الريح عبد القادر
يقول المولى عز وجل في محكم تنزيله إن الساعة سرٌّ مطلق لا يعلمها إلا هو: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾. ولكن، إذا نظرت إلى واقع المسلمين اليوم، ستجد أن كلاً منا يزعم في قرارة نفسه أنه يعلمها!
“هل يمكن أن تقوم الساعة غداً؟”
للأسف سيقول معظمنا لا، والسبب أن العلامات التي ينتظرها الناس لم تظهر بعد!
ولكن يجب أن ننبته إلى حقيقة أنّ من قال إن الساعة لا يمكن أن تقوم في أي لحظة يكون قد ادّعى علم الساعة ونازع الله عز وجل استئثاره بعلمه بها. يقول جل من قائل: ” ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ۚ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ۗ يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
هذه الآية وحدها تجمع كل ما نحتاجه من علم الساعة. كلمة “إنما” و”إلا” تفيدان الحصر، أي لا أحد غيره يعلمها.
لا نبي مرسل ولا ملك مقرب.
وعلم الساعة عند ربنا هو معرفة وقتها، فلا يعلم وقتها إلا هو؛
وعلمها عندنا هو خفاء وقتها ومباغتتها لنا، أي يجب ألا يكون لدينا أي فكرة عن موعد وقوعها.
فكمال علمنا بالساعة هو جهلنا التام بوقتها.
وهذا هو علم الساعة الذي جاء في القرآن.
ستقوم الساعة والناس يمارسون نشاطاتهم العادية فتباغتهم وتبهتهم وهو غير مستعدين وغير مصدقين.
ومن الأشياء التي تساعد على عدم الاستعداد للساعة أن يكون الناس مطمئنين إلى أنها الساعة تقوم في أي وقت قريب.
وتوضح لنا هذه الآية العظيمة أن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس فقط لا علم له بوقت الساعة، وإنما يجب إلا يكون معنياً بالبحث والخوض في هذا السؤال أصلاً، ناهيك عن الإجابة عنه. فالإحفاء في قوله تعالى “يسألونك كأنك حفي عنها” مأخوذ من “الإحفاء في السؤال” وهو الإلحاح والتدقيق الشديد لـمعرفة خفايا الأمر. أي: يسألونك كأنك بحثت عنها واعتنيت بمعرفة وقتها حتى أصبحت عالماً بخفيّ وقتها، مع أن الله سبحانه وتعالى قد استأثر بعلمها وحده. وفي هذا الجزء من الآية نهي للنبي صلى الله عليه وسلم عن السؤال عن وقت الساعة.
وبالطبع نحن لا نقول مباشرةً إننا نعلم الساعة، ولكننا ندعي علمها سلوكياً؛ فبينما يقرع القرآن قلوبنا بأن القيامة قد تفاجئنا في أي لحظة، يعيش أصغرنا وأكبرنا —من العالم في محرابه إلى راعي الضأن في الخلاء— مطمئناً إلى أن الساعة لن تقوم غداً ولا العام المقبل. لماذا؟ لأن العلامات لم تظهر!
وهنا تبرز المفارقة الفاضحة: إذا كنت تحمل في يدك قائمة “العلامات المزعومة” وتنتظر حدوثها بالتسلسل، فما الذي ينقص علمك بموعدها؟! لقد صرنا نحدد للقيامة جدولاً زمنياً وشروطاً أرضية، ونسينا أننا بهذا ننازع الله في أخص صفات الساعة: السرية المطلقة، والمجيء المباغت.
خديعة “العلامات” ونسف “البغتة”
لقد استبدلنا المفهوم القرآني بمفاهيم عرفية خدرت وعينا الوجودي. القرآن الكريم حاسم وقاطع في أن الساعة لا تأتي إلا ﴿بَغْتَةً﴾ (أي مفاجأة محضة لا مقدمات زمنية لها). والعلامة في اللغة هي المؤشر التصاعدي الذي يُمهد للشيء ويُنذر بقربه تتابعاً. وبالتالي فإن القول بوجود “علامات زمنية” يترقبها الناس يقضي تماماً على مفهوم البغتة والمباغتة؛ لأنه يمنح البشرية صمام أمان زمني مزيفاً، ويجعلهم في حالة استرخاء غافل، بينما أراد الله للقلب المؤمن أن يكون في حالة استنفار دائم وترقب مستمر في كل ثانية.
شفرة اللفظ القرآني.. الأشراط ليست علامات
لم يذكر القرآن الكريم لفظ “علامات الساعة” قط، بل قال: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾. وهناك بَوْن شاسع بين العلامة والشرط. فالأشراط هي الشروط الوجودية والموجِبة؛ في منظومة العدل الإلهي، لا يمكن عقلاً ولا شرعاً أن تقوم القيامة ويُحاسب البشر إلا إذا استُوفِيتْ شروط إقامة الحجة التامة عليهم (إرسال الرسل، إنزل الكتب، وبلاغ الإنذار)، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. إذن، “أشراط الساعة” هي حزم الإنذار التشريعي والرسالي التي قيد الله بها قيام الساعة حتى تكتمل الحجة على الوجود.
بعثة محمد ﷺ.. استيفاء الشرط الأخير
حين نزل قوله تعالى في سورة محمد ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾، كان الإعلان الإلهي واضحاً ومخيفاً: لقد اكتملت الشروط التشريعية والقانونية للكون، ونزل الكتاب المهيمن، وبُعث الرسول الخاتم ﷺ الذي قال: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ». هذا يعني أنه لا يفصلنا عن القيامة أي شرط إنذاري متبقٍ. الوجود الأرضي الآن مستوفٍ تماماً لشروط المحاكمة الربانية، وصحيفة الدنيا مؤهلة للإغلاق والانفجار الكوني في أي جزء من اللحظة دون سابق إنذار.
الاستهتار باليوم الآخر ورضا الغفلة
إن ركوننا إلى الأساطير والروايات التي تؤجل القيامة هو نوع من الاستهانة المبطنة باليوم الآخر، وهرب نفسي من استحقاق التقوى الفورية. لقد رضينا بالغفلة لأنها مريحة تتيح لنا تأجيل التوبة. إن الإيمان الحقيقي باليوم الآخر يقتضي أن نمزق “قائمة العلامات المزعومة” التي نتوهمها صمام أمان، ونوقن أن غداً غير مضمون بالكلية، وحينها فقط ندرك جلال الوعيد القرآني: ﴿فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾
