بقلم/ محمد عبدالرحيم أبوه
في السياسة ليست كل الرسائل تكتب بالحبر فبعضها يرسل في صورة إجراءات صامتة، وتتكفل دلالاتها بقول ما تعجز البيانات عن التصريح به، يمكن ان تتحول الإجراءات إلى إشارات تقرأ في سطور السياسة، يصبح حجب التأشيرة عن البرهان في خضم مشهدنا المضطرب، حدثًا يتجاوز طابعه الإجرائي ليحمل دلالات سياسية ودبلوماسية أوسع. فالمسألة في ظل التوترات المتراكمة لا تبدو مجرد تدبير بروتوكولي عابر، بل إشارة يمكن قراءتها في ضوء مساعي واشنطن للضغط من أجل وقف إطلاق النار والدفع نحو ترتيبات لهدنة تفتح مجالًا للحوار. والتأشيرة وإن بدت في ظاهرها وثيقة إدارية مرتبطة بالتنقل قد تتحول في لحظة سياسية دقيقة إلى وسيلة لإيصال المواقف وتضييق هامش الحركة الدبلوماسية. وتزداد دلالتها حين تأتي في قلب حرب تستنزف البلاد وتتقاطع فيها الحسابات العسكرية مع المبادرات الدولية، وتتداخل فيها الاعتبارات الإنسانية مع المصالح السياسية، فيصبح الإجراء المحدود في ظاهره جزءًا من مشهد أوسع تتحدث فيه العواصم بلغة الإشارات، وتقرأ المواقف أحيانًا فيما وراء ما تعلنه صراحة.
وحين تدخل الأسلحة الكيميائية في معادلة الحرب، ترتفع القضية إلى مستوى أكثر حساسية، لما يترتب عليها من أبعاد قانونية وإنسانية ودولية. وفي هذا السياق، أعلنت الولايات المتحدة في أبريل 2025 أن بحوزتها أدلة دامغة تؤكد تورط الجيش في استخدام أسلحة كيميائية خلال عام 2024، وفرضت على إثر ذلك عقوبات قبل أن تقرر في يونيو 2026 اتخاذ تدابير إضافية دخلت حيز التنفيذ في يوليو من العام نفسه، استنادًا إلى قانونها المتعلق بالأسلحة الكيميائية والبيولوجية. غير أن هذه الرواية قوبلت بنفي قاطع من جانب الجيش الذي رفض الاتهامات، مؤكدًا أن لجنته المعنية بالتحقيق لم تجد أي كيماوي !! ووفق ما أعلنته أدلة مادية أو فنية أو وثائقية تثبت استخدام تلك الأسلحة. ومن هنا، يبقى الخلاف قائمًا حول مدى كفاية التحقيقات، في مقابل الحاجة إلى تحقق دولي مستقل عبر الآليات المختصة وفي مقدمتها منظمة حظر الأسلحة الكيميائية. ولذلك، فإن خطورة هذا الملف تقتضي ألا يختزل في مجرد سجال بين روايتين متعارضتين، بل أن يترك الفصل فيه للتحقيق الفني والأدلة القابلة للفحص والآليات الدولية التي أرستها اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.
ومن هذه المنطقة الفاصلة بين الإجراء الدبلوماسي والتدبير العقابي، تبرز مسألة تستحق التمحيص : هل يمثل حجب التأشيرة إجراءً مستقلًا تحكمه اعتبارات دبلوماسية، أم أنه جزء من منظومة ضغط أوسع تتقاطع فيها مساعي الهدنة مع ملف الأسلحة الكيميائية والعقوبات الدولية ؟ وبحسب المعطيات المنشورة فإن المسارين يختلفان في أساسهما القانوني وطبيعتهما السياسية، فمسار التأشيرة يرتبط وفق ما أُعلن وتداولته التقارير، بالحسابات الدبلوماسية المتصلة بالحرب ومساعي الدفع نحو وقف إطلاق النار، بينما ينتمي ملف الأسلحة الكيميائية إلى إطار قانوني مختلف، يقوم على ادعاءات محددة وإجراءات ذات طبيعة عقابية. ومن ثم، لا تبدو العلاقة بين المسارين قابلة للاختزال في سبب واحد وإنما تكشف عن مشهد أكثر تعقيدًا تتجاور فيه أدوات الدبلوماسية مع وسائل العقوبة، ويتقاطع فيه القانون مع السياسة ويصبح الضغط الخارجي أحد العوامل المؤثرة في مسار الحرب وفي حدود الحركة المتاحة لأطرافها.
وفي نهاية المطاف، لا تكمن دلالة هذه التطورات في حجب التأشيرات أو فرض العقوبات كل على حدة، وإنما فيما تكشفه مجتمعة من تحول في طريقة تعامل المجتمع الدولي مع الأزمة السودانية، فالتفاوض لم يعد الأداة الوحيدة، بل باتت تسانده وسائل أخرى من بينها العقوبات والقيود الدبلوماسية. ويظل ملف الأسلحة الكيميائية من أكثر الملفات التي تستوجب تحقيق عالي وشفاف، لأن الخطورة المتعلقة بها لا تسمح بأن يكون مجرد تبادل الاتهامات بديلًا عن التحقيق والإثبات. ومن هنا، فإن قيمة أي إجراء دولي لا تقاس بحدة الخطاب الذي يرافقه، وإنما بسلامة أساسه القانوني ووضوح أدلته ونزاهة الآليات التي تقود إلى نتائجه. والسودان، بعد سنوات من الحرب يحتاج إلى مسار وطني يضع حماية المدنيين وإنهاء القتال في مقدمة الأولويات، مع ضمان محاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن التورط في استخدام أسلحة محرمة وفقًا للقانون، فوقف الحرب والمساءلة عن الانتهاكات ليس طريقين متعارضين، بل مساران متكاملان نحو سلام أكثر استقرارًا وعدالة تصان فيه كرامة الإنسان وتبقى فيه الحقيقة فوق ضجيج السياسة.
