ثَـمَّـة ُ أناسٌ يَرْحلـوْنَ ، مِن قبلَ أن ْ نُسمِعهُـم ْ كلـمـةَ وَداع ..
ثَـمَّةُ مَن هُـمْ في طريقِهِم ْقادموْن للُقـيَانا، فَيغـِيبُوْن وتغْـمرهُم رَحْمَة الله ِوَغُفـرانه..
ثـمَّـة ُمَنْ يَفعـلـوْنَ بِنَا ،كمثلِ فِعـلِ شَهْرزاد بشَهْـريار المَلِـك : تبدأ الحكاية ، وَما انْ تشدَّنا تفاصِيلُها ،حَتّى يُدركنا الصَّباحُ، وبعدها تُبقـينـا الأميرة ُ في انتظــارِ حُلوْل ِالليـلِ لنواصِل سـَــمَاع خاتمَـةِ الحكايـة. . أقبلَ عَليّنا الرّاحلُ عبدُالمجيْد بِبداياتِ حِكـاياته، غير أنه سَــافـر عـنَّـا، وَنهَـايَاتهـا عِـنـده.، فله ُالرَّحمة، ولهُ المَغفـرة. .
هُـنالِـك مَنْ يُصَادفوْنك ، فـتكاد َتَجـزِم أنـَّك تعرفـهُـم، وَهُـم يَعـرفُـوْنَـك..
ليسَ مثلَ مَن ْحَكيتُ عَنهُـم ، كان صديقي الأكبر وأستاذي النّابِه، الرَّاحل عبدُالمجيد هوَ مَن رَحَلَ عَنّي، قبلَ انْ يَسْمعَ مِنِّي كلمَـات وَداعٍ، فَـمَـا أعْجَـله ُمِـنْ رَحيْـل..
لـم ْأجلِـسْ إلـيْهِ في فصلٍ دِراسـي ٍ، وهو المُعلِّم القادم من “بَخْتِ الرِّضَا”، لكنّي حَفظتُ لهُ ومنهُ، درسـاً بلـيغـاً لا يُنسَى. هُـوَ دَرسُ كَيْـفَ يكون وفَـاءُ التلميـذِ لمعلمِه.. وَتلك حِصَّةٌ لا يتلقَّاها التلاميـذُ في فصوْلِ الدِّراسَـة، بَلْ في فصوْل الحياة ومنعطفاتها..
إلتقـينا في ذاتِ يوْمٍ قَبلَ سَنواتٍ، وَنحنُ نَحتَفِي بتدشينِ كِتابِ للمُرَبِّي الرَّاحِل الدكتور محمد خير عثمان، وَزير التربيَة والتعليم في سَبْعينات القَرْنِ المَاضِي. وَقـفَ عبدُالمجيد مُحدِّثاً عَـن فَضَائلِ أسْـتاذِه ِالقَـديم في “بَخْت ِالرِّضَـا”، ثمَّ خَتم َحَديثـه بعبارةٍ سَمِعناها عنواناً لشَـريْطٍ سِيـنمَائي شَـهيْر في سِـتينات القَـرْن الماضي : “أسْـتاذي لـك حُـبِّي”. يا لجَمَـال العِـبارة ، ِيَسمعها مُعَـلَّـمٌ مِـنْ تلمـيـذٍ له.
حيْـنَ حَـدَّثَ عن مُعلّـمِهِ في تلك الأمْسِيةِ، بعِـبَاراتٍ اسْـتَدَرَّتْ دُموْعَـنـا وَنحْنُ حُضور ، فكأنَّهُ اسْـتعاد حضور معلـمه، جسـداً وروحـاً بيننا، ومعلمُهُ غائبٌ عَن تلك الأمسِـية لِـعِـلَّـةٍ أقـعَـدته، فَـوَالله مَا عَـرفَـتُ سُـموَّاً في المَشَاعِر، وصِدقاً في العاطفةِ، مثلَ الذي فاضَ يومَها مِنْ قـلـبِ عبدِالمجيْـد ومِـن رُوْحِــهِ . .
هَـأنـذا أقـفُ وَأردِّد ذاتَ عبارته تلـك َالأُمْسِـية ، وَتكاد تَخنقُني عَـبَراتٌ مُلحَّـة ٌ في وَداعِ صَديقي الحبيْب، وَمُـعَـلَّـمِي الأريْـب: “أسْـتاذي لـكَ حُـبِّي “، له الرحمة ولكم السلام.
جمال محمد ابراهيم
القاهرة – سبتمبر 2026
