بقلم: مرتضى القسم عوض الكريم
إن أعظم ما ابتليت به بلادنا ليس الفقر ولا الحرب..
وإنما كثرة المنافقين، وماسحي الجوخ، ومزينو السوء للمسؤولين، وسماسرة الكذب في دهاليز السلطة.
قومٌ إذا حضر السلطان سبحوه، وإذا أخطأ برروه، وإذا ظلم زينوه، وإذا جاع الشعب قالوا “اصبروا”.
جلاوزة السلطان.. حرفتهم تقزيم الناصح، وتسفيه المخلص، وتخوين الصادق.
يسخرون من كلمة الحق، ويصفقون لصوت الباطل، لأن في النفاق ترقية، وفي التطبيل وظيفة، وفي بيع الضمير رزق.
وقد حذرنا النبي ﷺ منهم تحذيراً شديداً فقال:
“سيكون في آخر الزمان أمراء ظلمة، ووزراء فسقة، وقضاة خونة، وفقهاء كذبة، فمن أدركهم منكم فلا يكونن لهم عريفاً ولا جابياً ولا شرطياً ولا خازناً”
وفي رواية: “يكون في آخر الزمان أمراء لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس”
هؤلاء هم جلاوزة السلطان.. جند الباطل، وحرس الظلم، وسواعد القهر.
وظيفتهم أن يزينوا للحاكم سوء عمله، وأن يبعدوا عنه الناصح، وأن يخوفوا الناس من كلمة الحق.
التضييق على الناس.. باباً باباً
وها نحن اليوم نعيش التضييق ليل نهار، في كل شبر، وفي كل خطوة.
تضييق في السوق: تاجر يفتح دكانه فيصبح أمام عشرين مسمى.. ضريبة دخل، ضريبة قيمة مضافة، رسوم نفايات، رسوم لافتة، إتاوات محلية، جبايات ولائية. كأن التاجر مجرم مطلوب، لا مواطن منتج.
تضييق في الطريق: المواطن لا يمشي خطوتين إلا ويقابله ارتكاز. والاتاوات في الارتكازات صارت قانوناً، والابتزاز في الشوارع صار نظاماً. تدفع لتمر، وتدفع لتعبر، وتدفع حتى تتنفس.
تضييق في الرزق: صاحب الركشة يجلد، وسائق الحافلة يبتز، وبائع الخضار يطارد، وصاحب الورشة يغلق. كأننا نكره العمل، ونعاقب من يسعى.
تضييق في البيت: فواتير ترتفع، وأسعار تشتعل، ومرتب لا يكفي لأسبوع.
الغلاء طاحن، والجوع كافر، والمسغبة قاتلة.
بطون خاوية، وجيوب خالية، وبيوت تبكي دماً.
كأننا نعاقب الشعب على صبره، ونحاسب الناس على أنفاسهم، ونضيق عليهم الأرض بما رحبت.
نداء الطوارئ
يا حكومة.. هذا أوان الطوارئ لا أوان الخطب والوعود.
شكلوا حكومة طوارئ لدرء الخطر قبل أن يستفحل ويعم.
أوقفوا التعسف وقهر المواطن في الأسواق والشوارع والمحليات.
ألغوا الضرائب والإتاوات غير القانونية بلا مماطلة ولا مساومة، فالبلاد ليست ضيعة، والشعب ليس غنيمة، والوطن ليس مزرعة.
وعلى الأجهزة العسكرية والأمنية أن تضرب بيد من حديد كل يد تمتد لجيب المواطن، وكل لسان يبتز رزق الضعيف، وكل عسكري يبيع شرفه في ارتكاز.
وراجعوا قانون الحركة واضبطوا عساكرها، فما يجري في الطرقات عار، وما يحدث في نقاط التحصيل فضيحة، وما يفعله بعضهم خيانة.
واعلموا يقيناً أن ما يجري اليوم يكشف ظهر الجيش، ويوهن هيبة الدولة، ويفتح الباب للفوضى.
هذا مخط مدبر، وهذا استنزاف مقصود، فمن يجوع الناس يريد إذلال الوطن، ومن يبتزهم يريد كسر هيبتهم.
لا قداسة لفاشل
يا مجلس الوزراء من قمته إلى قاعدته.. راجعوا أنفسكم وحاسبوا أداءكم قبل أن يحاسبكم الشعب.
لا قداسة لأحد، ولا حصانة لمقصر، ولا عذر لعاجز.
من عجز فليتنح، ومن خان فليحاسب، ومن باع الوطن فليُرم به في مزبلة التاريخ.
كلمة أخيرة للسيد الرئيس البرهان
يا السيد الرئيس البرهان..
انف عنك المنافقين، واطرد كساري التلج، وأبعد بطانة السوء، وقرّب أهل الصدق ولو كانوا حفاة جياع.
فإن الطوفان إذا جاء لا يستثني قصراً ولا كوخاً، ولا وزيراً ولا غفيراً، ولا غنياً ولا فقيراً. سيغرق الجميع.
فإما أن ندرك الوطن اليوم..
وإما أن نندبه غداً بعد فوات الأوان.
اللهم هل بلغت.. اللهم فاشهد.
