باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الإثنين, 14 سبتمبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
عادل ود سهل
عادل ود سهل عرض كل المقالات

عندما ماتت كرامة الجنيه السوداني… بين الأرصفة وطاولات الخضار.

اخر تحديث: 14 سبتمبر, 2026 1:56 مساءً
شارك

عادل ود سهل يكتب
عندما ماتت كرامة الجنيه السوداني… بين الأرصفة وطاولات الخضار.
لم تمت العملة وحدها… مات معها شيء من كرامة الإنسان!

1️⃣ تنويه هام!
(المقاطع المصورة التي استوحيت منها مشاهد هذا المقال، والتي توثق هذه اللحظات المؤلمة، مرفوعة حالياً لمن يريد الاطلاع عليها عبر حالتي الخاصة على تطبيق الواتساب).

الرجل الذي خرج من أمام مفوضية حقوق الإنسان:
قبل عدة أيام عثرت على مقطع فيديو مؤلم جداً.
قد أصبح لاحقاً حديث السودانيين في كثير من المنابر والمنصات.
ومنذ تلك اللحظة، وحتى انتهائي من كتابة هذا المقال.
لم أستطع حبس الدموع في المآقي.
وأنا أبكي الهوان والذل الذي أصبح يعيشه عزيز قوم ذل…
لم يكن في الفيديو سياسي.
ولا قائداً عسكرياً.
ولا مسؤولاً.
كان رجلاً سودانياً كبيراً في السن.
شيبة، لحيته بيضاء كقطعة قطن ناصعة شابت قبل أن تشيب هذه الحرب.
ظهره منحني من ثقل السنين ومواجعه
يحمل ما تبقى له من متاع وأغراض قليلة مبعثرة في كيس بلاستيكي فقير.
ويبحث عن مكان يستطيع أن ينام فيه آمناً.
لم يجد بيتاً.
فوجد نفسه يتوسد رصيفاً يقع على بعد أمتار من مبنى “المفوضية السامية لحقوق الإنسان” بليبيا!
تخيلوا المفارقة الموجعة:
يلجأ لمن المفترض أن يكون عنواناً ورمزاً لحماية الإنسان وحقوقه.
فيجد على بابها الصد والإهانة.

ثم جاءه رجل نظامي ليبي.
لا أدري أكان شرطياً أم جندياً نزعت الرحمة من قلبه.
يأتيه بدلاً من أن يسأله: “يا حاج، محتاج شنو؟”
فانهال عليه بالإهانة والشتيمة، أهانه، وأهان اسمه، وأهان وطننا فيه، ثم طرده شر طردة من المكان أمام عدسات الكاميرا.
وخرج الشيخ المسن يحمل كيسه الصغير، هائماً على وجهه في الشوارع الغريبة، ويمشي بلا هدى…
لا ندري إلى أين ذهب، ولا أين نام، ولا من فتح له بابه، ولا ماذا فعل الله به بعد ذلك البرد وذلك القهر.
لكنني أعرف شيئاً واحداً:
أن هذا الرجل لم يكن يستحق أن تنتهي به رحلة وطنه إلى رصيف.
ولم يكن يستحق أن يحمل كيسه الصغير كما يحمل الغريب كل ما تبقى له من متاع الدنيا.
ثم يبحث عن مكان آخر لا يُطرد منه.
في تلك اللحظة لم أر رجلاً واحداً؛
رأيت السودان كاملاً.
رأيت وطناً خرج أبناؤه منه هرباً من الحرب.
فإذا بهم يطاردون وتهان كرامتهم في الطرقات.
رأيت مواطناً كان بالأمس يقف في داره سيداً.
فإذا به اليوم يقف على باب الآخرين طالباً مأوى.
ورأيت شيئاً آخر كان أشد إيلاماً…
رأيت كيف يمكن لحرب أن تبدأ بطلقة.
ثم تنتهي بإهانة إنسان.
لم يؤلمني أن رجلاً طُرد من مكانه فقط…
بل آلمني السؤال القاسي الذي ظل يطاردني ويقطع كبدي بعد انتهاء الفيديو:
كيف وصلنا إلى هنا؟
ومن أوصلنا هذه اللحظة؟
من سوداني كان عزيزاً في وطنه…
إلى سوداني يبحث عن مكان يقف فيه.
كيف خرج السوداني من وطنه وهو يحمل اسمه، وتاريخه، وتعليمه، ومهنته، وكرامته…
ثم وجد نفسه في بعض محطات غربته مضطراً لأن يدافع حتى عن حقه في أن يُعامل كإنسان؟
هل كانت المشكلة في الحرب وحدها؟
أم أن هناك شيئاً أعمق مات معنا ونحن نهرب من الرصاص؟
لقد كان السوداني يملك في وطنه شيئاً أكبر وأثقل من المال المجرد؛
كان يملك المكانة، والبيت المفتوح للضيف، والجيرة العطوفة، والقبيلة، والمجتمع المتضامن، والوظيفة المحترمة، والراتب، والأرض المعطاء، والاسم المرفوع، والأهم من ذلك كلّه:
الإحساس الراسخ بأنه ليس وحيداً ولا غريباً.
لكن هذه الحرب اللعينة لم تنتزع منه أسباب الحياة والمكانة دفعة واحدة؛
بل انتزعتها شيئاً بعد شيء.
في انطفاء صامت ومتدرج.
تجرده أولاً من أمنه، ثم من بيته، ثم من عمله، ثم من سوقه، ثم من حياته التي كان يعرفها.
حتى وجد نفسه فجأة خارج وطنه.
يبحث عن بضع سنتيمترات على رصيف غريب يحفظ فيها ما تبقى من رمق كرامته!
وهنا تحديداً يبدأ موت الكرامة.

متى مات الجنيه السوداني؟
حين نسأل:
ماذا يعني أن يموت الجنيه السوداني؟
فإننا لا نتحدث هنا بلسان النشرات الاقتصادية الجافة التي تحصي أسعار الدولار والتضخم والانخفاض؛
بل نتحدث بلسان الحياة والكرامة.
كان الجنيه في يد المواطن يعني راتباً.
والراتب يعني بيتاً عامراً.
والبيت يعني أسرة آمنة.
والأسرة تعني استقراراً.
والاستقرار يعني هيبة وكرامة.
كان الجنيه يمثل دولة، واقتصاداً، وسوقاً، وقدرة على شراء الخبز والدواء، وكان، بطريقة ما، يمثل جزءاً من قدرة الإنسان على أن يعيش دون أن يمد يده لأحد.
فلما بدأ الجنيه يفقد قيمته.
ومُحيت قوته الشرائي.
انهدم معه جزء من قدرة المواطن على حماية نفسه من الحاجة.
وبدأ المواطن الصبور يشعر أن كل ما يبذله من عرق وعمل وطاقة لم يعد قادراً على حمايته ولا على إطعام أطفاله.
وهنا نصل إلى الحقيقة المرة:
لم يمت الجنيه السوداني وحده…
بل ماتت معه أشياء كثيرة وثمينة كان الجنيه يمثلها ويحميها في حياة الناس.

من قيمة العمل إلى قيمة الإنسان… في عالم مادي متوحش:
العالم اليوم صار مادياً إلى حد كالح.
أصبحت معه قيمة الإنسان مرتبطة تماماً بما يملك في رصيده.
الرجل السوداني الذي كان له بيت، وعمل، وراتب، وأرض، وأسرة، ومكانة اجتماعية رفيعة…
كان يملك رأس مال إنسانياً واجتماعياً وأخلاقياً لا يظهر في كشوفات الحسابات البنكية.
لكن عندما انهارت الدولة.
وعصفت الحرب.
وتهاوى الاقتصاد.
اختفت الوظيفة، واختفى الدخل.
واختفت القدرة على الشراء.
ثم اختفى البيت والدَار.
ولم يعد الرجل يملك إلا جسده المنكوب.
وملابسه المتربة.
وكيسه الصغير!
وهنا يصبح السؤال أكثر إيلاماً وحرقة:
إذا كان هذا العالم المادي لا يرى منك إلا ما تملك…
فماذا يحدث للإنسان عندما تنتزع الحرب منه كل ما يملك؟

عندما تحدث مرارة الانهيار الطبقي والمعرفي…
فإن الدكتور حسن، ينتقل من قاعة المحاضرات الي طاولة الخضار:
ولا تقف فجيعة الإنسان السوداني عند حدود الإهانة الشاخصة على الأرصفة.
فهناك إهانة أخرى أكثر هدوءاً.
لكنها ربما كانت أشد قسوة:
أن يفقد الإنسان مكانته التي أفنى عمره في بنائها.
وأن يعيش مرارة الانهيار الطبقي والمعرفي الذي فرضته هذه الحرب اللعينة.
ولعل ما رواه الكاتب المصري سيد الدسوقي يختصر هذه التراجيديا المؤلمة في أبسط صورها وأشدها نزفاً لقلب كل سوداني.
يروي الدسوقي حكاية “عم حسن”؛
ذلك الرجل الخمسيني الصبور الذي كان يبيع الخضار على طاولته الخشبية المتواضعة في أزقة حي “فيصل” بالقاهرة.
يزاحم الباعة.
ويرضي بشظف العيش وقايةً لكبريائه من غوائل الحاجة ومذلة السؤال.
كانت يداه، اللتان طالما أمسكتا الطباشير أمام طلاب الفيزياء، تُقلّبان الطماطم والباذنجان.
لم يكن أحد من المترددين عليه أو المارين به يعلم أن هذا الرجل البسيط الذي يمسح غبار الشارع عن ثمار طماطمه ويحسب القروش بحياء الكبار ليس سوى الأستاذ الدكتور حسن؛ عميد كلية التربية وأستاذ الفيزياء الفلكية بجامعة الخرطوم!
تأملوا معي حجم الفاجعة ومقدار المأساة:
رجلٌ قضى عمره يفكك أسرار العلوم وشرح معادلات الفيزياء الشاقة.
وتتخرج على يديه أجيالٌ من العلماء والمهندسين.
تجرده الحرب في لحظة قاسية من كرسيه الأكاديمي.
وتنهب مدخرات عمره.
وتُسقط القيمة الشرائية لجنيهه.
لتقذف به في أزقة المنفى بائعاً للخضار ليدبر قوت يومه بكرامة عفيفة لا تطأطئ رأساً!
غير أن نور العلم وكبرياء العالم لا ينمحيان وإن طحنت الظروف العظام؛
إذ ينتبه الدكتور حسن لفرصة أكاديمية أعلنت عنها إحدى الجامعات الألمانية.
فيرفع إليها سيرته الذاتية من بين مئات العلماء.
وهو يجلس خلف طاولته الفقيرة تلك بين ضجيج المارين في فيصل.
ولم تطل الأيام حتى جاءه الاتصال الحاسم من السفارة الألمانية بالقاهرة.
مُبشِّراً بقبوله أستاذاً ورئيساً لفريق بحثي ومحاضراً.
ليتسلم جواز سفره وتذاكره ومبلغاً يساعده على الوصول.
وسط ذهول جيرانه وزبائنه الذين ودعوه بدموع الاندهاش والحسرة.
هم الذين عرفوه بائعاً.
فإذا به يرحل عالماً!
لقد غادر “عم حسن” طاولته الفقيرة ليعود مجدداً إلى منصة الأستاذية في قاعات ألمانيا.
مبرهناً للدنيا أن الحرب وإن كسرت أجسادنا وسلبتنا منازلنا ورخصت قروش حياتنا.
فإنها أبداً لن تنال من جوهر العلم وشموخ الكرامة.
لكن أكثر ما يؤلم في هذه القصة ليس أنه عاد إلى الجامعة.
بل أنه اضطر أولاً إلى أن يمر بكل ذلك الطريق القاسي؛
أن يحمل أستاذ جامعي سيرته العلمية في جهة.
ويبيع الخضار بيده في الجهة الأخرى.
وأن تختصر الحرب سنوات العلم في طاولة على الرصيف.
خرج الدكتور حسن منتصراً لأن الحرب لم تستطع أن تنتزع منه علمه.
لكن السؤال المُر الذي يبكي القلب دماً يبقى معلقاً في الهواء:
كم “عم حسن” آخر يبيع الخضار اليوم في أزقة المنفى ولم يجد الجامعة التي تستعيده؟
كم طبيباً لم يجد مستشفاه؟
وكم مهندساً لم يجد مصنعه؟
وكم معلماً لم يجد مدرسته؟
وكم عالماً وطبيباً سودانياً يمسح عرق الهوان على أرصفة الشتات دون أن تبتسم له الأقدار بتأشيرة سفر أو اتصال يقول له:
لقد وجدنا لك مكاناً تستعيد فيه حياتك؟!

من أرصفة الحقوق إلى عتمة الزنازين… سجل المأساة الحقوقية:
لكن ليست كل الحكايات تنتهي بمثل هذا الإنصاف الأكاديمي.
فمن أرصفة الحقوق إلى عتمة الزنازين.
تمتد سلسلة الهوان إلى ما هو أقسى من الإهانة:
إلى الموت ذاته…
فحين ينهار الوطن.
لا يحمل المواطن معه جواز سفره فقط؛
بل يحمل هشاشته أيضاً.
ويصبح أكثر عرضة لأن تتحول غربته إلى مطاردة جديدة.
إن التتبع الدقيق لسجل المأساة في دول الجوار يكشف أن المذلة لم تعد دائماً حادثة فردية عابرة.
بل تحولت في بعض الحالات إلى سياق مظلم يُزهق الأرواح في صمت.
في القاهرة…
التي قصدها آلاف السودانيين فارين من أهوال الحرب بحثاً عن مظلة حماية دولية وأمان.
تحوّلت رحلة النجاة عند بعضهم إلى مأساة مدوّنة في سجلات الاحتجاز.
فبحسب ما توثقه روايات أسر الضحايا عبر مقاطع فيديو متداول.
وما فصّله صحفي سوداني في مقالٍ للرأي العام.
أورد أن الشاب معاذ أحمد حامد انتهى به المطاف جثة هامدة.
تحمل آثار ضربٍ وكدماتٍ ظاهرة.
ثمانية أيام من البحث والقلق والأسرة لا تعرف أين ابنها.
حتى جاء الخبر:
الجثمان موجود في قسم شرطة المقطم!

وبحسب الروايات نفسها.
لم يجد الشاب النذير الصادق.
ذو الثمانية عشر ربيعاً.
في رحلة فراره سوى سجن مكتظ واحتجاز قاسي؛
ثلاثة أسابيع من المرض والابتزاز والمعاملة القاسية.
فارتحلت روحه بعد التهاب رئوي حاد دون رعاية كافية تنقذه.
وعلى نهجٍ مشابه، يقضي الشاب مجاهد حتفه في قسم شرطة الأهرام بالجيزة بعد حرمانه من الرعاية الطبية الأساسية التي كان يحتاج إليها بسبب مرضه المزمن.

ثلاثة أسماء.
ثلاث حكايات.
ثلاثة أحلام توقفت بعيداً عن الوطن.
لكن خلف هذه الأسماء أرقاماً أخرى لا نعرف أصحابها؛
إذ تشير تقارير حقوقية متداولة إلى ما لا يقل عن أربع وعشرين حالة وفاة أثناء الاحتجاز والترحيل خلال ثمانية أشهر فقط.
من بينها ثماني عشرة حالة للاجئين مسجلين رسمياً لدى المفوضية السامية.
وكان السودانيون وحدهم ست عشرة حالة منها.

هنا يصبح السؤال أكبر من حادثة.
وأكبر من شرطي.
وأكبر من قسم شرطة.
نحن أمام إنسان خرج من وطنه لأنه خاف أن يموت فيه.
ثم وجد نفسه يموت في مكان آخر يخشى أن يموت فيه أيضاً!
تتحول الحرب هنا من معركة داخل الحدود إلى قدر يلاحق الإنسان خارجها.
ويصبح الجنيه الذي فقد قيمته أكثر من مجرد عملة منهارة.
لأنه كان واحداً من رموز الدولة التي يفترض أن تحمي صاحبها.
فحين يموت الاقتصاد تضعف الدولة.
وحين تضعف الدولة يصبح المواطن أضعف في مواجهة العالم.
لتنتهي الحكاية بورقة نقدية فقدت قيمتها…
ثم بإنسان فقد قدرته على حماية كرامته.

مأساة «أم محمد» في العراء مع أطفالها الثلاث:
ولم تكن مأساة “أم محمد” سوى حلقةٍ جديدة في مسلسل انكسار الكرامة السودانية.
وتتمةٍ لقصصٍ أدمت القلوب؛
فلم يكن المشهد مجرد مقطع عابر لشابٍ يوقظ امرأةً تنام على قارعة الرصيف ليجبر خاطرها ويعينها.
بل كان مرآةً كشفت حجم الخيبة واختصرت مأساة وطنٍ بأكمله.
هناك…
تحت عتمة الليل وفي عراء الشارع الموحش.
كانت “أم محمد” تفترش التراب وتلتحف الفقر مع أطفالها الصغار.
بعد أن طُردت لعدم قدرتها على دفع الإيجار.
بلا سقفٍ يحمي ولا سندٍ يستر.
في تلك اللحظة…
حين امتزجت دموع العجز بكبرياء الأمهات المسحوق.
لم تكن “أم محمد” وحدها هي التي تتوسد الرصيف.
بل كان الكبرياء السوداني العريق يُهدر على أسفلت الغربة.
إنها القصة الرابعة في هذا السِفر المؤلم؛
اكتملت بها أربعة مشاهد يربط بينها خيطٌ ثخين من الوجع:
ابتداءً بمرارة ذلك الكهل الذي نُهر على يد النظامي الليبي أمام المفوضية.
مروراً بحكاية البروفيسور “حسن” عميد كلية التربية الذي دفعته الحاجة لبيع الخضار قبل أن تتداركه جامعةٌ ألمانية.
ثم الفاجعة الكبرى للشباب الذين قضى نحبهم في السجون المصرية.
وصولاً إلى طرد الأمهات وأطفالهن إلى الشارع.
أربعة مشاهد تجسد لحظةً فارقة لم يسقط فيها الجنيه السوداني وحده.
بل تهاوت معه المظلة التي كانت تستر العوز وتصون كرامة السوداني.
ليجد الإنسان نفسه عارياً في مهب الشتات بعد أن كان يشار إليه بالشموخ والجود.

حين يصبح الفقر إهانة… والدولار جواز مرور:
ربما لم تكن الحرب هي التي قتلت الجنيه السوداني وحده؛
لقد قتلت معه شيئاً أكبر…
قتلت القيمة التي كان الإنسان السوداني يشعر بها وهو يقف على أرض وطنه.
مطمئناً إلى أن وراءه دولة…
وبيتاً..
وأهلاً..
واسماً..
ومكاناً يعرفه الناس فيه.
ثم أخذت الحرب كل ذلك شيئاً فشيئاً.
صار السوداني يحمل جوازه بدلاً من وطنه.
ويحمل حقيبته بدلاً من بيته.
ويحمل ما تبقى من ماله وهو لا يعرف إلى أين يمضي به.
وحين يصل إلى بلد آخر.
لا يسأل أولاً عن مستقبله…
بل يسأل أين سينام الليلة.
وهل سيجد مكاناً آمناً يضع فيه رأسه.
وهل يستطيع أن يشتري طعاماً.
وهل يملك ما يكفي ليظل واقفاً.

في عالم اليوم.
المال هو الذي يفتح الأبواب:
التأشيرة تحتاج مالاً.
والسفر يحتاج مالاً.
والسكن يحتاج مالاً.
والعلاج والدواء يحتاجان مالاً،
والتسجيل في المدارس يحتاج مالاً.
وحتى النجاة أحياناً تحتاج مالاً!
وهكذا يصبح السوداني الذي فقد قيمة عملته في وطنه.
أكثر فقراً في العالم الخارجي،
حتى لو كان يحمل في عقله وذاكرته عقوداً من العمل والخبرة والكرامة.

وهنا تصبح المأساة أكبر من انخفاض سعر الجنيه.
لأن العملة حين تفقد قيمتها.
لا تخسر الأرقام وحدها…
إنما يبدأ الإنسان نفسه في الشعور بأنه فقد شيئاً من قيمته معها.
كانت الشهادة تعني مكاناً.
وكان الاسم السوداني يكفي ليقول للناس:
هذا رجل جاء من بلدٍ له أهله ومكانه.
أما اليوم…
فقد يجد الدكتور نفسه بائع خضار.
ويجد الكهل نفسه مطروداً من رصيف.
ويجد الشاب نفسه خلف قضبان لا يعرف كيف وصل إليها.

المؤلم أن الإنسان قد يحتمل الفقر.
والغربة.
والجوع.
وأن يبدأ من الصفر…
لكَنه حين يُجبر على أن يمد يده وهو الذي اعتاد أن يعطي.
وحين يُهان وهو الذي كان عزيزاً في قومه.
وحين يصبح ما يملكه هو المعيار الوحيد الذي ينظر إليه به الآخرون…
فهنا لا يكون الفقر قد أخذ ماله فقط.
بل أخذ منه شيئاً من صورته أمام نفسه.
أخذ منه كرامته.

السوداني كان يُعطي… وأصبح الذي ينتظر أن يُعطى:
عُرف السوداني تاريخياً بأنه يُضيف.
ويُكرم.
ويستضيف.
ويُساعد.
ويُعطي.
لكن الحرب قلبت المعادلة القاسية؛
فأصبح هو من ينتظر:
مساعدة، وبطانية، ووجبة، ومكاناً للنوم، وورقة لجوء، ودولاراً من مغترب، ومساعدة من منظمة.

والمأساة هنا ليست في أن يحتاج الإنسان للمساعدة عند النوازل.
بل في أن تتحوّل المساعدة من حالة طارئة إلى طريقة ونمط حياة يُفرض على العزيز!
الرصيف الذي جلس عليه الشيخ في الفيديو لا يمثّل نفسه وحده؛
الرصيف يمثّل وطناً فقد أهله سقفه.

وماذا فعلت الحرب بالمرأة والأسرة؟
وحين نتحدث عن انهيار القيمة.
لا يمكن أن نغفل المرأة السودانية؛
المرأة التي فقدت الزوج أو المعيل، والبيت، والدخل، والأمان، والوثائق، واضطرت أحياناً إلى حمل الأسرة وحدها في رحلة النزوح والشتات.

فعندما يموت الدخل وتتهاوى العملة.
لا يموت الرقم الموجود في الحساب البنكي فقط؛
بل تنتقل كلفة انهيار العملة كأثقال هائلة تُلقى مباشرة على ظهر المرأة، والطفل، والأسرة، لتقيس بها المائدة والدواء والتعليم كل صباح في مواجهة أسعار لا ترحم.

هل الجنيه هو الذي مات… أم نحن الذين جعلناه يموت؟
الجنيه السوداني لا يموت وحده.
فحين يموت الإنتاج يموت جزءٌ من قيمة العملة.
وحين يموت الأمن يموت جزءٌ من الاقتصاد.
وحين يتوقف الاستثمار يضيع جزءٌ من المستقبل.
وحين تُترك المصانع والمزارع للخراب، وتسود المضاربات والتهريب وتتآكل الثقة، يصبح الناس أنفسهم جزءاً من هروب القيمة.

ولكن أخطر ما فعلته هذه الحرب بنا، ليس تدمير الاقتصاد ولا خفض سعر الصرف؛
أخطر ما فعلته أنها جعلتنا نعتاد المشهد!
في البداية…
نشاهد سودانياً مقهوراً على الرصيف فننهار بكاءً وشجناً.
ثم نشاهد مقطعاً ثانياً.
ثم ثالثاً…
حتى تصبح الصور يومية، ولا يعود المشهد يهزّنا كما كان!
وهنا يموت شيءٌ أشد خطورة من انخفاض سعر العملة:
تموت الحساسية تجاه الألم الإنساني.
فالجنيه يمكن إصلاحه وإعادته.
لكن إذا اعتاد الإنسان رؤية أخيه مكسوراً دون أن يتحرك ضميره.
فإننا نكون قد خسرنا شيئاً غاليا في داخلنا.

السوداني ليس فقيراً في قيمته… وموت الجنيه لا يعني نهاية الوطن:
قد يفقد السوداني ماله، وبيته، ووظيفته، وعملته، ووطنه مؤقتاً…
لكن ذلك لا يعني أبداً أنه فقد قيمته الإنسانية.
فالطبيب يظل طبيباً.
والمعلم يظل معلماً.
والمزارع يظل مزارعاً.
والعامل يظل عاملاً.
والأم تظل أماً.
والشيخ يظل محترماً بين أهله.
قيمة الإنسان أكبر بكثير من سعر العملة ورقماً في البنك، لكن المشكلة أن العالم المادي لا يتعامل دائماً بهذه الفلسفة الجميلة.

إن الجنيه يمكن أن يستعيد قيمته وعافيته إذا عاد الإنتاج، والزراعة، والصناعة، والتجارة. والأمن، والاستثمار، والثقة، والدولة والمؤسسات والعمل.
لكن قبل كل ذلك يجب أن يعود الإنسان إلى مكانه؛
فالعملة ليست هي ما يصنع الاقتصاد وحدها، بل الإنسان العزيز هو من يصنعه وينشئ الحضارة.

الرجل الذي ما زلت أراه يمشي…
إن هذه الحرب ما جابت لنا عزة؛
جابت لنا الذل.
وما جابت لنا الكرامة؛
جابت لنا الهوان.
وما لم تتوقف اليوم.
فغداً سنرى ما هو أسوأ.

منذ أن رأيت ذلك الرجل الكهل يمشي حاملاً كيسه الصغير هائماً على وجهه.
وأنا أفكر في السودان كله.
لم يكن يحمل كيساً فقط؛
كان يحمل وطناً كاملاً لم يجد له مكاناً تحت الشمس.

وربما لهذا أسميت هذا المقال: «عندما ماتت كرامة الجنيه السوداني»؛
ليس لأن الجنيه مجرد ورقةٍ فقدت قيمتها أمام الدولار.
بل لأن انهياره كان واحداً من الوجوه التي ظهر عليها انهيار حياةٍ كاملة وإذلال أمة شريفة.

نحن لا نريد فقط أن يعود الجنيه إلى قيمته؛
نريد أن يعود الإنسان السوداني إلى قيمته:
إلى بيته، وعمله، وأرضه، وسوقه، ومدرسته، ومستشفاه، ووطنه.
فالعملة يمكن أن تتعافى حين يتعافى الاقتصاد.
والاقتصاد يتعافى حين يعود الإنتاج.
والإنتاج يعود حين يعود الأمن…
لكن الوطن كله لا يتعافى.
إلا حين يستعيد الإنسان إحساسه بأنه عزيزٌ في وطنه وبين الأمم.

فيا رب…
لا ترد إلينا أموالنا وحدها.
ولا ترد إلينا مدننا وأسواقنا ومصانعنا وطرقاتنا وحدها؛
رُدَّ إلينا أنفسنا أولاً.
رُدَّ إلينا ذلك الإنسان السوداني الذي كان يمشي مرفوع الرأس، ولو كان جيبه خالياً.
رُدَّ إلينا وطناً لا يحتاج فيه كبير السن إلى رصيفٍ يحتمي به.
ولا يحتاج فيه الأستاذ إلى بيع الخضار كي يعيش.
ولا يحتاج فيه الشاب إلى مغادرة بلده بحثاً عن حريته وحياته.
ولا يحتاج فيه الفقير إلى أن يدفع ثمن كرامته من آخر ما يملك.

فالجنيه قد يعود.
والأسواق قد تُبنى من جديد…
لكن الكرامة إذا انكسرت طويلاً.
تحتاج إلى وطن كامل كي تُرمَّم.
وهذا هو السودان الذي نحلم أن يعود:
سوداناً لا يُقاس فيه الإنسان بما يملك…
بل بما هو عليه.
وسوداناً لا يموت فيه الجنيه…
فتتبعه كرامة الإنسان!

وارفعوا معي كفوف الضراعة إلى من لا يرُدُّ مكسوراً ولا يُخيب ورِداً، ونبتهل قائلين:

اللهم يا مَن بيده ملكوت كل شيء.
ويا من يجبر الكسير ويُؤوي الطريد.
ارفع عن أبناء هذا الوطن شقاء النوى ومرارة الانكسار.
وردَّ كل مغتربٍ ومُهجّر ومحتجزٍ ومسلوبِ الكرامة إلى عزة نِصابه.
واحفظ بقيتهم، وارحم من ارتحل منهم مظلوماً أو طالته أيدي الظلم في عتمة المهاجر والمنافي.
اللهم أعدنا إلى أراضينا سالمين، مرفوعي الهامات، غير خزايا ولا مفتونين.

اللهم ارفع عن شيخنا الكهل الذي طُرد على الرصيف وحمل كبرياءه في كيسٍ فقير.
وعن كل شيخٍ مثله، ذلّ الشتات.
واكسُهم من سابغ عزّك ما خلعته عنهم الحرب وأوجاع الزمان.

اللهم واجبر كسر علمائنا وأساتذتنا الذين زاحموا الباعة في أزقة الغربة صوناً لماء وجوههم من المسألة.
واجعل علمهم وصبرهم رفعةً لهم في الدارين.

اللهم وأسبل سترك ورعايتك على أمهاتنا الحرائر؛
اللهم كن لـ «أم محمد» ولأطفالها ولكل أمٍّ أُخرجت من ديارها بغير حق،
تفترش التراب وتلتحف الفقر في عراء الشارع…
اللهم اكفِهنّ بفضلك.
وكُفَّ عنهنّ عاديات الحاجة ومذلة العوز.
وكن لهنّ سنداً وحافظاً حيث لا سند ولا مجير.

اللهم وارحم شبابنا الذين غَشيتهم المنية في زنازين الغربة وعتمة الاحتجاز.
وتقبلهم عندك في الشهداء والصالحين.
وأنزل الصبر والسكينة على قلوب أسرهم المكلومة.

اللهم لا تجعل قدر عبدك مقروناً بما في جيبه.
بل بما في قلبه من إيمانٍ وصدقٍ ونقاء.

اللهم يا عزيز يا جبار.
لا تكلنا إلى عالمٍ ماديٍّ جلمود لا يرحم ضعفنا.
ولا تسلط علينا بذنوبنا أو بقسوة الأيام من لا يخافك فينا ولا يرحمنا.

اللهم أعد لجنيهنا ولبلدنا ولإنساننا المهابة والعزة.
واجعل هذه النكبة آخر عهد أمتنا بالهوان.
وافتح لنا باب فرجٍ قريبٍ مأمون.
ترجع فيه أسرنا معززةً مكرّمة إلى ديارها.

إنك على كل شيء قدير.
يا أرحم الراحمين.
ويا ملاذ من لا ملاذ له.

✍️ عادل ود سهل
الدوحة 14 سبتمبر 2026

adelsahl@gmail.com

Author
عادل ود سهل

عادل ود سهل

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
مسرح البرهان وجمهوره
الأخبار
البشير يشكر السعودية على “جهودها” في تحسين علاقة السودان بأمريكا
منشورات غير مصنفة
مستشفى أمدرمان : ضرب الاطباء وإضرابهم ؟! .. بقلم: حيدر احمد خيرالله
الرياضة
العليقي يعتزل العمل الرياضي .. السوباط: استقالة العليقي مرفوضه وادعو الجماهير للتماسك
بيانات
الحزب الاتحادي الديمقراطي بالولايات المتحدة ينظم “منتدىً للحوار حول التغيير ومستقبل الدولة السودانية”

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

مقالة حجبتها مجلة “الشيوعي”: الطريق البرلماني للتغيير الاجتماعي .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم

د.عبد الله علي ابراهيم
منبر الرأي

الليبرالية و الثورة .. بقلم: د.صبري محمد خليل

د. صبري محمد خليل
منبر الرأي

إصلاح نظام الانتخابات في السودان: الحلقة الثانية: الاطار التشريعي والسياسي لاصلاح نظام الانتخابات .. بقلم: د. سامي عبد الحليم سعيد

طارق الجزولي
منبر الرأي

حماية العمالة المنزلية فى الخارج : التجريم فى مقام التنظيم ! .. بقلم: فيصل الباقر

فيصل الباقر
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss