طاهر عمر
النخب السودانية بمحض إرادتهم ارتضوا أن يكونوا تخومًا لعالم عربي تقليدي غائص في وحل فكره الديني، وحالم بأن يعيد ماضيًا ذهبيًا متخيّلًا لا يمكن أن يعود. وترتّب على هذا الإصرار بأن يكون سير خط التطور الفكري معاكسًا لتطور المجتمع الحديث. سيره المعاكس لتطور الفكر نتج عنه كساد عقل جمعي مزمن منع ظهور شخصيات تاريخية تكون مبتدأ تاريخ الذهنيات، وفيه تعرف المجتمعات بأن ماضيها قد أصبح أمام الرياح هباء، وأنها تحتاج لفكر جديد لا علاقة له بالعقل الجمعي الكاسد، ومن هنا يأتي مفهوم القطيعة.
وأوضح مثال نضربه على دور الشخصية التاريخية، وأنها مبتدأ تاريخ الذهنيات، ما قام به مارتن لوثر وفكرة الإصلاح الديني، ولا يكون بلا معرفة جيدة بكيفية تبديد تاريخ الخوف. وهنا وجب أن نوضح أن دور الشخصيات التاريخية يوضّح بأن الإنسانية تاريخية، والإنسان تاريخي، ومن هنا يمكن أن تكون هناك إمكانية دراسة ظاهرة المجتمع البشري على ضوء مجد العقلانية وإبداع العقل البشري، بعيدًا عن الفكر المثالي، نتاج الفلسفة المثالية والفكر التأملي.
ونضرب مثلًا على غياب فكر يقوم على مجد العقلانية وإبداع العقل البشري وسط النخب السودانية، فنجده في ثلاثة سلاسل فكرية سودانية، نجد فكرها التقليدي عميق الجذور في البنى التقليدية السودانية المقاومة لأفكار الحداثة، وكذلك مقاومة لأفكار عقل التنوير.
أول هذه الثلاثة سلاسل المقاومة للحداثة والممانعة ومقاومة لفكر عقل الأنوار، نجدها في فكر المؤرخين التقليدين السودانيين، ويمثلهم الدكتور يوسف فضل وتلاميذه، وكل أنشطتهم منذ منتصف ستينيات القرن المنصرم قبل ظهور معهد الدراسات الأفريقية والأسيوية، ومرورًا به كمعهد لم يكرّس جهوده إلا على مناشط لمؤرخين تقليدين كان كل همهم مرتكزًا على الوثيقة المقدسة، في وقت ظهرت فيه مدرسة الحوليات الفرنسية قبلهم بأربعة عقود، كانت قد فارقت الوثيقة المقدسة وركزت على دراسة التاريخ الاجتماعي والتاريخ الاقتصادي على المدى القصير، والمدى المتوسط، وعلى المدى الطويل.
في وقت كانت رياح المؤرخ التقليدي السوداني تدور في دراسة كل همها كان بحثها عن صحيح الدين، كما نجده في دراسات كثر من المؤرخين التقليدين السودانيين، في الوقت نفسه كانت مدرسة الحوليات الفرنسية تتحدث عن تاريخ الذهنيات وتاريخ الخوف. لهذا السبب لم يكن بمستغرب أن تجد الدكتور يوسف فضل حضورًا في حوار الوثبة الكيزاني قبل سقوط الإنقاذ، وكذلك ليس بغريب أن تجد الدكتور عبد الله علي إبراهيم مستميتًا في دفاعه بكل ما أوتي من قوة على أن الجيش الكيزاني يمثل الدولة، في مغالطة لا تليق بمكانه، وقد كان منتظرًا منه أن يقدم فكرًا يكون هدفه الانعتاق، كما قدم مؤرخي مدرسة الحوليات فتوحات فكرية ما زال بريقها ساطعًا.
