باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الإثنين, 5 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
الرشيد خليفة
الرشيد خليفة عرض كل المقالات

تاريخ المهديّة الاجتماعي، الجزء الأول

اخر تحديث: 3 أكتوبر, 2026 10:14 مساءً
شارك

تاريخ المهديّة الاجتماعي، الجزء الأول
المجتمع السوداني بين الراتب والسوط، المحرّمات والمعيشة والعمران والتعليم والصحة (1881–1898)
د. الرشيد خليفة
مجتمعٌ يُعاد تشكيله بمنشور
لم يكن السوداني الذي استيقظ صباح السادس والعشرين من يناير 1885 على خبر سقوط الخرطوم ومقتل غوردون يعلم أن الثورة التي خلّصته من «الترك» وضرائبهم وكرابيجهم ستتفرّغ، بعد أن فرغت من الباشوات، لتفتيش ما في غليونه، وما في جرّة مريسته، وما في حنجرة زوجته حين تزغرد. فالمهديّة لم تكن ثورة سياسية فحسب، بل، مشروعاً لإعادة صياغة المجتمع من جذوره، يبدأ بالعقيدة وينتهي بالمهر، ويمرّ في طريقه على الطنبور والدلّوكة وحُقّة التمباك. وقد أدار هذا المشروع رجلان مختلفان في الطبع والمنبت، الإمام محمد أحمد المهدي في مرحلة الثورة (1881–1885)، ثم خليفته عبد الله التعايشي في مرحلة الدولة (1885–1898)، فكان المجتمع السوداني طوال سبع عشرة سنة حقل تجارب لم يُستشر أحد من فئرانه، ولم يُسأل واحد منها عن رأيه في المصيدة.
ويتناول هذا الجزء الأول الحياة الاجتماعية من داخلها، الرضا والقبول، وقائمة المحرّمات الطويلة، وموقف المهديّة من التصوف والمديح، ثم الأمن والمعيشة والمواصلات والعمران، والتعليم، والصحة، والزينة. أما الجزء الثاني فيتناول خريطة المعارضين، والمُسلَمين كرهاً، والقبائل والزعماء والأمراء الذين طالتهم يد الدولة، وتجارة الرقيق والجهادية، وانتهاءً بطريق كتشنر إلى كرري. والمصادر هنا صنفان، وثائق المهديّة نفسها التي جمعها وحقّقها محمد إبراهيم أبو سليم [1]، وروايات الأسرى الأوروبيين التي خرجت إلى النور من مكتب الاستخبارات المصرية تحت عين ونجت [2]، ولكلٍّ منهما هواه، فالأول يكتب بلسان الدولة، والثاني يكتب بلسان من يريد إسقاطها، والمؤرخ بينهما كالقاضي الذي يستمع إلى شهادة الزوجين في قضية طلاق، يعلم أن كليهما صادق في بعض ما يقول، وكاذب في بعض ما يسكت عنه.
الرضا والقبول، من حماسة الثورة إلى فتور الدولة
من الإنصاف أن نبدأ بما يغفله خصوم المهديّة، وهو أن الثورة في سنواتها الأولى حظيت بقبول شعبي واسع يصعب تفسيره بالإكراه وحده. فقد التقت فيها مظالم متعددة، ضرائب «الترك» الباهظة وجباتها من الباشبوزق الذين كانوا يجلدون المتأخر عن الدفع، ومحاولات الحكومة الخديوية في عهد غوردون ومعاونيه الأوروبيين الحدّ من تجارة الرقيق، وهي التي كانت شريان رزق لكثير من الجلابة وأهل الزرائب، ثم انتظار ديني عميق لمخلّصٍ يملأ الأرض عدلاً كما مُلئت جوراً حسب حديث المصطفى (ص) [3]. فجاء المهدي بخطاب يجمع هذه الخيوط كلها في جبة واحدة، والجبة، كما سنرى، مرقّعة.
غير أن هذا القبول لم يكن شيئاً واحداً. فالبقارة الذين هبّوا في كردفان ودارفور رأوا في الدعوة فرصة للخلاص من الحكومة والغنيمة من حروب المهدية معاً، وأهل الشمال النيلي من الجعليين والدناقلة وجدوا فيها ثأراً قديماً من ضرائب الترك وتضييقهم على تجارتهم، والفقراء وجدوا فيها وعداً بالمساواة، والمتصوفة الزاهدون وجدوا فيها امتداداً لأشواقهم. ثم جاءت الدولة فاكتشف كل فريق أن ما وُعد به لم يكن بالضبط ما حصل عليه. فالبقارة حصلوا على السلطة لكنهم خسروا مراعيهم حين أمرهم الخليفة بالهجرة إلى أم درمان، وأهل النيل حصلوا على الخلاص من الترك لكنهم وقعوا تحت حكم البقارة، والفقراء حصلوا على المساواة، في الفقر.
ويصف بابكر بدري، وقد عاش الثورة شاباً متحمساً ثم عاش الدولة رجلاً يتأمل، هذا التحوّل بحسٍّ نادر، فهو يروي انخراطه في جيش النجومي بإيمان صادق، ثم يروي من غير مرارة ظاهرة كيف تحوّلت الحياة في أم درمان إلى صراع يومي على اللقمة والأمان [4]. أما يوسف ميخائيل، القبطي الذي عاش المهديّة من داخلها، فيقدّم صورة لمجتمع يتكيّف ويتحايل ويصمت، أكثر مما يثور أو يؤيّد [5]. والخلاصة التي يكاد يجمع عليها الباحثون أن الرضا في عهد المهدي كان حماسة، وفي عهد الخليفة صار طاعة، وفي سنواته الأخيرة صار خوفاً يرتدي جبة الطاعة [6].
قائمة المحرّمات، حين صار للفرح شرطة
أصدر المهدي منشوراته في صورة رسائل تُقرأ في المساجد والأسواق وتُنسخ وتُرسل إلى العمال في الأقاليم، وقد جمعها أبو سليم فكشفت عن رجل لا يترك صغيرة ولا كبيرة من حياة أتباعه إلا وقال فيها كلمة [1]. وكانت الفكرة الحاكمة بسيطة ومخيفة في آن، أن الزمان زمان آخر، وأن المهدي خليفة رسول الله، وأن ما كان عليه الناس قبل ظهوره من عادات وأعراف إنما هو من البدع التي جاء لإزالتها. وبما أن السودانيين كانوا قد راكموا عبر قرون مزيجاً مدهشاً من الإسلام الصوفي والأعراف الأفريقية والعادات النوبية، فقد وجدت المهديّة أمامها كنزاً من «البدع» يكفي لتشغيل فروع جهاز الحسبة قروناً، لا سنوات.
التمباك والدخان، حرب الدولة على التبغ
كان تحريم التبغ بكل صوره، تدخيناً بالكدوس والسجائر، أو سفّاً كما في التمباك، من أوائل ما أعلنه المهدي وأشدّه صرامة. فقد عدّه من الخبائث، وقرن تعاطيه والاتجار فيه بالجلد وإتلاف البضاعة [1]. ويروي الأسرى الأوروبيون أن التدخين لم يختفِ من أم درمان، بل، انتقل إلى الأزقة والبيوت المغلقة، وأن التبغ صار يُباع خفية بأسعار باهظة، ويُتبادل بين المدمنين كما تُتبادل الأسرار العسكرية، وأن رائحته وحدها كانت كافية لجرّ صاحبها إلى الجلد [7].
ولعل أظرف ما في الأمر أن السوداني الذي احتمل من الترك الضرائب والسخرة والكرباج، لم يحتمل من المهديّة حرمانه من «السفّة»، فكانت حُقّة التمباك أول حركة معارضة منظمة في تاريخ الدولة، لا منشورات لها ولا قادة ولا مكتب سياسي، وإنما جيوب داخلية وأصابع ماهرة في الإخفاء وشفاه سفلى موضع لما لا يُرى. ولا غرابة، فالتمباك في المجتمع السوداني لم يكن عادة فردية فحسب، بل، طقساً اجتماعياً يُقدَّم للضيف ويُتبادل في المجالس وعلى أطراف الحقول، وكان حرمانه يعني تفكيك شبكة صغيرة من المودّة اليومية لا يراها الفقيه ولا يفهمها المحتسب الذي يجمع المال.
المريسة والعرقي، حين حُرّم الطعام باسم الخمر
حرّمت المهديّة المُسكرات بكل أنواعها تحريماً قاطعاً، ولم تفرّق في ذلك بين العرقي المقطّر، الذي لا يختلف أحد على أنه خمر، والمريسة والبقنية والمشروبات المخمّرة من الذرة والدخن التي كانت في مجتمعات كثيرة جزءاً من الغذاء اليومي [1]. فجُلد شاربوها، وكُسرت جرارهم، وعُدّت صناعتها جريمة [3]. والمسألة هنا ليست فقهية فحسب. فقد بيّن حامد أحمد ضرار، أستاذ المايكروبيولجي الغذائي، في دراسته الرائدة عن الأطعمة المخمّرة في السودان، أن المريسة وأخواتها تنتمي في التصنيف الغذائي السوداني إلى الطعام قبل الشراب، وأنها كانت عند جماعات كثيرة مصدراً رئيسياً للغذاء، تُصنع من الذرة والدخن بتخمير يُبقي فيها كثيراً من قوام الحبوب ومغذّياتها [8]. ففي دارفور كان الفور في جبل مرة وما حوله يقيمون نظامهم الزراعي على المريسة، إذ كان صاحب الحقل يدعو جيرانه إلى «النفير» فيعملون في أرضه يوماً كاملاً ويُكافأون بالمريسة لا بالمال، حتى عدّ عالم الأنثروبولوجيا فريدريك بارث الدخن والمريسة والعمل دائرة تبادل واحدة لا يكاد النقد المالي يدخلها [9]. وفي جبال النوبة كانت المريسة عند الهيبان والأوتورو والتيرا والمورو والكورنقو والمساكين والنيمانج، وسائر الجماعات التي درسها سيغفريد نادل، طعاماً للعمل الجماعي ومادةً للطقوس والضيافة في آن [10]. وفي شمال كردفان شهد حسن نجيلة في مطلع الثلاثينيات، حين ذهب معلماً لأبناء الكبابيش، سوق سودري في يومي الاثنين والجمعة وجرار المريسة تُباع تحت ظلال الأشجار، وأدرك أنها عند أهل المنطقة من الكاجا «طعام يُغني عن الوجبات الأخرى أكثر منها للسُّكْر»، ورأى كذلك في مستشفى سنجة طبيباً بريطانياً يجعلها غذاءً لمرضى الكلازار [11]. وهي شهادة متأخرة عن المهدية بأربعة عقود، لكنها تدل على أن ما حرّمته الدولة كان طعاماً راسخاً لم تنتزعه سبع عشرة سنة من التحريم. وفي الجنوب كانت جعة الذرة عند النوير جزءاً من غذاء موسم الحصاد وتجمعاته [12]، وكانت عند الزاندي في أقصى الجنوب الغربي ركناً في الولائم والمجالس [13]. أما الريف النيلي الشمالي فكانت المريسة فيه أقل مكانة في الغذاء اليومي، لكنها لم تكن غائبة عنه، فقد وصف الرحالة بوركهارت في أوائل القرن التاسع عشر شيوع «البوزة»، وهي المريسة، في بربر وشندي بين أهلها من الميرفاب والجعليين [14].
ولم تكن المريسة الغذائية مرتبطة بوجبة بعينها على نحو ما نعرفه اليوم من إفطار وغداء وعشاء، بل، كانت مرتبطة بالعمل. فالأكثر شيوعاً أنها كانت تُتناول في النهار، صباح يوم النفير وظهيرته، يتقوّى بها العاملون في الحقل ويستعيدون بها نشاطهم، ثم يمتد تناولها في آخر النهار إلى مجلس الأنس حين يفرغ العمل [9]، وهو ما رآه نجيلة في سوق سودري، إذ يعبّ الناس منها نهارهم تحت الأشجار حتى تفرغ الدنان في المساء [11]. وكان منها الخفيف القليل الكحول الذي يُتناول كما تُتناول العصيدة السائلة، والثقيل الذي يُعدّ للمناسبات والأعراس والطقوس [8]. فكان تحريمها، في نظر تلك المجتمعات، أشبه بتحريم الخبز لأن بعض الناس يكثرون منه حتى التخمة، وبإلغاء أجر العامل من المريسة لأن بعض الأجراء يبذرون ما يكسبون.
ولم تكن الدولة تملك من القوة ما يكفي لفرض هذا التحريم في أطرافها البعيدة، فظلّت المريسة تُصنع في الجبال والقرى النائية كما كانت، وكان التطبيق صارماً في أم درمان والمراكز الكبرى، متراخياً في الأطراف، وهو ما يجعل «الإصلاح الأخلاقي» في حقيقته مشروعاً حضرياً أكثر منه شاملاً [15]. ومن المفارقات أن جيش الجهادية حملة البنادق، وأغلب أفراده من أبناء الجبال والجنوب، إما أسرى أو رقيق، الذين نشأوا على المريسة، ظل يحملها في ذاكرته بالحنين إن لم يحملها في قِرَبه سراً، وأن السُكر لم ينقطع تماماً من العاصمة نفسها. فالدولة التي حرّمت المريسة اعتمدت في قوتها الضاربة على رجال من المجتمعات التي تعيش عليها. وبذلك صارت المريسة كالتمباك، تجارة سرية عالية المخاطر عالية الأرباح ورديئة الجودة [7]. وهي القاعدة التي تعيد اكتشافها كل دولة تحرّم ما اعتاده الناس، أن التحريم لا يُلغي السلعة، وإنما يرفع ثمنها.
الغناء والرقص والطبول، هل صودر الطرب؟
نعم، وبلا مواربة. فقد حرّم المهدي الغناء والرقص في الأعراس والمناسبات، ومنع الطبول والدلاليك إلا نحاس الحرب وطبوله، ومنع الزغاريد، وعدّ ذلك كله من اللهو المنهي عنه [1]. واختفت من الحياة العامة في أم درمان «السيرة» التي يُزفّ فيها العريس بالغناء والطبل، والرقص بالسيف والصفقة، والشبّال الذي تمنحه الفتاة لمن تستحسن رقصه، وكل ما كان يجعل العرس السوداني حدثاً يُسمع من القرية المجاورة [15]. والمفارقة المضحكة أن الدولة التي حرّمت الطبل على العريس أبقته للحرب، فكانت النحاسات تُضرب في أم درمان للتجمع والاستعراض والجهاد، وكأن الإيقاع ليس محرماً في ذاته، وإنما يحرم إذا صاحبه فرح، ويحلّ إذا صاحبه موت.
وقد أبدع الخليفة عبد الله في المواكب والاستعراضات، فكان يخرج إلى صلاة الجمعة والعرضات في موكب مهيب تتقدمه الأمباية، البوق العاجي الضخم، والنحاسات الكبيرة، وفرسان الملازمين [16]. فالطرب لم يُلغَ في الحقيقة، وإنما أُمّم، فصار ملكاً للدولة تستخدمه في هيبتها، ومحرّماً على الرعية تستخدمه في أفراحها. وهي معادلة تعرفها أنظمة كثيرة، قديمة وحديثة، حيث تُعزف الموسيقى في الاستعراض العسكري ويُعاقب عليها في الحفل العائلي، ويصفّق الناس للمارشات لأن التصفيق للأغاني ممنوع.
الأعراس والمهور والمآتم، إصلاحٌ بالمسطرة
وتدخّل المهدي في أدق تفاصيل الزواج، فحدّد المهور بمقادير زهيدة، عشرة ريالات للبكر وخمسة للثيب المطلقة أو الأرامل وما أكثرهن نتيجة الحروب، كما ورد في الرواية المشهورة، ومنع الإسراف في الولائم وما يصحب الزواج من تكاليف، وكان غرضه المعلن تيسير الزواج على الفقراء والمجاهدين [3]. وهذا في ذاته إصلاح له وجاهته، وقد فعل بمنشور واحد ما عجزت عنه أجيال من الوعاظ، غير أنه جاء في حزمة واحدة مع منع الغناء والزغاريد والرقص، فصار العرس المهدوي عقداً وصلاة ووليمة متقشفة، وهو ما قد يفرح له والد العريس ويحزن له كل من عداه، ولا سيما العروس التي تُزفّ في صمت يشبه صمت المآتم.
وفي المآتم منع المهدي النواح ولطم الخدود وشق الجيوب، أي تقطيع المرأة لملابسها حول العنق والصدر كما فعلن في الجاهلية، ومنع التجمعات الطويلة للعزاء وما يصحبها من ذبائح وموائد [1]. ونهى كذلك عن كثير من الألفاظ الجارية على ألسنة الناس، وأمر بتسمية أتباعه «الأنصار» ومنع تسميتهم «الدراويش»، وهو الاسم الذي أصرّ عليه الأوروبيون بعناد يليق بمن لا يقرأ المنشورات [3]. ومن الإنصاف القول إن بعض هذه الإصلاحات، كتخفيف المهور والحدّ من إسراف المآتم، ظل يتردد صداه في دعوات إصلاحية سودانية لاحقة، وإن لم تنجح أي منها، مهدية كانت أم مدنية، في إقناع السودانيين بالتخلي عن «الشيلة» ولا عن «بيت البكاء».
النساء، الحجاب والسوق والبيت
فرضت المهديّة على النساء الحجاب الكامل، وقيّدت خروجهن إلا للحاجة، ومنعت اختلاطهن بالرجال في الأسواق والطرقات، وعاقبت المخالفات بالجلد [1]. والمشكلة أن المرأة السودانية، ولا سيما في الريف وبين البادية، لم تكن امرأة الحريم المحجوبة في القصور، بل، كانت تعمل في الحقل والمرعى وتبيع في السوق وتجلب الماء والحطب وتطحن الذرة، فجاء التشريع مصمماً لنمط حياة لا يعيشه أغلب السودانيين. وتذكر المصادر أن الحاجة الاقتصادية، ولا سيما في سنوات المجاعة، أعادت النساء إلى الأسواق بحكم الأمر الواقع، وأن التطبيق خفّ مع الزمن [15]، فالجوع، كما هو معلوم، أقوى فقيه في التاريخ.
ومن الجانب الآخر، شهدت أم درمان تكدّساً غير مسبوق للنساء، من أرامل الحروب، والسبايا من القبائل المهزومة، والجواري في بيت المال، ونساء الأسر الحاكمة السابقة، ونساء الأمراء. وكان حريم الخليفة نفسه مؤسسة كبيرة تضم زوجات وسراري من أصول شتى، ومنهن أميرات من بيت سلاطين الفور [7]. فالدولة التي حجبت المرأة باسم الطهارة، راكمتها في البيوت الكبيرة باسم الغنيمة، وتلك مفارقة لم تفت الأسرى الأوروبيين الذين كتبوا عنها بكثير من المبالغة وقليل من الحياء.
الحج والمذاهب والكتب، إلغاء الماضي بمرسوم
ومن أجرأ ما فعله المهدي أنه عطّل الحج، أو بعبارة أدق جعل الجهاد والهجرة إليه مقدّمين عليه، إذ كان الطريق يمرّ عبر أراضي «الترك» وموانئهم ألمسيطرين عليها في السودان أو الحجاز، وكان يرى أن الهجرة إليه والجهاد معه أولى من فريضة يمكن تأجيلها [3]. وكان هذا المنع من أثقل ما احتمله المسلمون في دارفور والغرب، ولا سيما حجاج غرب أفريقيا العابرون، وقد صار لاحقاً إحدى مظالم ثورة أبي جميزة كما سنرى في الجزء الثاني. فالرجل الذي جاء من تمبكتو في مالي قاصداً مكة وجد نفسه في أم درمان، يحمل حربة بدلاً من الإحرام، ويطوف حول قبة بدلاً من الكعبة.
وألغى المهدي المذاهب الفقهية الأربعة، وأعلن أن المرجعية الكتاب والسنة وما يُلهم به، وأمر بترك كتب الفقه والتفسير والتصوف، بل، بإحراق كثير منها، فكان في ذلك إلغاء لقرون من التراكم العلمي في الخلاوي والمساجد [3]. وبقي من الكتب المسموح بها المصحف، و«راتب» المهدي، ومنشوراته، وبعض كتب الحديث. وتصوّر عالماً سودانياً تربّى على «مختصر خليل» و«الرسالة» يُقال له إن ما قضى عمره في حفظه قد صار حطباً، فيقف متردداً بين أن يحفظ رأسه أو يحفظ كتابه، ثم يكتشف أن الأسلم أن يحفظ الكتاب في رأسه ويسلّم الورق للنار.
التصوف والمديح، هل صودر حبُّ النبي؟
هنا يبلغ التاريخ الاجتماعي للمهديّة ذروة مفارقاته. فالمهدي نفسه ابن التصوف السوداني، تتلمذ في الطريقة السمانية على الشيخ محمد شريف نور الدائم، ثم على الشيخ القرشي ود الزين، وكان زاهداً متصوفاً قبل أن يكون ثائراً، وكانت دعواه نفسها قائمة على الحضرات النبوية والرؤى والإلهام، وهي من صميم لغة التصوف [17]. ثم إن هذا الرجل نفسه ألغى الطرق الصوفية جميعاً، ومنع أورادها وأذكارها وحلقاتها، وأمر بأن يُستبدل بها «الراتب»، وهو مجموع أذكار وأدعية وآيات صاغه المهدي بنفسه وصار وِرد الأنصار الوحيد [1]. فكأن المتصوف الذي وصل إلى القمة ركل السلّم الذي صعد عليه، ثم أصدر منشوراً بتحريم السلالم، ومنشوراً آخر يؤكد أنه صعد بلا سلّم.
والسبب ليس غامضاً. فالطرق الصوفية كانت مؤسسات اجتماعية وسياسية قائمة بذاتها، لكل منها شيخ وخلفاء ومريدون وأوقاف ونفوذ، وبعضها، كالختمية، كان قد عقد صلة وثيقة بالحكومة التركية المصرية. ولم يكن ممكناً لدعوة تزعم أن صاحبها المهدي المنتظر، الذي لا شيخ فوقه، أن تترك إلى جوارها مشايخ يطلبون الطاعة من المريدين أنفسهم [17]. فكان إلغاء الطرق توحيداً للولاء قبل أن يكون تصحيحاً للعقيدة، وكان التصوف مسموحاً به بشرط واحد، أن يكون شيخه الوحيد هو المهدي، وحضرته الوحيدة حضرته، ووِرده الوحيد راتبه.
أما المديح النبوي، فلم تحرّمه المهديّة في ذاته، ولا نجد في منشورات المهدي نهياً عن مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، وكيف ينهى عنه رجل يعدّ نفسه خليفته ويرى أنه يلقاه في حضراته [1]. والذي حُرّم هو الإطار الاجتماعي الذي كان المديح يعيش فيه، حلقات الذكر بالطار والنوبة، والليالي الصوفية الطويلة، والذكر الحركي الذي يتمايل فيه الذاكرون، والزيارات إلى الأضرحة والقباب وما يصحبها من نذور وموالد [18]. فبقي المديح، لكنه صار مديحاً بلا طار، في مجالس منضبطة، وامتزج بمدح المهدي والجهاد، وأُضيف إليه إنشاد «الراتب». ولم يمت فن المديح السوداني، بل، انتظر في الظل حتى سقطت الدولة، فعاد بطاره ونوبته كأن شيئاً لم يكن، وهو دليل على أن المجتمعات تحفظ فنونها بطريقة لا تفهمها المنشورات.
ومن الطرائف التاريخية أن قباب الأولياء التي أهملتها المهديّة أو منعت زيارتها عادت فانتعشت بعد سقوط الدولة، وأن الدولة المهديّة نفسها، التي حرمت تعظيم الأضرحة، بنى خليفتها للمهدي قبة ضخمة صارت أعظم ضريح في السودان ومزاراً للأنصار، حتى جاء كتشنر فقصفها ثم نبش القبر [6]. فالمجتمع السوداني لم يتخلّ عن تقديس الأضرحة، وإنما غيّر العنوان.
الأمن، أمانٌ من اللصوص وخوفٌ من الدولة
إذا كان المقصود بالأمن قلة السرقات وقطع الطرق، فقد تحقّق في المدن الكبرى قدر لا بأس به منه، بفضل تطبيق الحدود بصرامة مرعبة، فكانت اليد تُقطع في السرقة، واليد والرجل من خلاف في الحرابة، والجلد في الشرب والتدخين والسبّ [3]. وكانت العقوبات تُنفّذ علناً في السوق وعلى رؤوس الأشهاد، كما يروي الأسرى الذين شهدوها [19]، فكان اللص المحتمل يرى مستقبله معلّقاً أمامه قبل أن يمدّ يده، وكان السوق نفسه، بما فيه من أيدٍ مقطوعة، أبلغ محاضرة في الأمانة يمكن أن تلقيها دولة على رعيتها.
أما إذا كان المقصود بالأمن أمان الإنسان من سلطته، فالصورة أقتم. فقد كان سجن أم درمان، المعروف بالساير نسبة إلى سجّانه إدريس الساير، مكاناً تتكدّس فيه الأجساد المقيدة بالسلاسل، ويموت فيه من يموت جوعاً ومرضاً، وقد قضى فيه نيوفيلد سنوات ووصفه بتفصيل مروّع [20]. وكانت الوشاية طريقاً إلى الحظوة، ومصادرة الأموال تنتهي كثيراً إلى بيت المال بتهم غامضة كالنفاق أو الاتصال بالترك [7]. فهو أمن من نوع خاص، تأمن فيه على نعلك ولا تأمن فيه على عنقك، وتنام مطمئناً إلى أن اللص لن يدخل بيتك، لأن الدولة قد تدخله قبله.
المعيشة والاقتصاد، بيت المال وسنة ستة
كان بيت المال قلب الاقتصاد المهدوي، إليه تُجبى الزكاة والفطرة والعشور، وإليه تؤول الغنائم من حروب الداخل والخارج، وأموال المصادرة، وتركات من لا وارث له، ومنه تُصرف أرزاق الجند والأمراء وأهل البيت [3]. وتطوّر في عهد الخليفة إلى جهاز ضخم، له فروع في الأقاليم، وبيت مال خاص بالملازمين حرس الخليفة، وكان أمينه من أخطر رجال الدولة وأكثرهم عرضة لغضبها. والمفارقة أن الثورة التي قامت ضد ضرائب الترك انتهت إلى نظام جباية لا يقل صرامة، وإن اختلفت الأسماء، فالضريبة صارت زكاة، والجابي صار أميراً، والكرباج صار حدّاً، والنتيجة في جيب الفلاح واحدة، مع فارق أن الترك كانوا يأخذون ويشتمون، والدولة الجديدة تأخذ وتدعو لك.
وعانت العملة من تدهور مطّرد. فقد ضرب المهدي بعد فتح الخرطوم نقوداً ذهبية وفضية بمعيار جيد، ثم أخذت الدولة في عهد الخليفة تخفّض نسبة المعدن النفيس في الريال شيئاً فشيئاً، حتى صارت العملة في سنواتها الأخيرة أقرب إلى النحاس المطلي، يتهرّب منها الناس ويُلزمهم بيت المال بقبولها [3]. وهكذا عرف السودانيون التضخم قبل أن يعرفوا اسمه، واكتشفوا أن الدولة التي تجلد من يغش في الميزان تستطيع أن تغش في العملة دون أن يجلدها أحد.
أما الكارثة الكبرى فكانت مجاعة «سنة ستة»، نسبة إلى عام 1306 للهجرة، الموافق لعامي 1888 و1889. وقد اجتمع فيها جفاف وضعف في الحصاد مع سياسات بشرية فاقمتها، فالخليفة كان قد أمر بتهجير قبيلته التعايشة وأقسام من البقارة إلى أم درمان، فتركوا مراعيهم وزروعهم وجاءوا إلى العاصمة يأكلون مما يُجبى من الجزيرة وضفاف النيل، وكانت الجيوش تُحشد في الشرق والشمال للحرب مع الحبشة ومصر [6]. فانتشر الجوع، وارتفعت أسعار الذرة أضعافاً مضاعفة، ومات عدد لا يُحصى من الناس في الطرقات، وتروي كتب الأسرى مشاهد مروعة لأكل الجيف وما هو أسوأ منها [7]. ولا تزال «سنة ستة» في الذاكرة السودانية مرادفة للجوع المطلق، يؤرخ بها الناس كما يؤرخ غيرهم بالطوفان.
وقد كشفت هذه المجاعة الطبيعة البنيوية لاقتصاد الدولة المهدية، فهو اقتصاد استخراج وإعادة توزيع أكثر منه اقتصاد إنتاج، عاصمة مستهلكة تعيش على الحبوب المجبية من الأطراف، وجيش ضخم لا يزرع، وقبائل رعوية نُزعت من مراعيها، وتجارة خارجية شبه مقطوعة بسبب الحصار والحروب [15]. وحين يكون المنتج قليلاً والآكل كثيراً والجابي نشطاً، لا يحتاج الجوع إلى معجزة ليصل، بل، يكفيه أن يسير على الطريق الذي مهّدته له الدولة.
المواصلات، من البرق إلى الجمل
ورثت المهديّة عن الحكم التركي المصري شبكة تلغراف تربط الخرطوم بحلفا ومصر وبالأقاليم إلى فشودة وكسلا والفاشر، وعدداً من البواخر النيلية، وطرقاً للقوافل. أما التلغراف فقد قُطعت أسلاكه وتعطّل خلال الحرب، ولم تُعِده الدولة، فعاد السودان إلى عصر المرسال على ظهر الجمل، وصارت الرسالة من أم درمان إلى الفاشر تحتاج أسابيع بعد أن كانت تحتاج ساعات [6]. وهي، بمقياس التقدم، خطوة إلى الوراء بحجم قرن، لكنها، بمقياس الأمن، أراحت الخليفة من خطر أن يسمع أحد في القاهرة ما يدور في أم درمان، وأراحت الأقاليم من خطر أن تصلها الأوامر بسرعة.
أما البواخر التي غنمها الأنصار بعد فتح الخرطوم فقد احتفظت بها الدولة، وأصلحتها في ترسانة أم درمان، واستخدمتها في نقل الجند والحبوب على النيل، وكانت من أثمن ما تملكه من تقنية [3]. واعتمد النقل البري على الجمال والحمير، وعلى الأقدام في كثير من الأحوال، وكانت القوافل التجارية محدودة بسبب القيود المفروضة على السفر والخوف من تهمة التواصل مع مصر. فلا جديد في المواصلات إلا أن القديم تهالك، والجمل وحده ظل على العهد لا يتغير، ولا يحتاج إلى قطع غيار، ولا يُتّهم بالتخابر مع الترك.
التنمية والتقدم، ترسانة ودار ضرب ومطبعة حجرية
لا يستقيم الحديث عن «تنمية» بالمعنى الحديث في الدولة المهدية، فهي دولة حرب قامت على فكرة أن الدنيا دار ممرّ مؤقتة، وأن الانشغال بعمارتها من صرف القلب عن الآخرة. ومع ذلك، ومن باب الأمانة، يجب ذكر ثلاث مؤسسات تقنية حافظت عليها الدولة، أولاها الترسانة في أم درمان، وكان يعمل فيها صناع مهرة ورثتهم الدولة من العهد السابق، ومنهم مصريون وأجانب مُسلَمون، تصلح البواخر والبنادق وتصنع البارود والذخيرة بقدر محدود. وثانيتها دار ضرب النقود، التي سكّت العملة المهدية بجودة متدهورة كما رأينا. وثالثتها المطبعة الحجريّة (Lithographic Press)التي غنمها الأنصار في الخرطوم، وطُبعت بها منشورات المهدي وراتبه، فكانت المهديّة من أوائل من استخدم المطبعة في الدعاية السياسية في السودان [3].
غير أن هذه المؤسسات الثلاث لم تكن نواة لتطور، بل، بقايا عهد سابق تُدار بعقلية الحفاظ لا التطوير. فلم تُنشأ في عهد المهدية مدرسة فنية، ولا طريق، ولا قناة ري، ولم يُبنَ مستشفى، ولم يُستقدم خبير، إذ كان الخبراء الوحيدون المتاحون أسرى يخطّطون للهرب. وكان الخليفة، بشهادة من عاشروه، قليل الاكتراث بالجغرافيا والتقنية الحديثة، واثقاً في أن النصر من عند الله وأن البنادق مجرد تفاصيل [7]. وهي ثقة سنرى في الجزء الثاني كم كلّفته في كرري، حيث تبيّن أن الله لا يغيّر سنن المدفعية لمن لا يقرأ في علمها.
المعمار، أم درمان مدينةٌ من طين
كانت الخرطوم في آخر عهد الترك مدينة ذات مبانٍ من الطوب الأحمر، فيها سراي الحكمدار والكنيسة والإرسالية وبيوت القناصل والتجار، وحدائق على النيل. فلما فُتحت في يناير 1885 اتخذ المهدي أم درمان على الضفة الغربية مقراً، ثم مضت الدولة في تفكيك الخرطوم ونقل أبوابها ونوافذها وطوبها وأخشابها إلى العاصمة الجديدة، فصارت العاصمة القديمة محجراً ومصدر لمواد البناء للعاصمة الجديدة [3]. وقد يكون في ذلك منطق عسكري ورمزي، فالخرطوم مدينة الترك، ولم يكن المنتصر يريد أن يسكن بيت عدوه، لكنه لم يمانع في أن يأخذ أبوابه.
ونمت أم درمان نمواً سريعاً، حتى صارت من أكبر مدن أفريقيا في زمانها، يسكنها عشرات الآلاف، وقدّرها بعض المعاصرين بأكثر من مئة ألف في ذروتها [15]. غير أنها كانت مدينة معسكر أكثر منها مدينة عمران، أحياؤها موزعة على القبائل والرايات، وبيوتها في الغالب من الطين والقش، قطاطي ورواكيب وحيشان، وأزقتها ضيقة متعرجة تتراكم فيها القمامة. وكان في وسطها المسجد، وهو ساحة واسعة محاطة بسور يصلي فيها عشرات الآلاف في العراء، وبيت الخليفة الذي صار اليوم متحفاً، وبيت المال، وقبة المهدي التي بناها الخليفة بعد وفاته [15]. وأحاط الخليفة مقره وحي الملازمين بسور ضخم، كان من أكبر أعمال البناء في الدولة، وهو ما يدل على أولوياتها، فالسور أهم من المدرسة، والحماية أهم من العمارة، وخوف الحاكم أهم من راحة المحكوم.
ومن الطريف أن من أشهر أحياء أم درمان الباقية حتى اليوم حياً يحمل أثر تلك المرحلة، هو المسالمة، الحي الذي سكنه المسيحيون واليهود الذين أُسلموا، فسُمّوا «المسالمة» أي الذين أسلموا حديثاً [15]. فالمعمار المهدوي لم يترك قصوراً ولا مساجد مزخرفة، لكنه ترك خريطة اجتماعية لا تزال محفورة في أسماء الأحياء، وهي أبقى من الطوب وأصدق من المنشورات.
التعليم والمدارس، الخلوة والراتب والمنشور
لم يكن في السودان التركي إلا بضع مدارس حديثة متواضعة، أغلقتها الحرب، فلم يبق من التعليم إلا الخلوة، المؤسسة التعليمية الأعرق في السودان. واستمرت الخلاوي في تحفيظ القرآن وتعليم القراءة والكتابة، وتعلّم فيها أطفال أم درمان والأقاليم، ومنهم بابكر بدري الذي سيصبح لاحقاً رائد تعليم البنات في السودان [4]. غير أن الخلوة في العهد المهدي فقدت نصف منهجها، إذ مُنعت كتب الفقه والتصوف، فصار التعليم تحفيظاً للقرآن والراتب والمنشورات، وضاق أفق المعرفة إلى ما تريده الدولة، وفي هذا المجال لا تريد الدولة كثيراً.
ولم تنشئ الدولة المهدية مدرسة واحدة من نوع جديد، ولا اهتمت بتعليم الحساب أو اللغات أو العلوم، وكان الكتبة في دواوينها في الغالب من بقايا موظفي العهد التركي، وبعضهم أقباط ومصريون [5]. ومن المفارقات أن الدولة التي احتاجت إلى كتبة لتسيير بيت المال والمكاتبات والعرضات، لعد الرايات واعدادالجند الحاضرين وأهم من ذلك الغائبين، لم تفكر في تخريج كتبة جدد، فكأنها افترضت أن الكتبة ينبتون من الأرض كالذرة في الخريف، أو أن القيامة ستقوم قبل أن يموت آخرهم.
الصحة والنظافة، الجدري والتيفوس والذباب
لم تعرف الدولة المهدية الطب الحديث إلا من خلال بقايا الأطباء والصيادلة الأسرى، واعتمد الناس على الطب الشعبي، والكي، والأعشاب، والمحايات والبخرات، والأدعية [15]. وقد مات المهدي نفسه في يونيو 1885 على عمر الأربعين، بعد أشهر قليلة من فتح الخرطوم، بمرض يرجّح أكثر المؤرخين أنه التيفوس (Typhus) وتسببه باكتيريا ال (Rickettsia) ، ووينقلها قمل التيفوس الوبائي والازدحام وسوء النظافة، فكان موته في ذاته شهادة على الأحوال الصحية للعاصمة الوليدة [3]. وهو مرض يرتبط بالقمل والازدحام وسوء النظافة وهو غير حمى التايفويد المعوية، فكان موته في ذاته شهادة على الأحوال الصحية للعاصمة الوليدة [3]. فالرجل الذي هزم هكس وغوردون هزمته قملة، وهي عبرة تستحق أن تُكتب على باب كل وزارة صحة.
وتفشّى الجدري في أم درمان مرات عدة وحصد الكثيرين، وتفشّت الحميات والدوسنتاريا، ولا سيما في سنوات المجاعة حين أضعف الجوع الأجساد [7]. وكانت أم درمان بلا نظام للصرف أو جمع القمامة، وكانت الجثث والجيف تُترك أحياناً في الطرقات والخيران، وأسراب الذباب تحوم فوق الأسواق، وقد وصف الأسرى رائحة المدينة بعبارات لا تليق بمقال محترم [20]. وإذا كانت النظافة من الإيمان، فقد كانت أم درمان مدينة إيمانها في القلوب لا في الشوارع.
الجمال والزينة، الجبة المرقّعة موضةً رسمية
حين أراد المهدي أن يعبّر عن الزهد والمساواة اختار لأتباعه الجبة المرقّعة، وهي قميص من الدمور تُخاط عليه رقع ملونة، إشارة إلى الفقر وترك الدنيا، ومعها العمامة والطاقية والسبحة والحربة [16]. وكانت الفكرة في أصلها زهدية صادقة، فالرقعة علامة الفقير الذي لا يملك ثوباً جديداً. غير أن الرقعة سرعان ما تحولت إلى زينة، فصارت الجبب تُخاط برقع مرتّبة الألوان والأشكال، مربعات منتظمة بالأحمر والأسود والأزرق، وصار الأمراء يلبسون جبباً مرقّعة من أجود القماش، يتفاخرون برقعها كما يتفاخر غيرهم بالحرير [16]. فانتهى رمز الفقر إلى أن يصير موضة، وهي سُنّة الأزياء في كل زمان، أن كل زهد يُلبس يتحوّل إلى أناقة، وكل رقعة تُخاط عمداً تكفّ عن أن تكون رقعة.
أما زينة النساء فقد ضيّقت عليها المهديّة، فمنعت كثيراً من مظاهر التجمّل العلني والتبرّج، والمبالغة في الحلي والعطور في المناسبات العامة، ومنعت الزغاريد والرقص، وهو ما حرم المرأة السودانية من أهم ساحات حضورها الاجتماعي، العرس [1]. ولكن الجمال، كالتمباك والمريسة والمديح، لم يمت، وإنما انسحب إلى الداخل، إلى الحوش وحفرة الدخان والدلكة والحناء، تلك الطقوس التي تمارسها النساء بين الجدران، حيث لا تصل عين المحتسب ولا منشور المهدي، وحيث كانت المرأة السودانية تمارس معارضتها الخاصة بالعطر والبخور.
خاتمة الجزء الأول، مجتمعٌ أكبر من منشوراته
يكشف التاريخ الاجتماعي للمهديّة عن مفارقة أساسية، أن الدولة كانت تملك من الإرادة أكثر مما تملك من الأدوات. فقد أرادت أن تعيد صياغة المجتمع السوداني بالكامل، في طعامه وشرابه وأفراحه وأحزانه ولباسه وتعليمه وتديّنه، لكنها لم تملك الجهاز الإداري الذي يمكّنها من ذلك إلا في أم درمان وبعض المراكز، فكان المجتمع في الأطراف يعيش كما كان، وفي العاصمة يتظاهر بما يُطلب منه ويحتفظ بما يريد في الداخل [15]. وحين سقطت الدولة عادت الطبول والزغاريد والطار والتمباك والمريسة والقباب في غضون أشهر، وكأن سبع عشرة سنة من التحريم كانت مجرد فاصل طويل في برنامج لم يتوقف.
غير أن من الظلم أن نختزل المهديّة في قائمة محرّماتها، فقد صنعت أم درمان، أول مدينة سودانية كبرى تجتمع فيها قبائل السودان المختلفة وتتزاوج وتتبادل اللهجات، ومنها خرجت لاحقاً بذور هوية وطنية مشتركة [15]. وتلك قصة أخرى، أعقد وأكثر إيلاماً، يتناولها الجزء الثاني، حيث ننتقل من المجتمع الذي خضع إلى المجتمع الذي عارض، ومن المحرّمات إلى المحرومين.
المراجع
[1] محمد إبراهيم أبو سليم (جمع وتحقيق)، منشورات المهدية، بيروت: دار الجيل، 1979.
[2] F. R. Wingate, Mahdiism and the Egyptian Sudan, London: Macmillan and Co., 1891.
[3] P. M. Holt, The Mahdist State in the Sudan 1881–1898: A Study of Its Origins, Development and Overthrow, 2nd ed., Oxford: Clarendon Press, 1970.
[4] بابكر بدري، تاريخ حياتي، الجزء الأول، 1959.
[5] يوسف ميخائيل، مذكرات يوسف ميخائيل: التركية والمهدية والحكم الثنائي في السودان، تحقيق أحمد إبراهيم أبو شوك، أم درمان: مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، 2004.
[6] P. M. Holt and M. W. Daly, A History of the Sudan: From the Coming of Islam to the Present Day, 5th ed., Harlow: Longman, 2000.
[7] Rudolf C. Slatin, Fire and Sword in the Sudan: A Personal Narrative of Fighting and Serving the Dervishes, 1879–1895, trans. F. R. Wingate, London: Edward Arnold, 1896.
[8] Hamid A. Dirar, The Indigenous Fermented Foods of the Sudan: A Study in African Food and Nutrition, Wallingford: CAB International, 1993.
[9] Fredrik Barth, “Economic Spheres in Darfur,” in Raymond Firth (ed.), Themes in Economic Anthropology, London: Tavistock Publications, 1967.
[10] S. F. Nadel, The Nuba: An Anthropological Study of the Hill Tribes in Kordofan, London: Oxford University Press, 1947.
[11] حسن نجيلة، ذكرياتي في البادية، بيروت: دار مكتبة الحياة، 1964.
[12] E. E. Evans-Pritchard, The Nuer: A Description of the Modes of Livelihood and Political Institutions of a Nilotic People, Oxford: Clarendon Press, 1940.
[13] E. E. Evans-Pritchard, Witchcraft, Oracles and Magic among the Azande, Oxford: Clarendon Press, 1937.
[14] John Lewis Burckhardt, Travels in Nubia, London: John Murray, 1819.
[15] Robert S. Kramer, Holy City on the Nile: Omdurman during the Mahdiyya, 1885–1898, Princeton: Markus Wiener Publishers, 2010.
[16] Kim Searcy, The Formation of the Sudanese Mahdist State: Ceremony and Symbols of Authority, 1882–1898, Leiden: Brill, 2011.
[17] Ali Salih Karrar, The Sufi Brotherhoods in the Sudan, London: C. Hurst & Co., 1992.
[18] Gabriel Warburg, Islam, Sectarianism and Politics in Sudan since the Mahdiyya, London: Hurst & Company, 2003.
[19] Joseph Ohrwalder, Ten Years’ Captivity in the Mahdi’s Camp, 1882–1892, ed. F. R. Wingate, London: Sampson Low, Marston & Company, 1892.
[20] Charles Neufeld, A Prisoner of the Khaleefa: Twelve Years’ Captivity at Omdurman, London: Chapman & Hall, 1899.

rkhalifa747@gmail.com

Author
الرشيد خليفة

الرشيد خليفة

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
سودانير … الخلل والإصلاح (و … حديث في المسكوت عنه) .. بقلم: د. فتح الرحمن عبد المجيد الامين
بيانات
حركة/ جيش تحرير السودان بقيادة الأستاذ عبد الواح: ملحق التقرير عن الوضع الصحي في قري ومناطق جبل مرة
منبر الرأي
إشانة السمعة وحرية التعبير .. بقلم: نبيل أديب عبدالله /المحامي
منبر الرأي
العرب والاجانب وبوادر اصطدام في اوربا .. بقلم: شوقي بدري
منبر الرأي
عبد الله حمدوه السِنَّاري: مُقرئ الحرم المكي الثبت ومعلم مدرسة الفَلاح الكفؤ .. بقلم: أ.د. أحمد إبراهيم أبوشوك

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

حب الوطن والضمير الحي هما أسباب تقدم الأمم .. بقلم: د. عبدالله سيد احمد

طارق الجزولي
منبر الرأي

الصادق المهدي وادمان السلطة على حساب الشعب .. بقلم: د. زاهد زيد

طارق الجزولي
منبر الرأي

النائب العام يفصح عن الوضع القانوني لقضايا مازالت وستظل تؤرق ليل الفترة الانتقالية ومابعدها .. بقلم: حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي

طارق الجزولي
منبر الرأي

في “سباتة” السياسة السودانية: هل من مخرج بعد رقصة الحرب الاخيرة؟

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss