النِيَّة زامْلة سِيدَا
ترويها مَيْ زُمراوي
حرَّرها عادل سيد أحمد
عاش (الطيب) مع أمه في قريةٍ وادعة، هو وأمه فقط ليس لديهما قريبٌ أو حبيب، وكان يحمل اسمه من طيبةٍ وشهامةٍ وكرم. وكان باراً بوالدته ويعمل ليل نهار لنيل رضاها، وكانت هي تحبه وتحنو عليه ودائماً ما توصيه وتقدِّم له النصائح.
وشهد جميع من عرف (الطيب) أنه كان محترماً غاية الاحترام، يسمع كلام والدته ويعمل بنصائحها، فقد كان سليم النية ذا قلبٍ أبيض.
ومن ضمن وصايا والدته أنها قالت له:
- حذارك أن تصاحب شخص عنده نيتين.
- وكيف أعرف إن هذا الشخص عنده نيتين؟
- سيكلمك هو من تلقاء نفسه ويقول لك: (أنا عندي نيتين)، أما أنت فعليك أن تظل دائماً كما أنت، نيتك سليمة وقلبك أبيض، وليس لديك (نيتين).
- حاضر، سمعاً وطاعة يا أمي.
وشاءت الأقدار أن تمرض والدته مرضاً شديداً، ولم تنجو منه فتوفيت، وتركت الطيب وحيداً غريباً ليس عنده شيئاً يبقيه بعد موتها في القرية، وتعب من البقاء فيها فباع بيتهم الذي كانوا يسكنون فيه هو وأمه، ومن ثمنه اشترى فرساً وسيفاً وزاد. وترك باقي المبلغ معه كمصاريف وسافر، لأن في السفر فوائد جمة، يرى بلاد جديدة، ويكتسب خبرة، ويلتقي بأناسٍ جدد ويتعرف على أحوالهم، وفعلاً ركب فرسه وسار في طريقه ليستكشف بلاد الله الواسعة.
في اثناء ما هو يسير في الطريق قابل الطيب شاباً في سنه تقريباً، فسلم عليه وسأله عن حاله، ووجد رجله مكسورة، وهو ذاته تعبان وعطشان وحاله يُغني عن سؤاله. فنزل عليه وسقاه ماءاً ثم فك عمامته من رأسه وصنع منها جبيرة ربط بها رجل الشاب المكسورة، وجلس بجواره يأكل معه من زوادته التي يحملها ويشرب معه من الماء الذي جلبه، وأخذا يتجاذبا أطراف الحديث، فسأله الشاب: - من أين أتيت، وما هي قصتك؟
فحكى له الطيب وقال: - أنا من القرية الفلانية، توفيت والدتي فصرت عاجزاً عن العيش في بلدي، خصوصاً ألا قريب لي فيها ولا حبيب، فأنا لا أعرف فيها أحداً. فقررت أن أسافر لأرى بلاد جديدة، وأتعرَّف على أناس آخرين، ولأرى الدنيا وما فيها.
وقال له إن والدته كانت دائماً توصيه، وتقول له: - أحذر من أن تصاحب زول عنده نيتين، وأبعد عن الزول العنده نيتين.
فقال له الشاب: - أنا عندي نيتين!
وضحك الطيب، لأنه اعتبر هذا القول مزحة، ولم يأخذه مأخذ الجد.
وسارا في الطريق يبحثان عن الماء بعد أن انتهى مخزون الطيب منه، ووصلا عند بئر، فقال الشاب للطيب: - سأنزل في البئر وآتي بالماء.
- لا، أنت رجلك مكسورة، سأنزل أنا وأجلب الماء.
فعلاً نزل الطيب داخل البئر، وعندما ملأ القربة، سحبها الشاب، ثم قطع الحبل من فوره، تاركاً الطيب داخل البئر.
وصاح الطيب بالشاب وقال له: - يا زول! لماذا فعلت ذلك؟ ما هذا السلوك الغريب؟
- لقد أخبرتك وقلت لك: (أنا عندي نيتين).
- خلاص، خذ الفرس والمال، كلها لك. وخذ الماء والزوادة وكل ما أملك، فقط اخرجني من هذه الحُفرة.
- لن أخرجك فتقتلني، لا لن أخرجك.
- لك أمان الله أنا لن أقتلك.
- لا! لن أخرجك.
وذهب تاركاً الطيب داخل البئر لا يدري ماذا يفعل، أو كيف سيكون مصيره.
ودخل الليل وأظلمت الدنيا، وفجأة ركَّ غرابان في حافة البئر، وكان هذان الغرابان من الجن. فقال أحدهما للآخر: - هل تعرف فلانة بنت الشيخ فلان؟
- هل هي تلك البنت الجميلة المعروفة؟
- نعم، هذه البنت تقدم لخطبتها مجموعة من خيرة الشباب وكانت ترفضهم كلهم، وأنا عملت لها سحراً عظيماً فصارت مجنونة، وفك هذا السحر بسيط ولا يحتاج لأي جهدٍ كبير.
- وكيف يفك هذا السحر؟
- يكفي أن يقرأوا سورة الفاتحة سبع مرات في ماء تشربه وتستحم منه، وستشفى بإذن الله، وماذا فعلت أنت؟
- والله السحر الذي عملته أنا سحر عظيم في مدينة الشيخ عمران المشهورة بالماء والخضرة والمزارع، هل تعرفها؟
- نعم أعرفها، وكيف لا أعرفها؟ ماذا فعلت بهم؟
- عملت سحر قفلت به الماء في مجمع العيون في البئر تحت الجبل، فأبت المياه أن تأتيهم وجفت المدينة وصارت خاوية على عروشها، وهجرها ساكنها، ولم يتبق فيها أحد.
- وكيف يُفك هذا السحر؟
- يسيرٌ جداً، فقط يقرأوا خواتيم سورة البقرة والمعوذتين في ماء ويصبُّونه في مجمع العيون، فينفك عنه السحر مباشرة، وتنهمر المياه وترجع لتتدفق كسابقِ عهدها.
ولم يلاحظوا أو ينتبهوا لوجود الطيب، فالجِنْ لا يرون في الظلام ولا يعلمون الغيب وإلا لعرفوا بوجوده وتصنته، ولطارُوا عندها وابتعدوا عن مكانه.
وظل الطيب داخل البئر محتاراً فيما يجب عليه عمله، ومنتظر الفرج من ربنا، بأن يسهل أمره، ويفك أسره.
وأثناء ما هو جالس في قاع البئر، جاءت قافلة من التجار يريدون أن يأخذوا ماءاً، فأنزلوا دلوهم، ولكن كلما ينزلوا الدلو كان الطيب يقطعه، المرة الأولى قطعه، فأنزلوا دلواً آخراً وأيضاً قطع الطيب الحبل، وكذا الثالث، والرابع. فقال لهم كبير التجار: - هنالك شيءٌ غريب، ولابد أن ينزل أحدكم ليرى ماذا يحدث.
فقال أشجعهم: - أنا سأنزل!
وما أن نزل، وفي أثناء هبوطه، رأى الطيب تحته في قاع البئر، فصاح به: - من أنت؟ هل أنت إنس أم جن؟
- يا أخي أنا زول والله، وبشر!
ثم حكى له كل الحكاية من أولها لآخرها. فسأله التاجر الشجاع: - طيب، لماذا كنت تقطع حبل الدلو كلما أنزلناه؟
- أنا خفت لو خرجت عليكم مع الدلو أن تتفاجؤوا وترتعبوا ويصيبكم الذعر فتقتلوني، لأنكم ستعتقدون أنني جن ولست أنسياً، لذلك انتظرت إلى أن ينزل أحدكم ويرى الحقيقة بأم عينه.
فصدقوه وأخرجوه معهم، وحمل معهم من ماء البئر، وقالوا له: - إلى أين ذاهب أنت؟
- أنا والله سأذهب لمدينة الشيخ فلان لأعالج البنت فلانة التي جنت من السحر، وبعدها سأذهب إلى مدينة الشيخ عمران، فقالوا ليه: هذا هو اتجاهنا الذي سنسير فيه أصلاً.
فرافقهم وذهب معهم، وعندما وصلوا، نزلوا في المدينة حيث البنت المجنونة، ونزل الطيب في بيت الشيخ ذاته، نزل عندهم، أكرموه وضيفوه، وقدموا له طعاماً وشراب.
أثناء ما هو جالس في مجلس الشيخ كان يسمع صراخاً وعويل، فسأل الشيخ: - ما هذا؟ ما الذي يجري هنا؟
- والله هذه ابنتي، ولا نعرف ما الذي أصابها، لأنها فجأة صارت بهذه الحالة: تصرخ وتصيح كأنما أصابها جنٌ أو ما إلى ذلك.
- أنا أستطيع أن أعالج لك بنتك، فماذا ستعطيني إذا ما عادت لطبيعتها؟
- لك أن تتمنى ما تريد، لو قدرت فعلاً. فهل تقدر أن تعالجها؟
- نعم، أقدر أن أعالجها.
- خلاص، لو أنت عالجتها، أنا أعطيك ما تطلب.
- لا أريد منك شيئاً، فقط تزوجني لها وتهبني مالاً.
فوافق أبوها الشيخ، وفعلاً أحضروا ماءاً للطيب، فقرأ فيها سورة الفاتحة 7سبع مرات، ثم قال لهم: - تشرب منها وتستحم منها.
فشربت البنت من هذا الماء المبروك، واستحمت منه، وفجأة رجع إليها عقلها، وابتدأت تلملم نفسها وتتغطى وتتدارى. وغيرت ملابسها ثم أكلت، وشربت وصارت عادية طبيعية، وقد كانت بنت جميلة فعلاً، جميلة جمال غير عادي.
وقال الشيخ للطيب: - خلاص أنا سألبي لك ما طلبته.
- فقط زوجني إياها.
فزوجوه، وأعطوه المال والبيت، فقال الطيب لأبيها الشيخ: - لا أنا لا أريد أن أقيم هنا، أنا أريد الذهاب لأماكن لديَّ فيها واجبات يجب عليَّ عملها. وسأصطحب معي زوجتي وأغادر.
وأخذ الطيب زوجته وغادر إلى مدينة الشيخ عمران، وهي المدينة التي سحرها الغراب وقال انه قد أقفل فيها العين حيث ينبع الماء.
وفي المدينة سأل عن الشيخ عمران، فوصفوه له، وهناك سأل عن الشيخ عمران فدلوه عليه، وكان يسكن وحيداً إلا أسرتين أخريين يسكنا معه، فقد هجر الناس المدينة. دخل على الشيخ عمران، وسلم عليه، وسأله قائلاً: - مال البلد خالية، ماذا حدث؟
فحكى له الشيخ عمران وقال له: - يا أخي، هذه المدينة كانت أحسن مدينة في كل المنطقة، فيها المياه، ما شاء الله، وفيها مزارع. ولكن الآن جفت كل الأشجار، وتلف الزرع، ولا نعرف من أو ما الذي حبس عنا الماء، لذلك هجر كل الناس المدينة ورحلوا عنها، وتبقيت أنا ومعي أسرتان فقط في المنطقة كلها.
فقال له الطيب: - يا أخي، أنا سأحل لكم هذه المشكلة. فماذا تعطوني لو حللتها لكم؟
- والله انت تتمنى، سنعطيك ما تريد لو قدرت أن تحل لنا مشكلة المياه هذه، ورجعت كما كانت سنعطيك ما تريد.
فطلب الطيب ماءاً وقرأ فيه خواتيم سورة البقرة، والمعوذتين. ثم سألهم لهم: - أين موقع منبع العين؟
فأروه موقع نبع العيون تحت الجبل. ذهب الطيب إلى هناك وصب الماء المبروك الذي قرأ فيها خواتيم سورة البقرة والمعوذتين، وعلى الفور تدفَّقت المياه وملأت الأودية والخيران، ورجعت كما كانت في الأول. فرح الشيخ عمران، وفرح من تبقى من جيرانه من أهل القرية، وقال الشيخ للطيب: - أخبرني بما تُريد؟
- تعطوني سكناً ومزرعة، وتسمحوا لي أن أعيش هنا معكم في هذه البلاد.
- هذا أبسط شيء نقدمه لك، وكل ما طلبت مجابٌ على الفور.
فعلاً أعطاه الشيخ عمران بيتاً كبيراً عاش فيه هو وزوجته، ومنحوه مزرعة جميلة وواسعة ما شاء الله، وازدهت أحواله، وصارت حياته ميسرة في أمن وأمان. ومر زمن على الطيب وهو في زحمةٍ من النعم، إلى أن جاء يوم، بعد سنة تقريباً، حلَّ فيه ضيفٌ على القرية، وكان الضيف هو نفس الشاب أبو نيتين الذي ترك الطيب في البئر، وذهب دون أن يساعده. فجاء إلى القرية ولكنه لم يتعرف على الطيب الذي كانت آثار النعمة قد ظهرت عليه في صحته، وفي شكله. فصار وسيماً تبدو عليه علامات الراحة والثراء. لكن الطيب عرف الشاب، فقال له:
- هذا أبسط شيء نقدمه لك، وكل ما طلبت مجابٌ على الفور.
- يا أخي، أنت لم تعرفني؟
- لا، ما عرفتك والله.
- أنا صاحبك الذي تركته في البئر، وأنت ذهبت ورفضت أن تخرجني، وأخذت أشيائي.
- يا اخي والله ما شاء الله، وماذا فعلت لتصير على ما أنت عليه الآن؟ ما الذي جرى معك؟
فحكى له الطيب وقال له: - عندما ذهبت وتركتني، جاء هذان الغرابان…
وحكي له كل القصة، وحصل، وحصل! وأنا بفضلهم وبفضلٍ من ربنا اكتشفت هذا السر، وجئت فنفذته الكلام الذي قالاه، وهذه هي النتيجة أن أكرمني الله، وتزوجت، وأنا أعيش الآن في أحسن حال.
وعلى الفور قال أبو نيتين للطيب: - أنا سأذهب الآن وأرجع لتلك البئر، عسى أن أسمع فيه حديث من الغربان وأفعل كما فعلت أنت.
- يا أخي، أنتظر حتى تصبح الدنيا، انتظر لصباح باكر.
- لا، سأذهب الآن في هذا الليل، لكي ألحق بأولئك الغرابين، عندما يجيئوا ويتكلموا.
وفعلاً، ذهب وأختبأ في قاع البئر، وجلس في انتظار مجيء الغرابين.
ولمّا كان موعد مجيئهما قد حان، بعد سنة من حادثة الطيب، وهما يجيئان عادةً في كل بداية سنة هجرية، يركَّان فوق فوهة تلك البئر ويقولان كلامهما، فصادفت بداية السنة الجديدة أن يدخل أبو نيتين في البئر وينتظر الغرابين.
قال الغُراب الأول: - هل سمعت الذي جرى لبنت الشيخ فلان؟
- سمعت والله، وأيضاً سمعت ما جرى في مدينة الشيخ عمران، فقد فك عنهما السحر.
- يبدو أنه عندما كنا نتكلم في المرة السابق، كان هناك شخصٌ يتصنَّت علينا، فما هو رأيك أن نردم (ندفن) هذه البئر ونخلص منها؟
وفعلاً ردما تلك البئر، وردموا فيها الشاب (أبو نيتين)، وهذا جزاؤه، طبعاً، ويستحق ما جرى له. والطيب بفضل نيته السليمة وقلبه الأبيض ربنا أثابه ثواباً عظيماً، فتزوج زوجة محترمة وجميلة ومن أسرة عريقة، وامتلك بيتاً ومزرعة، وعاش في أمان الله.
وهذا ما يقصده الناس حينما يقولون: - النِيَّة زَامْلَة سِيدا!
انتهت الحكاية.
