضات المركزية من أعلى إلى أسفل. (UNDPAttachment.png)
لذلك، إذا كان السودان سيصمم Peace Application فعلياً، فلا ينبغي أن يكون تطبيقاً لمتابعة أخبار المؤتمرات، بل منصة للمساءلة تكشف «النظام الخلفي» للحرب: من يمولها؟ من يستفيد منها؟ كيف تتحرك الأموال والسلع؟ ما الذي يحدث عند إغلاق الحدود؟ ومن يربح عندما تتعطل المفاوضات؟
يمكن عندها أن تظهر للمواطن شاشة مختلفة:
المفاوضات: متوقفة.
اقتصاد الحرب: مستمر.
تجارة الذهب: نشطة.
العدالة: مؤجلة.
عودة النازحين: معلقة.
المبادرات المحلية: تعمل.
المساءلة: قيد التحميل.
هذا هو التحول الرقمي الذي يحتاجه السلام السوداني: ليس رقمنة البيانات، وإنما رقمنة الشفافية.
فالسودان لا يحتاج إلى تطبيق يخبره أن السلام «قيد التفاوض». السودانيون يعرفون ذلك منذ زمن طويل. ما يحتاجونه هو نظام يكشف لماذا يبقى السلام قيد التفاوض، ومن يملك زر Cancel، ومن يملك كلمة المرور، ومن يدفع تكلفة كل Update مؤجل.
وربما هنا تكمن السخرية الأكثر مرارة: التكنولوجيا تستطيع أن تخبرك خلال ثوانٍ بموقع سيارة أجرة، أو سعر الذهب، أو حركة الطيران، لكن أحداً لم ينجح بعد في تطوير خوارزمية تخبر السودانيين متى تنتهي الحرب.
والسبب بسيط: الحرب ليست مشكلة تقنية.
إنها بنية مصالح.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: متى يتم إطلاق Peace Application؟
بل: متى نبدأ بتغيير النظام الذي يجعل الحرب تعمل بكفاءة أكبر من السلام؟
فإذا لم يتغير اقتصاد الحرب، ستظل المفاوضات مجرد واجهة أمامية لنظام يعمل في الخلفية.
وإذا لم تتغير الحوافز، ستظل مبادرات السلام بحاجة إلى Update جديد.
وإذا ظل المواطن خارج عملية صناعة السلام، فسيظل مستخدماً لا يملك صلاحية الدخول.
وفي النهاية ستظهر الشاشة السودانية الشهيرة:
Peace Application
Status: Pending.
Reason: Conflict economy still running.
Action required: System change.
ثم:
يرجى المحاولة لاحقاً.
لكن بالنسبة للسودانيين، لم يعد «لاحقاً» موعداً.
إنه ثمن يوم جديد من الحرب
