باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الإثنين, 5 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
وجدي كامل
وجدي كامل عرض كل المقالات

حرب السودان والصدمة المعرفية: نحو إعادة بناء الأسئلة السودانية بعد الحرب

اخر تحديث: 4 أكتوبر, 2026 8:22 مساءً
شارك

وجدي كامل

إذا كنا قد رأينا الحرب في القتال والدمار والنزوح والإهانات والموت، فذلك ربما كان الوجه الأكثر وضوحًا لها، بل ربما كان من الطبيعي أن يستحوذ على اهتمامنا في السنوات الأولى منها. غير أن الحرب، وكلما طال أمدها واتسعت آثارها، تبدأ في الكشف عن وجه آخر أكثر أذًى وخرابًا. إنها الطريقة التي كنا نفكر بها في السودان، وعنه.

هذه الفكرة لم تكن واضحة في البداية، ولذلك فإننا احتجنا إلى مسافة من الحرب حتى نراها. فقد وجد المثقف السوداني نفسه، بعد سنوات طويلة ظل يعمل فيها داخل أنواع وحقول معرفية محددة، فجأة أمام أسئلة لم تكن في صميم اهتماماته من قبل. إنها أسئلة لم تكن تحتل موقعًا مركزيًا في تفكيره. بل إن بعضها كان يُطرح على استحياء، أما البعض الآخر فقد كان يبدو وكأنه ينتمي إلى الماضي، والماضي البعيد.

ثم جاءت الحرب. فإذا بملفات قديمة تعود إلى الواجهة بوصفها مفاتيح محتملة لفهم ما يجري.

هنا تبدأ، في تقديري، فكرة الصدمة المعرفية.

فالصدمة ليست أن نكتشف، او نقول بأن السودان يواجه أزمة، فهذا أمر ظل حاضرًا في وعينا السياسي منذ الاستقلال. وليست في أن نكتشف أن الدولة ضعيفة، أو أن الجيش لاعب أساسي في السياسة، أو أن العلاقة بين المركز والأطراف علاقة لم تستقر. فكل هذه أمور عرفناها وكتبنا عنها.

الصدمة الأعمق تكمن في أن الحرب جعلتنا نسأل إن كانت المعرفة التي أنتجناها عن إخفاقاتنا كانت كافية حتى نؤسس وعيًا مضادًا لها؟.
ان الأمر سيختلف هنا، لأننا إذا إذا ما اكتفينا بالقول إن السياسة فشلت، أو إن النخب أخفقت، أو إن الدولة انهارت، فإننا سنعيد إنتاج اللغة التي اعتدنا استخدامها في تفسير أزمات السودان. أما إذا سألنا لماذا لم نرَ بعض ما أصبح واضحًا لنا الآن، فإن السؤال ينتقل من مجال السياسة إلى مجال المعرفة نفسها.
ماذا كنا نرى؟ وماذا لم نرَ ؟ولماذا؟

ربما يكون من المفيد هنا أن نتصور الحرب بوصفها خطًا فاصلًا، لا بين زمنين سياسيين فحسب، وإنما بين طريقتين في النظر إلى السودان.

لا يعني ذلك أن كل ما كتب قبل الحرب أصبح باطلًا، ولا أن علينا أن نرمي جانبًا تاريخًا طويلًا من الدراسات والكتب والأبحاث. هذا سيكون موقفًا متسرعًا في الغالب . لقد أنتج الباحثون السودانيون، إلى جانب باحثين من خارج السودان، معرفة واسعة ومهمة عن تاريخ البلاد ومجتمعها وثقافتها وسياساتها. لكن قيمة هذه المعرفة لا تمنعنا من العودة إليها والسؤال عن حدودها.

ربما كانت المشكلة في بعض الأحيان في الأسئلة التي لم نطرحها، أكثر منها في الإجابات التي قدمناها. وهنا يصبح ما بعد الحرب مختلفًا.
فنحن لا نحتاج فقط إلى معرفة جديدة، وإنما إلى إعادة ترتيب للأسئلة.
وهذا، في رأيي، هو المدخل الحقيقي لإعادة بناء المعرفة السودانية.

فقد اعتدنا أن نقرأ تاريخ السودان في صورة مراحل متعاقبة: تاريخ مسيحي وممالك، سلطنة زرقاء، مهدية، استعمار، حركة وطنية، استقلال، ثم أنظمة سياسية متعاقبة. لكن هذا الترتيب، على الرغم من فائدته، قد يجعل التاريخ يبدو أكثر استقامة مما كان عليه في الواقع. فالمجتمعات لا تنتقل من مرحلة إلى أخرى كما تنتقل الفصول في كتاب مدرسي. الأشياء القديمة لا تختفي بالضرورة عندما تأتي الأشياء الجديدة. كثير منها يبقى، ويتغير، ويعيد إنتاج نفسه في صورة أخرى.

