بقلم: صلاح الدين أحمد عيسى أبوسارة
في مقالي السابق «عندما يتحوّل الذكاء الاصطناعي إلى شريك في الوهم»، المنشور في صحيفة سودانايل، تناولت مأساة الأمريكي شتاين-إريك سولبيرغ (Stein-Erik Solberg) التي انتهت بفاجعة انتحاره ومقتل والدته المسنّة. وحذّرت هناك من التسليم الأعمى لمخرجات الأنظمة الرقمية الحديثة، ومن قدرة خوارزمياتها على التحول إلى أدوات تضليل احترافية حين تولّد الخرافة بثقة مطلقة. ولم أكن أتوقع أن يتكرر المشهد نفسه بعد أيام معدودات؛ لا عبر الأخبار العالمية، بل من خلال تجربة شخصية تمسّ مدينتي «الأبيض» وتاريخها الذي أعرفه معرفة وثيقة.
صدمة البحث: كيف وُلدت الأسطورة الرقمية؟
قبل أيام، كنت أستعين بأحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي للوصول إلى توثيق تاريخي لشخصية علمية وصوفية بارزة في كردفان، وهو الشيخ دليل المحسي، صاحب الخلوة التاريخية والمقابر المعروفة باسمه في مدينة الأبيض. كان سؤالي محدداً ومباشراً عن سيرة الشيخ ودوره العلمي. غير أن النموذج تجاوز حد السؤال، وأقحم من تلقاء نفسه —ودون أي إشارة أو تلميح مني— قصة أكملها الخيال، زاعماً بثقة تامة:
“من المفارقات التاريخية المدهشة والمنسية أن مقبرة الشيخ دليل تضم رفات عم الملك حسين بن طلال؛ حيث وفد قديماً إلى الأبيض طلباً للعلوم الشرعية في خلاوي الشيخ دليل، وتوفي هناك ودُفن في فسحة المقابر. والقبر ليس منسياً، بل هو ظاهر تدل عليه لافتة ولوحة تذكارية كُتبت بخط عربي أنيق توضح نسبه وتاريخ وفاته، وتُعدّ مزاراً يلفت انتباه المهتمين بالأنساب”.
ولم يقف جموح الخوارزمية عند هذا الحد، بل أرفقت نصّها المبتكر بروابط إلكترونية عزتها إلى مواقع إخبارية وموسوعات معروفة (من بينها «مجلة القدس العربي» و«ويكيبيديا»)، لتمنح الحكاية زيفاً موثقاً ومظهراً علمياً محكماً، بينما هي في جوهرها مجرد تلفيق لحظي أنتجه المحرك.
شهادة الميدان: الأرض لا تكذب:
أنا ابن تلك المدينة، وأعرف «مقابر دليل» كما أعرف كفَّ يدي؛ ففي ثراها يرقد أبي، وأختي، وجدتي، وعددٌ غير قليل من أهلي وأحبابي ومعارفي، عليهم رحمة الله ورضوانه. وكم شاركتُ في حفر القبور فيها وتشييع الموتى. وأقولها بيقين صادق: لا وجود لعمٍّ للملك حسين في تلك المقابر، ولا للافتة كُتبت بخط أنيق، ولا لمزار يقصده الباحثون عن الأنساب. القصة برمتها أسطورة صُممت في الفضاء الرقمي، وفيها افتراء صريح على الذاكرة التاريخية لمدينة الأبيض.
ما وراء الخطأ: ثلاث آفات للهلوسة الخوارزمية:
ليست الخطورة في مجرد «إجابة خاطئة»، فهذا مما يُتوقع في عالم التقنية. إنما تكمن الخطورة فيما يعرف بـ “الهلوسة الانحرافية / الاستطرادية” (Off-prompt / Unsolicited Hallucination) ؛ وهي أن يبادر النموذج بدمج مراجع حقيقية بروايات متخيَّلة وزائفة دون طلب أو تحفيز من المستخدم. وهنا تجدر الإشارة إلى بعدين أساسيين يفسران كيفية وقوع الخوارزميات في هذا الفخ:
• البُعد التقني (الاقتران الاحتمالي): هذه التطبيقات لا تفهم التاريخ ولا تدرك المعاني، بل تعتمد على الاقتران الاحتمالي (Probabilistic Association) والتنبؤ بالكلمات التالية بناءً على السياق. فحين يجتمع في مدخلات النموذج اسم صوفي قديم (مثل الشيخ دليل) مع مفاهيم مثل (النسب، الأشراف، أو الخلوة والتعليم)، تقوم الخوارزمية أحياناً بـ “نسج” أقرب مجموعات الأنساب الهاشمية المشهورة في قواعد بياناتها الضخمة (مثل الأسرة المالكة الأردنية) لتحقيق نوع من «التكملة البلاغية» المقنعة! ومن هنا تُولَّد أيضاً روابط إلكترونية (URLs) مصطنعة تُشبه عناوين المواقع المشهورة كـ «مجلة القدس العربي» أو «ويكيبيديا»، لإكمال حياكة النص.
• البُعد المحلي (فجوة التراث الشفاهي): يبرز هذا الموقف أهمية المعرفة الميدانية في مواجهة التكنولوجيا؛ إذ يعتمد التاريخ المحلي في السودان على التراث الشفاهي والذاكرة المجتمعية المتواترة التي لم يُدوَّن معظمها رقمياً بعد. وهذه “الفجوة الرقمية” تشجع الخوارزميات على ملء الفراغ بالهلوسة والافتراء عند غياب المادة المرقمنة.
ومن هنا تنبع المحاذير الثلاثة الرئيسة لهذه الظاهرة:
- تلوث المراجع التاريخية الشفاهية والمحلية: حين يسأل باحث مستقبلي عن الشيخ دليل، قد يلقّنه النموذج الأسطورة نفسها. ومع تكرار التوليد وإعادة النشر في المدونات والمواقع، تتحول هذه الأوهام الخوارزمية تدريجياً إلى «حقائق متداولة» تلوث التاريخ المحلي وتطمس التراث الشفاهي الأصيل الذي لم يجد طريقه للرقمنة.
- التوثيق العشوائي بالروابط المزيفة: أخطر من الكذب الآلي أن يُصاغ الكذب بأدوات البحث العلمي؛ فإرفاق عناوين روابط مصطنعة لمواقع عالمية يُضفي مصداقية زائفة ويُغري القارئ بالتسليم دون النقر على الرابط ليتثبت هل يحتوي المضمون فعلاً على المعلومة أم أنه مجرد عنوان مضلّل.
- دراما التفاصيل المفتعلة: لم تكتفِ الخوارزمية بذكر الاسم، بل رسمت «مشهداً بصرياً» متكاملاً: لافتة تذكارية، وخط عربي أنيق، وزوار يقصدون المكان. هذا الإتقان في حبك التفاصيل البصرية هو الخدعة الأكبر التي تجعل العقل البشري يفترض أن الآلة «رأت» ما خفي عنه.
كشفت لي هذه التجربة أن المعرفة الميدانية، والذاكرة الحية لأهل الأرض، والروح النقدية الصارمة، هي خط الدفاع الأخير عن تراثنا أمام جموح الهلوسة الرقمية. إن التكنولوجيا مساعدا ممتازا إن أُحسن توجيهها، لكنها تتكشف عن صانع أوهام متمرس إن تركنا لها قيادة التوثيق وكتابة التاريخ. وكما لم تجد بصيرتي الميدانية في مقابر دليل تلك اللافتة الأنيقة التي توهّمتها الخوارزمية، ينبغي ألا تجد عقولنا في مخرجات هذه التطبيقات حقيقة مسلّمة، ما لم تسندها معرفة أهل الأرض ووثائق التاريخ الشفاهي والمكتوب.
