تظهر التجربة السودانية في سنوات الحرب الأخيرة تداخلاً واضحاً بين الخطاب السياسي ومحاولات إعادة إنتاج الشرعية عبر أدوات رمزية وشعبوية. فمع تتطاول أمد الحرب واشتداد الضغط الدولي وتقدم الآليات العدلية في توثيق الانتهاكات والدمار، تتبدّى تحولات في الخطاب العسكري السياسي في السودان أبرزها الانتقال من الخطاب السياسي المباشر إلى خطاب عاطفي يستند إلى المشاهد اليومية والقصص الشخصية
في هذا السياق يظهر لجوء الحاكم إلى خطاب عاطفي ومشاهد عاطفية يهدف إلى خلق صورة بديلة عن الواقع القانوني والسياسي الذي يواجهه. هذه الاستراتيجية ليست جديدة في تاريخ الحروب والنزاعات لكنها في الحالة السودانية أصبحت واقعا معاشا.
أن تجلس تحت شجرة تشرب القهوة بينما بلدك يحترق وأن يتم تصويرك وأنت تقود عربة محمّلة بالطلاب في شوارع الخرطوم وأن تظهر فجأة في الأعراس والطهور وأن تستدعي إعلاميين موالين لك ليبحثوا عن الكيماوي في شوارع الخرطوم ، كل هذا ليس عملاً سياسياً ولكنها مشاهد لا تظهر قوة ولا تظهر حضورا ولا تظهر قيادة بقدر ما تظهر عجزاً عن مواجهة الحقيقة.
في السودان تظهر السلوكيات الخطابية للحاكم القائمة على نفي الوقائع وإعادة صياغة الأحداث القريبة وتضخيم الدور الشخصي نمطاً من الإدمان السياسي على الكذب فلم يكن انتقال الحاكم من الخطاب السياسي إلى القصص العاطفية مجرد تغيير في الأسلوب بقدر ما كان تزييفا للحقائق واتخاذ الكذب وسيلة للاستعطاف عبر مشهد مسرحي في فصول المأساة السودانية.
عموما تظهر تجارب الحكم السلطوي في العالم أن الكذب ليس مجرد انحراف أخلاقي فقط ولكن يمكن أن يتحوّل إلى بنية لغوية رسمية تدار بها الدولة وتصاغ بها السياسات وتبرَّر بها القرارات. في السودان ومع اشتداد الحرب وتفاقم الأزمات برزت هذه الظاهرة في الاعتماد على خطاب يقوم على نفي الوقائع وتزوير الأحداث وإعادة صياغة الزمن السياسي عبر اتخاذ الكذب سياسة ووسيلة لإعادة إنتاج السيطرة
فحين طالت الحرب وتراكمت المشاكل وضاقت دوائر المساءلة لجأت السلطة إلى إعادة تعريف الواقع عبر خطاب يهدف إلى إرباك الشعب وخلق سردية بديلة عن الأحداث بهدف إضعاف قدرة المجتمع على التمييز بين الحقيقة والدعاية وتثبيت شرعية قائمة على الإنكار لا على الإنجاز.
هكذا أصبح الكذب عند السلطة في السودان استراتيجية سياسية أخذت عدة أشكال منها نفي الوقائع القريبة التي لم يمضِ عليها سوى ساعات أو أيام أو شهور رغم توثيقها بالصوت والصورة، ومنها اعادة صياغة الأحداث بطريقة تخدم السردية الرسمية حتى لو كانت مناقضة للحقائق المعلنة، ومنها أيضا الهجوم على الخصوم بالافتراء لتشتيت الانتباه عن مسؤوليات السلطة بالإضافة إلى تضخيم الدور الشخصي للحاكم في كل مشهد بوصفه المنقذ الوحيد واختراع بطولات زائفة في وقت يعاني فيه المواطن من آثار الحرب وارتفاع كلفة المعيشة وانعدام الأمن والغذاء والخدمات الأساسية.
هذه الممارسات تُظهر أن الكذب لم يعد مجرد أداة دعائية ولكن أصبح لغة رسمية تدار بها الدولة في لحظة انهيار مؤسساتها.
في الماضي كان بإمكان السلطة أن تعتمد على محدودية التوثيق أو على النسيان بفعل الزمن، أما اليوم فقد تغيّر المشهد جذرياً كل تصريح مُسجّل وكل حدث موثّق وكل تناقض مكشوف وكل سردية قابلة للتحقق بضغطة زر، مما يجعل الكذب الرسمي أقل فعالية في اقناع الناس وأكثر خطراً على السلطة لأنه يضع السلطة في مواجهة مباشرة مع الأدلة ويُفقدها القدرة على التحكم في السردية العامة.
إن تحوّل الكذب إلى لغة رسمية للحاكم ليس مجرد خلل أخلاقي فقط بقدر ما هو أزمة بنيوية في إدارة الدولة. وفي السودان اليوم حيث تتراكم الأدلة ويتقدّم التوثيق ويتصاعد الوعي الشعبي، يصبح هذا النوع من الخطاب مكشوفاً ويقرأ بوصفه علامة على ضعف السلطة لا على قوتها.
الكذب في زمن التوثيق ليس مهارة ولكنه إنه انتحار سياسي، فاليوم يستطيع أي مواطن أن يرى التناقض وأن يقارن التصريحات وأن يكتشف التزوير. الكذب قد يؤجل الحقيقة لفترة قصيرة جدا ولكنه لا يلغيها والكذب أيضا قد يربك الناس ولكنه لا يصنع شرعية والكذب قد يخلق ضجيجاً ولكنه بالتأكيد لا يبني دولة.
الآن وبينما المجتمع الدولي يجمع الأدلة ويتحرك بأدوات وطرق مدروسة تنشغل الحكومة بجمع إعلاميين من أنصار الحرب ليبحثوا عن الكيماوي بينما العالم يناقش مستقبل السلطة في السودان.
هذه المفارقة ليست مجرد عبث فقط بقدر ماهي دليل على الارتباك العميق الذي تعيشه السلطة، فمن يهرب من الحقيقة إلى المشهد العاطفي ومن يهرب من العدالة إلى الكاميرا ومن يهرب من المسؤولية إلى القصص المختلقة لتشويه صورة الخصوم لا يملك إلا أن يصبح هدفاً للسخرية. لن تعيد هذه المشاهد صياغة الواقع ولن تمنح تعاطفاً شعبياً ولن تغيّر مسار الحرب ولن تمحو الجرائم ولن تعيد الزمن إلى الوراء. لقد تغيّر السودان وتغيّر الناس وتغيّر العالم، وحدها السلطة الحاكمة في السودان بقيت واقفة في مكانٍ لم يعد موجوداً.
الله المستعان
