الصادق حمدين
كلما ضاقت “الوسيعة”، بالجنرال الغارق في كوابيس أحلامه، عبد الفتاح البرهان، وكلما فرت عنه الجماهير كما يفر الصحيح من الأجرب يرى أن طريقه إلى الشعب يمر من حيث تجلس ستات الشاي. يجلس إلى جوار إحداهن، يحتسي كوباً من الشاي ويتبعها فنجان قهوة، تتجه الكاميرات نحوه، وتُلتقط الصورة المطلوبة: البرهان بين البسطاء، البرهان قريب من الناس، البرهان يشرب شاي الشعب،البرهان يشرب “جبنة” الشعب، البرهان يشرب عرديب الشعب، البرهان يشرب حرجل الشعب!
يا لها من لقطة مريحة للسياسة، ومؤلمة لست الشاي.
فست الشاي ليست مجرد امرأة تجلس خلف “كانون” وبراد شاي تنتظر الزبائن. إنها واحدة من أكثر صور المظلومية الاجتماعية وضوحاً بالمعنى المهمش للكلمة. امرأة تقضي ساعات طويلة في الشارع، تكافح لتوفير قوت يومها، وتعود إلى بيتها وهي تحمل فوق تعبها مسؤولية أطفال وأسرة ومستقبل مجهول. وفي كثير من الحالات، لم تختر هذه المهنة لأنها تحب الجلوس تحت الشمس والغبار لساعات طويلة، وتتعرض لمضايقات التافهين من السابلة، وإنما دفعتها إليها الحاجة حين ضاقت بها سبل العيش.
ولهذا فإن السؤال الذي كان ينبغي أن يطرحه البرهان ليس: أين توجد ست الشاي لأجلس إلى جوارها؟ بل: لماذا تضطر ست الشاي إلى الجلوس هنا أصلاً؟ هذا هو السؤال الذي لا تحبه الكاميرا. فالجلوس إلى جوار الفقير لا يجعل الفقر أقل قسوة، وشرب الشاي مع الأرملة لا يعيد إليها زوجها، والابتسام أمام عدسة التصوير لا يوفر لأطفالها مدرسة ولا علاجاً ولا دخلاً كافياً. وإذا كان البرهان يريد فعلاً أن يقترب من ست الشاي، فليقترب من قضيتها، لا من “كانونها”.
كان يمكن للبرهان أن يقول لوزير الشؤون الاجتماعية: اذهبوا وابحثوا عن ستات الشاي، اعرفوا ظروفهن، احموا حقوقهن، وفروا لهن مظلة اجتماعية وصحية، وابحثوا عن وسيلة تجعل هذه المهنة خياراً لا اضطراراً. كان يمكن أن تتحول ست الشاي إلى ملف اجتماعي حقيقي، لا إلى لقطة سياسية عابرة.
لكن يبدو أن الصورة أسهل من السياسة. الصورة لا تحتاج إلى ميزانية، ولا إلى قانون، ولا إلى برنامج اجتماعي، ولا إلى متابعة، ولا إلى نتائج. يكفي “بمبر”، وبراد شاي، وكاميرا. وهكذا تتحول ست الشاي من ضحية لظروف اجتماعية قاسية إلى بطلة صامتة في حملة العلاقات العامة للبرهان وطغمته.
والمفارقة الأكثر مرارة أن الجنرال التائه قد يجلس إلى جوار المرأة ليقول للناس: “أنا واحد منكم”، بينما المرأة نفسها قد تكون جالسة هناك لأنها لم تجد دولة توفر لها ما يجعلها تعيش بكرامة. يا للدهشة! البرهان يشرب الشاي لدقائق، أما ست الشاي فتشرب مرارة الحاجة طوال حياتها.
البرهان يغادر إلى سكنه الفاخر يغادر حين تنتهي الصورة، أما هي فتبقى حتى ينتهي رزق اليوم.
البرهان يعود إلى مكتبه، وهي تعود إلى بيتها محملة بتعب يوم آخر وأسئلة لا تنتهي عن الغد. لهذا فإن استغلال ست الشاي سياسياً ليس تضامناً مع الفقراء، بل نوع من النفاق السياسي عندما تصبح معاناة الناس وسيلة لتحسين صورة السلطة بدلاً من أن تكون مدخلاً لمعالجة أسباب تلك المعاناة.
فإذا كان البرهان يريد حقاً أن يثبت أنه قريب من ست الشاي، فليبدأ بما هو أبعد من فنجان الشاي والقهوة: ليجعل الدولة قريبة من حياتها، من أطفالها، من صحتها، من أمنها، ومن مستقبلها.
أما أن يشرب البرهان الشاي، وتبقى ست الشاي تشرب مرارة الحياة، فهذه ليست مصالحة بين السلطة والشعب. هذه مجرد صورة جميلة لمأساة قبيحة. وفي النهاية، ست الشاي لا تحتاج إلى أن يجلس البرهان بجوارها كي يشعر الناس بوجودها. يكفي أن ينظروا إلى حياتها كما هي، لا كما تريد الكاميرا أن تظهرها.
فالسؤال الذي ينبغي أن يبقى بعد انطفاء الكاميرات ليس: كم كان البرهان قريباً من ست الشاي؟ بل: كم أصبحت الدولة أقرب إلى حل قضيتها؟ ذلك هو الاختبار الحقيقي.
أما فنجان الشاي، فسينتهي وتنتهي معه اللقطة. وست الشاي ستظل هناك حيث المستقبل المجهول. كفاك تمثيل أيها البهلوان فمسرحية “سعدية كبي حرجل”، لم تعد تجذب الجماهير.
