علاء خيراوي
■ بعد ما كشفته نيويورك تايمز وواشنطن بوست عن البرنامج السري لتصنيع قنابل الكلور داخل الجيش السوداني، لم يعد السؤال فقط؛ من صنع هذه القنابل، ومن استخدمها، وماذا كان يعرف البرهان؟ هناك سؤال آخر ربما يكون أكثر إحراجاً للإقليم كله؛ من أين جاء الكلور، وكيف وصل إلى السودان، وعبر أراضي وموانئ أي دول؟ فعندما نسير عكس طريق القنبلة من ميدان المعركة إلى مصادر مكوناتها، تظهر أمامنا خيوط تقود إلى مسارين مختلفين؛ الأول من مصر إلى السودان، والثاني يبدأ من الهند، ويمر عبر ميناء جدة في السعودية، وينتهي في بورتسودان. والمهم هنا أن الأمر لم يعد قائماً على تحقيق صحفي سوداني واحد؛ فالمسار المصري أصبح جزءاً من الملف الذي راجعته الصحيفتان الأمريكيتان، بينما تتقاطع أجزاء أساسية من مسار الشحنة الهندية مع تحقيق سابق “لمراقبون فرانس ٢٤” ومركز الدراسات الدفاعية المتقدمة (C4ADS) ووثائق شحن ومراسلات مع الشركة الهندية المصدرة. ولذلك فإن السؤال لم يعد افتراضياً؛ هل كان ممكناً أن تتحرك هذه الكميات من الكلور عبر مصر والسعودية إلى بلد يعيش حرباً مفتوحة منذ ابريل ٢٠٢٣، من دون أن تعرف السلطات في البلدين إلى أين تذهب ومَن يتسلمها وما الغرض الحقيقي منها؟
■ الخيط المصري هو الأكثر مباشرة وخطورة. فـنيويورك تايمز تقول إن الملف الذي راجعته يتضمن إفادة في أواخر أغسطس ٢٠٢٤ عن استيراد عشرين أسطوانة كلور من مصر، قال المسؤول المشرف على المشروع إنها تكفي لصناعة ١١٠٠ قنبلة. أما واشنطن بوست فتورد أن رسائل نسبها المسؤولون الأمنيون الذين قدموا الوثائق إلى أحد المسؤولين عن البرنامج تحدثت عن وصول ٢٠ خزاناً كبيراً عبر معبر حدودي مع مصر، وربطتها أيضاً بطاقة إنتاج تصل إلى ١١٠٠ قنبلة. هنا يجب أن ننتبه إلى شيء بالغ الأهمية؛ الصحيفتان لا تقولان إن الحكومة المصرية باعت “قنابل كيميائية” للسودان، والكلور نفسه مادة مدنية واسعة الاستخدام وليست مادة محظورة بذاتها؛ لكنهما تقولان شيئاً يستحق تحقيقاً مصرياً كاملاً؛ إن عشرين أسطوانة كلور دخلت السودان من مصر، وإن المسؤولين عن البرنامج الكيميائي داخل الجيش ربطوا هذه الكمية مباشرة بقدرتهم على تصنيع أكثر من ألف قنبلة. ومن هنا يصبح من حقنا أن نسأل القاهرة؛ من صدّر هذه الأسطوانات؟ ومن اشتراها؟ وبأي أوراق عبرت الحدود؟ وما الاستخدام النهائي المعلن لها؟ وهل كانت الجهة المصرية التي سمحت بخروجها تعرف هوية المستورد السوداني الحقيقي؟ والأهم؛ هل كانت هذه الشحنة الوحيدة التي عبرت من مصر، أم أن فتح ملف التجارة والحدود سيكشف عن غيرها؟
■ أما المسار الذي مر عبر السعودية، فقد أصبح لدينا فيه ما هو أكثر من رواية مجاهد بشرى؛ لدينا رقم يمكن تتبعه من ساحة الحرب إلى الشركة التي صدّرته من الهند. ففي الخامس من سبتمبر ٢٠٢٤ ظهر في قاعدة قري العسكرية قرب مصفاة الجيلي خزان كلور يحمل الرقم التسلسلي GC-1983-1715. فريق “مراقبون فرانس ٢٤” أعاد تركيب الرقم وتتبع الخزان إلى “شركة كيمتريد الدولية الهندية (Chemtrade International Corporation)”، التي أكدت أن الخزان خضع للاختبار في ٢٠ مايو ٢٠٢٤. ثم حصل التحقيق على وثيقة شحن تثبت أن الخزان كان واحداً من ١٧ أسطوانة صناعية كبيرة مملوءة بالكلور السائل، حُمّلت في ميناء نهافا شيفا قرب مومباي في ١٤ يوليو ٢٠٢٤ متجهة إلى بورتسودان. والمورد الهندي قال إن المستورد السوداني أكد له أن الكلور سيستخدم حصراً لمعالجة مياه الشرب، بينما تشير المراسلات التي اطلعت عليها فرانس ٢٤ إلى أن الشحنة سُلّمت في بورتسودان في ١٧ أغسطس. وهذه نقطة شديدة الأهمية؛ لأننا هنا لا نتحدث عن “قنبلة” صُنعت في الهند، وإنما عن مادة صناعية ذات استخدام مدني مشروع، تغير مسارها أو استخدامها بعد ذلك حتى ظهرت إحدى أسطواناتها في منطقة عمليات عسكرية؛ وهي بالضبط الحلقة التي يجب أن يكشف التحقيق من قام بتحويلها، ومتى، وكيف.
■ وهنا يأتي تحقيق الصحفي السوداني مجاهد بشرى ليضيف الحلقة السعودية إلى الطريق، بتفاصيل عن مسار الشحنة البحري ووزنها وسفن نقلها ومرورها عبر ميناء جدة الإسلامي قبل انتقالها إلى بورتسودان. وبحسب التحقيق، كانت الشحنة تضم ١٧ أسطوانة “Tonners” تحتوي في مجموعها على أكثر من ١٥ طناً من الكلور السائل المضغوط؛ وهذه، للتدقيق، أسطوانات صناعية وليست “أسطوانات عسكرية” في ذاتها. ويقول التحقيق إن الشحنة وصلت جدة في يوليو ٢٠٢٤ قبل إعادة شحنها باتجاه السودان. وهنا تحديداً يجب ألا نستبق ما لم تثبته الوثائق” مرور الكلور عبر جدة شيء، وعلم السلطات السعودية بأن محتواه سيحوّل لاحقاً إلى سلاح شيء آخر تماماً. لكن هذا التفريق لا يعفي الرياض من السؤال السياسي، بل يجعله أكثر إلحاحاً؛ فالسعودية لم تكن ميناء ترانزيت في دولة بعيدة عن الحرب، وإنما كانت في الوقت نفسه الدولة التي تستضيف منبر جدة لإنهاء الحرب السودانية. وإذا كان ميناؤها قد استُخدم بالفعل ممراً لشحنة كلور انتهى أحد خزاناتها لاحقاً في مسرح الحرب، فمن حق السعوديين قبل السودانيين أن يسألوا؛ كيف حدث ذلك؟ من قدم أوراق الشحنة؟ ماذا كُتب عن المستورد والاستخدام النهائي؟ ما الرقابة التي خضعت لها المادة أثناء عبورها؟ وهل توجد شحنات أخرى مرت بالطريق نفسه؟ وإذا كانت العملية قد جرت من وراء ظهر السلطات السعودية، كما يذهب تحقيق مجاهد، فذلك ليس نهاية القضية، وإنما بداية قضية أخرى؛ من استطاع خداع دولة وسيطة واستخدام مينائها في سلسلة إمداد انتهت إلى برنامج كيميائي عسكري مزعوم؟
■ والمسألة لا تقف عند حدود ما كشفته الصحافة والتحقيقات الاستقصائية؛ فالصورة الأوسع التي ترسمها التقارير الدولية تضع مصر والسعودية أصلاً داخل شبكة الدول الإقليمية المؤثرة في حرب السودان، لا على هامشها. فتقرير بريطاني رسمي حديث، مستنداً إلى مصادر دولية من بينها؛ مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة (ACLED) ودراسات أوروبية اخرى، يضع البلدين ضمن القوى الإقليمية ذات الصلات والدعم للجيش السوداني بدرجات وأشكال مختلفة، بينما تتحدث تقارير دولية أخرى عن ممرات إمداد إقليمية ظلت تغذي الحرب، وعن ضرورة ملاحقة مصادر السلاح والتمويل والمواد التي تعبر الحدود والموانئ إلى طرفيها. كما أصبحت هذه المسألة جزءاً من النقاش الجاري في مجلس الأمن حول توسيع حظر السلاح ووقف تدفقات الدعم الخارجي إلى السودان. لكن، وحتى هذه اللحظة، لم أعثر على تقرير أممي أو صادر عن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية يثبت أن السلطات المصرية أو السعودية كانت تعلم أن هذه المواد ستدخل في برنامج لصناعة السلاح الكيميائي؛ وهذه ليست شهادة براءة، كما أنها ليست دليلاً على الإدانة، وإنما هي بالضبط المساحة التي يجب أن يدخل إليها التحقيق. فحين تكون مصر والسعودية دولتين لهما هذا القدر من النفوذ والعلاقة بالجيش السوداني، ثم تظهر في الوثائق مسارات لمواد انتهت أو يُشتبه في انتهائها إلى برنامجه الكيميائي عبر الحدود المصرية وميناء جدة، فإن السؤال لا يعود فقط؛ هل كانتا تعلمان؟ بل أيضاً؛ ما الذي كان ينبغي لسلطاتهما أن تعرفه، وما إجراءات الرقابة التي اتُّخذت، ومن قدّم بيانات الاستخدام النهائي، وهل استُغلت أراضيهما وموانئهما من دون علمهما، أم أن هناك حلقات أخرى في هذه السلسلة لم تُكشف بعد؟
■ وهكذا فإن ملف قنابل الكلور لم يعد ملفاً سودانياً مغلقاً داخل مخزن عسكري في مروي أو مصنع للذخيرة؛ لقد أصبح خريطة إمداد إقليمية تحتاج إلى تحقيق من أولها إلى آخرها. لدينا، من جهة، عشرون أسطوانة كلور تقول نيويورك تايمز إنها استوردت من مصر، ويقول المسؤول المشرف على البرنامج إنها كانت تكفي لإنتاج ١١٠٠ قنبلة؛ ولدينا، من جهة أخرى، شحنة هندية من ١٧ أسطوانة كلور، ورقم تسلسلي محدد تتبعته فرانس ٢٤ من وثائق التصدير إلى ظهوره لاحقاً في منطقة عمليات داخل السودان، بينما يضع تحقيق مجاهد بشرى ميناء جدة على الطريق البحري الذي سلكته تلك الشحنة. هذه الوقائع لا تسمح لنا بأن نخترع ما كانت تعرفه القاهرة أو الرياض داخل الغرف المغلقة، لكنها بالتأكيد لا تسمح لهما أيضاً بأن تقفا خارج دائرة الأسئلة. ماذا كانت تعرف السلطات المصرية عن وجهة الأسطوانات العشرين؟ وماذا كانت تعرف السلطات السعودية عن شحنة الكلور العابرة لجدة؟ ومن كانت الجهات والشركات والوسطاء السودانيون الذين قدموا أنفسهم كمستخدمين مدنيين لهذه المواد؟ وهل توجد شحنات أخرى؟ إن التحقيق في السلاح الكيميائي لن يكتمل بمعرفة مَن ألقى القنبلة فقط؛ يجب أن نسير عكس رحلتها، من سحابة الكلور إلى القنبلة، ومن القنبلة إلى المصنع، ومن المصنع إلى الأسطوانة، ومن الأسطوانة إلى الميناء والمعبر والشركة والمورّد، حتى نعرف من صنع طريق الموت، ومن فتحه، ومن كان يعلم، ومن كان ينبغي له أن يعلم.