ولهذا فإن إعادة قراءة السودان تقتضي أن نعود إلى الجذور الأبعد التي صنعت المجتمع الذي دخل القرن العشرين، وأصبح جزءًا مما نعيشه.

من هنا تكتسب التحولات التي حدثت في السودان بعد السلطنة الزرقاء أهمية لا يمكن تجاوزها. فالسودان الذي دخل القرن التاسع عشر لم يكن هو السودان الذي خرج منه. حدثت تحولات في أنماط السلطة، وفي التجارة، وفي العلاقات الدينية والاجتماعية، وفي حركة السكان، وفي علاقة الجماعات بعضها ببعض. وتداخلت هذه التحولات مع امتداد الثقافة العربية والإسلامية، ومع علاقات السودان بمصر والحجاز ووسط أفريقيا والحبشة وغيرها.

وليس المطلوب هنا أن نعيد كتابة تاريخ السودان من زاوية واحدة، أو أن نضع «العروبة» و«الأفريقانية» في طرفي معادلة بسيطة. فهذه الطريقة نفسها ربما تكون واحدة من المسلمات التي تحتاج إلى مراجعة.

إن الأهم هو أن نسأل كيف تشكلت الهويات السودانية تاريخيًا، وكيف تغيرت، وكيف أصبحت بعض عناصرها أكثر حضورًا من غيرها، وكيف دخلت السلطة والدين واللغة والتجارة والهجرة والحرب في هذا التكوين.

وهنا يصبح ملف الاسترقاق وتجارته واحدًا من الملفات التي يصعب تأجيل بحثها أو الاكتفاء بما تمت كتابته عنها.

فقد ظل الاسترقاق حاضرًا في تاريخ السودان، لكن حضوره في النقاش العام لم يكن دائمًا متناسبًا مع أثره الاجتماعي والسياسي. وقد كان من السهل أحيانًا أن نتعامل معه باعتباره فصلًا من الماضي، ثم ننتقل إلى تاريخ الدولة الحديثة وكأن المجتمع بدأ من جديد.

لكن المجتمعات لا تنسى بهذه السهولة.

فالاسترقاق لم يكن تجارة فقط، وإنما كان علاقات اجتماعية ومواقع ومكانات وأحكامًا على البشر، وترك آثارًا لم تختفِ بمجرد تغير القوانين. ولذلك فإن العودة إليه ليست محاولة لفتح جرح قديم من أجل فتحه، وإنما محاولة لفهم بعض ما بقي من ذلك التاريخ في بنية المجتمع وفي تصورات الناس عن الانتماء والمكانة والآخر.

وإذا كانت الحرب قد أعادت إلى الواجهة مسائل الأرض والهوية والسلطة والعلاقة بين الجماعات، فمن الصعب أن نعتبر هذا الملف خارج دائرة الأسئلة التي ينبغي أن نفكر فيها.

ثم تأتي المهدية.

وهنا أيضًا ربما نحتاج إلى أكثر من القراءة التقليدية التي تنظر إليها باعتبارها ثورة دينية وسياسية ضد الحكم التركي المصري انتهت بسقوط الدولة المهدية.

المهدية كانت تجربة لإعادة بناء الشرعية نفسها.

لقد أعادت تعريف السلطة، وأعادت ترتيب العلاقة بين الدين والسياسة، وأدخلت المجتمع السوداني في تجربة سياسية وعسكرية واجتماعية واسعة. ثم جاء الاستعمار البريطاني المصري إلى السودان بعد ذلك، ولم يدخل مجتمعًا خاليًا من التاريخ، وإنما دخل مجتمعًا خرج لتوه من تجربة كبرى.

وهذا مهم.

لأن الدولة الاستعمارية لم تبنِ السودان من الصفر. لقد تعاملت مع مجتمع موجود، ومع قوى اجتماعية موجودة، ومع ذاكرة للمهدية، ومع شبكات دينية وقبلية وتجارية، ثم أعادت ترتيب هذه العناصر بما يتفق مع مصالحها وطريقة حكمها.

ومن هنا لا يكفي أن ندرس الاستعمار باعتباره احتلالًا أجنبيًا.

علينا أن نسأل أيضًا: ماذا فعل الاستعمار بالمجتمع الذي حكمه؟

كيف أعاد تنظيم الإدارة؟

كيف تعامل مع القبائل؟

كيف رسم الحدود؟

كيف أعاد ترتيب علاقة الشمال بالجنوب؟

كيف أنشأ جهازًا تعليميًا وإداريًا جديدًا؟

كيف تعامل مع الإسلام؟

كيف نشأت الطبقات الجديدة من الموظفين والمتعلمين؟

وكيف خرج من داخل هذه العملية نفسها أولئك الذين سيصبحون لاحقًا نواة الحركة الوطنية؟

هذه الأسئلة تقودنا، بصورة تكاد تكون طبيعية، إلى 1924.

ربما لا توجد لحظة في تاريخ السودان الحديث تستحق إعادة القراءة بعد الحرب مثل تجربة اللواء الأبيض وثورة 1924.

ليس لأنها أول حركة وطنية في السودان بالمعنى الزمني، ولا لأنها وحدها تفسر ما حدث بعد ذلك، وإنما لأنها تكشف لحظة كان فيها تعريف السودان السياسي نفسه لا يزال مفتوحًا على احتمالات متعددة.

من هو السوداني؟

ومن يحق له أن يتحدث باسم السودان؟

هل يمكن أن تكون الوطنية رابطة تتجاوز القبيلة والمكان والأصل الاجتماعي؟

وهل كان الجيش جزءًا من الحركة الوطنية، أم أن العسكريين كانوا يتحركون داخل حركة سياسية أوسع؟

حتى اسم «اللواء الأبيض» نفسه، الذي تعاملت معه الكتابات اللاحقة في كثير من الأحيان بوصفه اسم جمعية، يبدو اليوم جديرًا بإعادة الفحص.

فالشهادة التي نقلتها بعض المصادر عن عبد اللطيف الضوء، مثلًا، وفيها أن علي عبد اللطيف تحدث عن «حزب» باسم اللواء الأبيض، لا تكفي وحدها لإعادة تعريف الحركة، لكنها تفتح بابًا يستحق أن يظل مفتوحًا. وإذا كانت الحركة قد عُرّفت في بعض مراحلها، أو في حديث بعض المشاركين فيها، باعتبارها «حزبًا»، فما طبيعة هذا الحزب؟ وكيف كانت علاقته بالعسكريين والمدنيين؟ وهل كانت البنية التي حملت الحركة أكثر مرونة مما توحي به صورة «الجمعية» التي استقرت في بعض الكتابات؟

هذه ليست أسئلة شكلية.

لأن الإجابة عنها يمكن أن تغير فهمنا لطبيعة السياسة التي كانت تتشكل في السودان في تلك اللحظة.

لكن 1924 لا تبدأ في 1924.

وهنا ربما تكون واحدة من مشكلات القراءة التقليدية للحركة.

فالسنوات التي سبقت الثورة كانت مليئة بالتغيرات. ومن بينها صدور قانون المناطق المغلقة سنة 1922، الذي أصبح جزءًا من السياسة البريطانية تجاه الجنوب، وأدخل العلاقة بين الشمال والجنوب في مسار مختلف.[1]

والسؤال الذي يثير اهتمامي الآن ليس فقط لماذا صدر القانون، ولا كيف طبقته الإدارة البريطانية، وإنما كيف كان السودانيون الذين كانوا يتحركون سياسيًا في الشمال ينظرون إلى هذه السياسة؟

هل كانت الحركة الوطنية تعرف تفاصيلها؟

هل ناقشها اللواء الأبيض؟

هل كان علي عبد اللطيف يعرف شيئًا عنها؟

هل ظهرت في مراسلات أو اجتماعات أو صحافة تلك السنوات إشارات إلى مستقبل الجنوب؟

وهل كانت هناك، في المقابل، تصورات بريطانية تربط بين النشاط الوطني في الشمال وبين ضرورة إعادة تنظيم الجنوب؟

لا أريد أن أجيب عن هذه الأسئلة قبل أن نجد الوثائق.

بل إن أهمية السؤال هنا تكمن في أننا لم نعثر، في حدود ما قرأناه حتى الآن، على ما يكفي لإقامة هذه الصلة.

وهذا في حد ذاته أمر يستحق التوقف.

فكيف يمكن أن نقرأ تاريخ الحركة الوطنية في السنوات التي صدر فيها قانون بهذه الأهمية، ثم لا نسأل عن موقع الجنوب في خطابها السياسي؟

ربما لا توجد صلة.

وربما توجد وثائق لم نصل إليها بعد.

والبحث الحقيقي يبدأ من هذه المنطقة تحديدًا.

ولهذا فإن إعادة قراءة 1924 بعد الحرب لا ينبغي أن تقتصر على الكتب التي كتبت عنها. علينا أن نعود إلى الوثائق نفسها.

ملفات Foreign Office، وخاصة FO 371 وFO 407، وتقارير الإدارة البريطانية في السودان، والوثائق المصرية المعاصرة، ومحاضر البرلمان المصري، والصحافة في الخرطوم والقاهرة، ومواد Sudan Archive في جامعة درهام، إلى جانب ما يمكن الوصول إليه من الوثائق السودانية، كلها يمكن أن تساعد في إعادة بناء السنوات 1922–1925 بصورة أكثر دقة. وتتوفر بالفعل في أرشيف جامعة درهام أعداد من Sudan Gazette تمتد خلال هذه السنوات، إلى جانب مواد أرشيفية تتصل مباشرة باضطرابات 1924 واللواء الأبيض.

ليس الهدف أن نجد في الوثائق ما يؤيد الفكرة التي دخلنا بها إلى البحث.

بل ربما تكون النتيجة الأفضل أن نجد فيها ما ينقض الفكرة.

فإذا لم نجد أي علاقة بين قانون المناطق المغلقة واللواء الأبيض، فهذه نتيجة.

وإذا وجدنا رسائل أو تقارير تشير إلى أن الضباط أو السياسيين كانوا يناقشون المسألة، فهذه نتيجة أخرى.

أما أن نفترض العلاقة ثم نبني عليها، فهذا ليس بحثًا.

وهنا، في رأيي، تكمن إحدى أهم المهام التي فرضتها الصدمة المعرفية التي أحدثتها الحرب: أن نعيد الاعتبار للوثيقة أمام الرواية المستقرة.

وهذا يقودني إلى مسألة الاستقلال.

فقد اعتدنا أن نقرأ تاريخ الحركة الوطنية باعتباره طريقًا انتهى بالاستقلال في 1956. لكن ربما نحتاج إلى النظر إلى الأمر من الجهة الأخرى.

ماذا ورث السودان عند الاستقلال؟

ورث دولة.

لكن أي دولة؟

ورث جهازًا إداريًا، وجيشًا، ونظامًا تعليميًا، وتقسيمات إدارية، وعلاقات اجتماعية وسياسية أعيد تشكيلها خلال الحكم الثنائي.

ورث أيضًا تاريخًا من الصراعات حول معنى الوطنية ومن يملك حق تمثيلها.

ولهذا فإن السؤال عن الاستقلال لا ينبغي أن يكون فقط: كيف حصل السودان عليه؟

بل أيضًا:

ما الذي بقي من الدولة الاستعمارية داخل الدولة المستقلة؟

وهل كان الاستقلال السياسي كافيًا لتغيير قواعد اللعبة التي تشكلت قبل الاستقلال؟

وإذا لم يكن كذلك، فكيف استمرت تلك القواعد في التأثير في السياسة السودانية بعد 1956؟

هذه الأسئلة تعيدنا مرة أخرى إلى 1924.

فربما كانت هزيمة الثورة واحدة من اللحظات التي أعيد فيها تحديد المجال الذي ستتحرك داخله السياسة السودانية لاحقًا. وليس من الضروري أن يكون ذلك نتيجة لخطة واحدة مرسومة سلفًا. قد يكون نتيجة تراكم قرارات وسياسات وإجراءات، بعضها مقصود وبعضها جاء استجابة للظروف.

لكن النتيجة النهائية تظل جديرة بالدراسة.

ما الذي تغير إذن؟

ربما لم تغير الحرب تاريخ السودان.

لكنها غيرت الطريقة التي نحتاج إلى أن نقرأ بها هذا التاريخ.

وهذه نقطة أراها أساسية.

فالمستقبل السوداني لن يصنعه السياسيون وحدهم، ولن تصنعه الاتفاقيات السياسية وحدها، ولن يكفي لإعادة بنائه أن نعيد المؤسسات التي تهدمت. هناك شيء آخر يجب أن يعاد بناؤه، وهو قدرتنا على فهم المجتمع الذي نريد أن نبني له دولة جديدة.

ولهذا فإن إعادة قراءة التاريخ ليست ترفًا ثقافيًا يأتي بعد انتهاء الحرب.

إنها جزء من العمل الذي ينبغي أن يبدأ الآن.

نحن بحاجة إلى أن نعيد النظر في المسلمات التي استقرت طويلًا في الوعي السوداني، لكن من دون أن نحول المراجعة إلى هدم شامل.

نحتاج إلى أن نقرأ تاريخ الاسترقاق من جديد.

وأن نقرأ المهدية من جديد.

وأن نقرأ الاستعمار لا باعتباره مجرد فترة احتلال، وإنما باعتباره عملية طويلة لإعادة تنظيم المجتمع والدولة.

وأن نقرأ الحركة الوطنية بعيدًا عن صورة الطريق المستقيم الذي يقود إلى الاستقلال.

وأن نقرأ 1924 لا بوصفها ثورة انتهت، وإنما بوصفها لحظة تكشف كيف كان السودان يحاول أن يكتشف السياسة الحديثة.

وأن نقرأ الجنوب لا باعتباره ملفًا منفصلًا عن تاريخ الدولة، وإنما باعتباره جزءًا من تاريخ تكوينها.

وأن نعود إلى الصحافة والتعليم والثقافة والسينما والمرأة، لأن السياسة لا تتشكل في البرلمان والجيش وحدهما.

ثم نعيد النظر في الاستقلال نفسه.

ليس لكي ننكر قيمته، وإنما لكي نفهم حدوده.

ربما تكون هذه هي المهمة التي تضعها الحرب أمام المثقف السوداني.

ليست أن يقدم إجابة جاهزة.

ولا أن يكتب تاريخًا جديدًا أكثر ملاءمة للحظة الراهنة.

وإنما أن يمتلك الشجاعة ليقول إن بعض ما ظنناه معرفة مستقرة يحتاج إلى أن نعود إليه.

وأن بعض الملفات التي اعتبرناها هامشية قد تكون في قلب السؤال.

وأن بعض الشخصيات التي اختزلناها في صورة واحدة ربما تحتاج إلى قراءة أخرى.

وأن بعض الأحداث التي حفظنا أسماءها وتواريخها ربما لم نفهم معناها بعد.

وهذا كله لا يعني أن الماضي هو سبب كل ما يحدث في السودان اليوم.

ليس التاريخ قدرًا.

لكنه يضع أمامنا الطرق التي جاءت منها الأشياء، والاختيارات التي اتخذها الناس، والاحتمالات التي أُغلقت، والاحتمالات التي بقيت مفتوحة.

ومن هنا تأتي قيمة إعادة القراءة.

ليس لكي نعود إلى الماضي، وإنما لكي لا ندخل المستقبل ونحن نحمل الماضي من دون أن نعرفه.

ولعل هذا هو المعنى الأعمق للصدمة المعرفية التي أحدثتها الحرب.

لقد جعلتنا نرى السودان مرة أخرى.

لكن الرؤية الجديدة لن تكون مفيدة إذا اكتفينا بتغيير ما نراه. المطلوب أن نغير أيضًا الطريقة التي ننظر بها.

وهنا يبدأ السؤال الذي أظن أنه يجب أن يشغل المثقفين والباحثين السودانيين في السنوات المقبلة:

إذا كان السودان الذي عرفناه قبل الحرب قد وصل إلى هذه الحرب، فهل يكفي أن نعيد بناءه؟ أم أن علينا أولًا أن نفهم لماذا كان على الصورة التي كان عليها؟

ومن الإجابة عن هذا السؤال يمكن أن يبدأ حديث مختلف عن المستقبل.

ليس مستقبل السودان الذي كان.

بل السودان الذي يمكن أن يكون.

wagdik@yahoo.com

Author
وجدي كامل

وجدي كامل

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
دواليب السلطة بالقوة
منبر الرأي
جبريل إحدى عاهات الانقلاب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى
منبر الرأي
الجنرال والتحول من فاعل عيان إلى خبير في التاريخ
منبر الرأي
( اللهم اجعله خيراً ) سفر البرهان إلي مصر في زيارة رسمية وبلادنا تحت أجواء عصبية !!.. بقلم: حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي
منبر الرأي
رسائل واشنطن الأخيرة…. هل بدأت مرحلة ما بعد الصبر؟

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

كتاب تأريخ ملوك سنار والحكم التركي المصري في السودان: (٩١٠-١٢٨٨ه/١٥٠٤-١٨٧٢م): تأليف أحمد بن الحاج أبو علي: تحقيق البرفسور يوسف فضل حسن .. بقلم: الدكتور الخضر هارون

الخضر هارون
منبر الرأي

مَـدرســةِ المُؤْتمَـــر: نَفيْــرُ الوَفـاءِ النّبيـل .. بقلم: جَمَــال مُحَـمّــد إبراهيْــــم

جمال محمد ابراهيم
منبر الرأي

ملامح من أوضاع المسلمين في الدنمارك .. بقلم: خضر عطا المنان

خضر عطا المنان
منبر الرأي

شر البلية ما يضحك !منتجات صراع الأمارات والسعودية ومصرمع قطر !! بقلم: بدرالدين حسن علي

بدرالدين حسن علي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss