تثير تصريحات نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس الأخيرة حول “المسيح الدجال” و”أحداث نهاية العالم” في مقابلته مع البودكاست الإنجيلي لبرايس كروفورد، جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والدينية. هذه التصريحات لم تكن مجرد زلة لسان، بل تأتي في سياق تحول فكري وسياسي عميق داخل التيار المحافظ الأمريكي والحزب الجمهوري.
أولاً: ما هي التصريحات بالتحديد وما أبعادها الدينية؟
في مقابلته، أشار فانس إلى أنه لا يستبعد أن تكون الإنسانية تعيش في زمن النهاية، وأنه “لن يتفاجأ إذا كان المسيح الدجال يسير بيننا اليوم”. كما أوضح أنه عند اجتماعه ببعض القادة الدوليين، يشعر بـ “ظلمة روحية” تنطلق معها كوابح الإنذار الروحي لديه.
من الناحية العقائدية، تكمن أهمية التصريحات في الآتي:
• تداخل التراث الإنجيلي والكاثوليكي: فانس تحول إلى الكاثوليكية عام 2019، لكن لغته وتفكيره حول “المسيح الدجال” والنهاية يحملان طابعاً إنجيلياً بروتستانتياً (Evangelical/Protestant) مألوفاً للقاعدة الشعبية المحافظة.
• التأثر بالفكر التكنولوجي اليميني: يرتبط فانس بفكر رجال أعمال ومفكرين مثل بيتر ثيل (Peter Thiel)، الذي يناقش علناً صعود الرفاهية التكنولوجية والذكاء الاصطناعي وكيف يمكن أن تمهد لظهور سلطة مركزية عالمية شمولية تشبه “المسيح الدجال” في الرؤية اللاهوتية السياسية.
ثانياً: لماذا في هذا التوقيت تحديداً؟
توقيت التصريحات يأتي محكوماً بدوافع سياسية وانتخابية واستراتيجية محددة:
- الترويج لكتابه الجديد وترسيخ الهوية الروحية: جاءت هذه التصريحات تزادماً مع الترويج لكتابه ” المناولة: إيجاد طريقي للعودة إلى الإيمان “، والذي يسعى من خلاله لتقديم نفسه ليس فقط كسياسي بل كـ “رجل دولة مسيحي” يعيش معركته السياسية بأبعاد أخلاقية وروحية.
- شحذ القاعدة الانتخابية الإنجيلية: يُعتبر المسيحيون الإنجيليون العمود الفقري الانتخابي للحزب الجمهوري. الحديث بلغة البؤرة الإسخاتولوجية (نهاية العالم والنبوءات) يمنح هذه القاعدة شعوراً بأن الإدارة الحالية تفهم معركتهم الثقافية وتخوض حرباً “خير ضد شر” وليست مجرد صراعات حزبية تقليدية.
- توفير إطار أخلاقي للسياسات المثيرة للجدل: الحديث عن “الظلمة الروحية” في اللقاءات الدولية أو الخطر الوجودي يسهل تبرير سياسات خارجية أو داخلية متشددة (مثل مواقف التكنولوجيا، أو القيود على الهجرة، أو مواجهة النخب العالمية) باعتبارها درعاً حامياً للمجتمع من خطر روحي وأخلاقي داكن.
ثالثاً: ما هي أجندة حزبه وتياره الفكري؟
تصريحات فانس تعكس التحول البنيوي الذي يمر به الحزب الجمهوري، وتحديداً جناح “اليمين البوست-ليبرالي أو ما يُعرف بـ “اليمين الجديد” .
• إعادة تعريف دور الدولة: لم يعد اليمين الجديد يؤمن بالدولة المحايدة أو الليبرالية التقليدية؛ بل يرى أن على الدولة أن تتبنى قيمًا مسيحية وأن تحمي الأسرة والمجتمع التقليدي ضد ما يعتبرونه “تدهوراً أخلاقياً” تقوده النخب الحاكمة.
• الريب من التكنولوجيا والعولمة: ربط فانس استخدام الذكاء الاصطناعي أو المؤسسات الفوق-وطنية بـ “الأنشطة الشيطانية” أو “الظلمة” يعكس رؤية هذا التيار تجاه العولمة والتكنولوجيا الحديثة، حيث يرون أنها تعزل الإنسان عن مجتمعه ودينه وفطرته.
• الحرب الثقافية كمعركة وجودية: الأجندة الحالية للحزب تعتمد على تحويل الصراع الاقتصادي والسياسي إلى صراع قيمي بامتياز، حيث ينظر للخصوم السياسيين والنخب الثقافية ليس كـ “منافسين” بل كـ “تهديد روحي وأخلاقي” للمجتمع.
تتجاوز تصريحات جيه دي فانس المفهوم التقليدي للتعبير عن الإيمان الشخصي؛ إذ يمثل الخطاب لغة استراتيجية تربط بين النبوءات الدينية والسياسة السيادية لليمين الأمريكي المحافظ. ومن خلال هذه اللغة، يسعى فانس لترسيخ موقع الحزب الجمهوري كحارس للقيم التقليدية في مواجهة العالم الحديث والتغيرات التكنولوجية والثقافية المتسارعة.