وإذا أمعنا النظر في فكر الدكتور يوسف فضل وتلاميذه، نجدهم أيضًا منذ بدايات جهودهم الفكرية قد ضربت مركبهم القيف، أي أنها لم تبحر كما ينبغي، وخاصة في قبولهم بأنثروبولوجيا طلال أسد. لأن طلال أسد كان أقرب من الناحية الفكرية لأفكار فلاسفة ما بعد الحداثة، أمثال ميشيل فوكو، وعليه قد فتح طلال أسد الطريق بدراسته لعرب الكبابيش الطريق للدكتور عبد الله علي إبراهيم ليواصل اجتراره لأفكار طلال أسد وظلالها، أي أفكار ما بعد الحداثة.
طلال أسد وأفكار فلاسفة ما بعد الحداثة وتأثّره بهم قد كانت لها دور كبير في المؤرخين التقليديين السودانيين، وخاصة في تغبيش وعيهم بأهم مفهومين، وهما مفهوم الدولة الحديثة ومفهوم ممارسة السلطة في مجتمعات ما بعد الثورة الصناعية. لذلك يمكنك أن تلاحظ كيف كان تعلق طلال أسد بناظر الكبابيش وسلطته وقوته وتوحيد القبيلة. ونجد صداها في إعجاب ميشيل فوكو بالخمينية، بل قد زار إيران.
أما ملامحهما في فكر عبد الله علي إبراهيم، وأقصد طلال أسد وفوكو، فنجدهما في انبهار عبد الله علي إبراهيم بشيخ همشكوريب، الشيخ علي بيتاي. وهنا نجد أن الدكتور عبد الله علي إبراهيم سار، وهو مغمض العينيين، في تقليد طلال أسد وانبهاره بتاريخ الكبابيش ودور قياداتهم التقليدية التي قد غطت على وهج مفهوم الدولة الحديثة في أفق طلال أسد.
وللأسف نجد أن الدكتور عبد الله علي إبراهيم سار خلفه كما السائر في نومه، أي سار خلف أفكار طلال أسد في مجافاتها لمفهوم الدولة الحديثة ومفهوم ممارسة السلطة. ففي ظل الدولة الحديثة لا نحتاج لدور ناظر الكبابيش ولا دور الشيخ علي بيتاي في تحقيق مفهوم المسؤولية الاجتماعية نحو الفردي، لأن في ظل الدولة الحديثة وعلاقتها المباشرة بالفرد يتعطل دور أمثال ناظر الكبابيش والشيخ علي بيتاى.
طلال أسد كانت له جهود فكرية نتاج تعاون مع ادورد سعيد، إلا أن ادورد سعيد تراجع عن أفكاره واعتذر عن كتابه الاستشراق، وقال إن كتابه خدم الأصولية الدينية والأصوليين أكثر من خدمته للتنوير، واعتذار إدورد سعيد عن كتابه الاستشراق كان عام 1993، أي بعد خمسة عشرة عام من صدور الكتاب، والآن، وبعد ثلاثة وثلاثين عام من اعتذار إدورد سعيد عن كتاب الاستشراق، ما زال الدكتور عبد الله يحتفي بالكتاب، ولسبب بسيط لأنه لم يعرف أن إدورد سعيد قد اعتذر عن كتابه الذي قد خدم الأصولية أكثر من خدمته للتنوير.
وهذا دليل قاطع على أن عبد الله علي إبراهيم كان حبيس منهجه كمؤرخ تقليدي، ولم ينتج عنه غير دراسات تؤسس للإسلاميات الكلاسيكية، كما نجدها في كتابه الصراع بين المهدي والعلماء. وفيه لم يلاحظ الدكتور عبد الله علي إبراهيم التحولات الهائلة في المفاهيم فيما يتعلق بمفهوم الدولة الحديثة وعلاقة الفرد الاجتماعي المباشرة بالدولة ودورها في تحقيق فكرة المسؤولية الاجتماعية نحو الفرد.
إدورد سعيد، بعد تراجع ميشيل فوكو عن أفكاره التي كانت ترتكز على الهجوم على عقل الأنوار وأفكار الحداثة، نجده، أي ادورد سعيد، قد تراجع كذلك عن أفكاره المعادية لفكرة الدولة الحديثة، وهذه واحدة من أكبر أخطاء إدورد سعيد، حيث بنا أغلب أفكاره معتمدًا على أفكار ميشيل فوكو المعادية لعقل الأنوار والمعادية للحداثة.
وعليه، بعد تراجع إدورد سعيد عن أفكار ميشيل فوكو، رجع إدورد سعيد في آخر كتاب له، وهو الأنسنة والنقد الديمقراطي، وفيه رجع إدورد سعيد لعقل الأنوار وفارق أفكار كل من طلال أسد وميشيل فوكو. فهل يستطيع المؤرخ التقليدي السوداني، وأقصد الدكتور عبد الله علي إبراهيم، مفارقة فكر طلال أسد، وكذلك مفارقة أفكار ما بعد الحداثة التي تعادي مفهوم الدولة الحديثة ومفهوم ممارسة السلطة في مجتمعات ما بعد الثورة الصناعية؟
وكذلك أقصد: هل انتبه الدكتور عبد الله علي إبراهيم أن في كتاباته ووقوفه وتمجيده للشخصيات الكاريزمية، أمثال ناظر الكبابيش والشيخ علي بيتاى، أنها كتابات فيها إخلال كبير بمفهوم الدولة الحديثة وخلل في فهمه لدور الدولة الحديثة في تغيير مجتمعات ما بعد الثورة الصناعية؟
وكذلك هل إنتبه أن فيها تعطيل وعرقلة لمسارات مجتمعات تقليدية، مثل مجموعة ناظر الكبابيش ومجموعة الشيخ علي بيتاي، لكي تتجاوز بناها التقليدية المتجذرة عميقًا ومعادية للتغير الذي يسوق باتجاه مفهوم الدولة الحديثة ومفهوم الفرد الاجتماعي؟
والإجابة قطعًا لا. أي أن الدكتور عبد الله علي إبراهيم لم ينتبه إلى أن منهجه وسيره خلف أنثروبولوجيا طلال أسد لم يسوقه إلا لضيق الطريق. وها هو الآن يستبدل إعجابه بناظر الكبابيش وإعجابه بالشيخ علي بيتاى بإعجاب يثير التعجب في تجربة الدكتور عبد الله علي إبراهيم، وهي مسيرة جهود فكرية تجاوزت الستة عقود، وها هي تذبل وتندثر في إعجابه بجيش كيزاني يرقص معه الدكتور عبد الله علي إبراهيم في رقصة تانغو في حرب عبثية بين جيش كيزاني وصنيعته الدعم السريع!
للأسف، هذه هي مسيرة المؤرخين السودانيين التقليدين، أي مسيرة الدكتور يوسف فضل وتلاميذه، وفي مقدمتهم الدكتور عبد الله علي إبراهيم، وقد قضى زمان طويل في تسكعه خلف مسيرة أنثروبولوجيا طلال أسد، ولأنها كانت جري خلف سراب أفكار فلاسفة ما بعد الحداثة بسبب تأثر طلال أسد بفكر ميشيل فوكو.
أضلت أفكار طلال أسد الدكتور عبد الله علي إبراهيم عن مراقبة مفهوم الدولة الحديثة. وطبعا هناك صفة أخرى نجدها في طلال أسد قد أعجبت الدكتور عبد الله علي إبراهيم، وهي أن طلال أسد كان معجب بماركس ومعادته لفكرة ومفهوم الدولة الحديثة، حيث يراها ماركس أنها، أي الدولة، أداة في يد الطبقة المهيمنة في تحطيم بقية الطبقات، وهذا ما جعل طلال أسد يعجب بحكمة ناظر الكبابيش، بل يرى فيها نجاحًا بعيدًا عن فكرة الدولة التي يكرهها طلال أسد، ومن خلفه ماركس، ومن خلفهما في البعيد البعيد الدكتور عبد الله علي إبراهيم.
ولهذا السبب تصبح مسألة اكتشاف ضحالة فهم الدكتور عبد الله علي إبراهيم لمفهوم الدولة الحديثة في احتكارها للعنف في فكر ماكس فيبر واضحة وضوح الشمس، لأن الدكتور عبد الله علي إبراهيم كان، وبسبب حبه وتبجيله لأنثروبولوجيا طلال أسد المنطوية على أفكار ماركس، لا يعرف الطريق إلى أفكار ماكس فيبر التي يمقتها طلال أسد.
لذلك كان الدكتور عبد الله علي إبراهيم معتقدًا على الدوام أن الدولة الحديثة يمكن أن تكون شمولية شيوعية أو دولة تحت شخصية كاريزمية أو دولة دينية أو دولة تحت حكم العسكر، وهيهات. ولاعتقاده الخاطئ نجد أن عبد الله علي إبراهيم لم يعاف الكيزان طيلة الثلاثة عقود، لأنه كان يعتقد بأن الدولة يمكن أن تكون دولة دينية.
وها هو الآن يجري وينجم خلف فكرة أن تكون الدولة تحت حكم عسكري غافل مثل البرهان، وما زال الدكتور عبد الله علي إبراهيم يعتقد بأن الجيش يمثل الدولة. أفكار الدكتور عبد الله علي إبراهيم الخاطئة كلها منبعها أنثروبولوجيا طلال أسد في ارتكازها على أفكار ماركس ومعادة مفهوم الدولة الحديثة، وأضف إليها أفكار فلاسفة ما بعد الحداثة وتحطيمهم لمفهومي الدولة الحديثة وممارسة السلطة في مجتمعات ما بعد الثورة الصناعية.
الدكتور عبد الله علي إبراهيم حبيس مثلث أقانيم متمثلة في مثلث مكمايكل، طلال أسد، هربرت سبنسر، ونقول مثل هذا القول لأن طلال أسد عندما ذهب إلى دار الكبابيش كان مكمايكل من قبله قد تحدث عنهم، ومكمايكل معروف أنه متأثر بأفكار هربرت سبنسر وفكرة الدراونية الاجتماعية. مكمايكل كان يرى أن نقاء الكبابيش العروبي يرفهم درجة على عرب السودان المستعربة من الكوشين والنوبيين، وكان يصفهم مقارنة بالكبابيش أنهم هجين، وحتى دينهم الإسلامي هجين، وهذا ما أغاظ الدكتور عبد الله علي إبراهيم وجعله غير مدرك إلى أن منهج مكمايكل قد تجاوزته فلسفة التاريخ الحديثة، وهذه ليست مشكلة عبد الله علي إبراهيم وحده، بل يشترك معه فيها الشيوعيين السودانيين بنسختهم الشيوعية المتحجرة.
المحزن جدًا أن مثلث مكمايكل، طلال أسد، هربرت سبنسر، حجب الرؤية عن عبد الله علي إبراهيم عن أن ير أن هناك مثلثًا أهم منه، وكانت تصطرع في داخله فلسفة التاريخ التقليدية مع فلسفة التاريخ الحديثة، وعلى مدى ثلاثة عقود انتصرت فلسفة التاريخ الحديثة على فلسفة التاريخ التقليدية، وبسببها أصبحت هناك كثير من فروع علم الاجتماع والأنثروبولوجيا فروع في الفلسفة، وهذا هو البعد الذي لم ينتبه له الدكتور عبد الله علي إبراهيم وأستاذه الدكتور يوسف فضل.
المثلث الذي أقصده ولم ينتبه له الدكتور عبد الله علي إبراهيم هو مثلث كل من ماركس وأوجست كونت وتوكفيل، وفيه نجد أن ماركس ركز فيه على العلاقة بين المجتمع والرأسمالية، وأوجست كونت ركز على فكرة المجتمع والثورة الصناعية، وتوكفيل ركز على علاقة الرأسمالية والديمقراطية. فلسفة كل من ماركس وأوجست كونت كانت فلسفة تقوم على الحتميات واليقينيات والوثوقيات، وهذا هو سر نكبتها ووصولها إلى غايتها المحزنة في نهاية أفكار الوضعية المنطقية.
أما تكوفيل، فقد كانت فلسفته تقوم على العلاقة الطردية بين الرأسمالية والديمقراطية، ومن هنا جاء انتصار توكفيل على ماركس، ومن بعده انتصار ريموند أرون على سارتر، وشرح هذه المعركة يحتاج لمبحث آخر مكانه دروب قرأة أخرى، ولكن يمكن اختصاره في أن هناك علاقة طردية بين الرأسمالية والديمقراطية، وعلاقة عكسية بين الرأسمالية والماركسية.
وللأسف، هذا بعدًا مفقود في جهود المؤرخ السوداني التقليدي، وهذا البعد الرأسي، وهو ما نحتاج له في مسألة القرار والاختيار فيما يتعلق بنظام ديمقراطي على نمط الإنتاج الرأسمالي، وهذا هو البعد الغائب عن أفق أغلب النخب السودانية.
وليس غريب أن نجده في قرار نهرو واختياره الديمقراطية للهند على نمط إنتاج رأسمالي. وبالمناسبة، قرار نهرو واختياره للديمقراطية ونمط الإنتاج الرأسمالي يضعه جنب لجنب مع فيلسوف وعالم اجتماع فرنسي، وهو ريموند أرون، وخاصة في حديثه عن فكرة القرار والاختيار لنظام الديمقراطية الليبرالية ونمط إنتاجها الرأسمالي.
أما الصين، فكان قرار اختيار نمط الإنتاج الرأسمالي منذ عام 1978، وهو ما أدى لازدهار الصين الاقتصادي الآن، وبالمناسبة نمط الإنتاج الرأسمالي في الصين سيجعل علاقتها بالديمقراطية مسألة زمن، لأن علاقة الديمقراطية بنمط الإنتاج الرأسمالي علاقة طردية، كما قلنا. ولهذا على المدى البعيد سينتظر الصين إصلاح سياسي يواكب ازدهارها الاقتصادي.
هنا يتوجب فك الاشتباك بين ميول النخب السودانية واعتقادها الخاطي بأن الرأسمالية لا تحقق المسؤولية الاجتماعية نحو الفرد. ولهذا السبب تجد أن أغلبهم ذوي ميول اشتراكية، وهذا سببه غياب مفكريين سودانيين يكون كل واحد من بينهم ذو فكر نتاج تماس خطوط الفلسفة وعلم الاجتماع والنظريات السياسية.
وغيابه، أي غياب فكر نتاج تماس خطوط الفلسفة وعلم الاجتماع والنظريات السياسية، يجعل كثر من النخب السودانية يقولون أنهم اشتراكين لأنهم يظنون أن الرأسمالية ذات فكر رميم في مقابل الفكر الماركسي. وهذا ما انتبه له ريموند أرون في نقده للنخب الفرنسية واختيارها للفكر الماركسي. وهذا الجهد الفكري قد حدث قبل قرن من الزمان، وبعدها كرس ريموند أرون كل جهوده ليوضح للنخب الفرنسية أهمية قيم الجمهورية وفكرة الدولة الحديثة وفكرة التدخل الحكومي الذي يحقق الحد الأدنى للدخل في تفسيره لمعادلة الحرية والعدالة في ظل نمط الإنتاج الرأسمالي بشقيه السياسي والاقتصادي.
وهنا وجبت الإشارة إلى أن ريموند أرون كان فيلسوف واقتصادي وعالم اجتماع، لذلك كان أفق الرأسمالية والديمقراطية الليبرالية بشقيه السياسي والاقتصادي واضح بالنسبة له إذا ما قارناه بالدكتور حيدر إبراهيم علي رحمه الله، وهو على الدوام يعلن عن اشتراكيته ظانًا أن للرأسمالية عيوب، وظن حيدر في عيوب الرأسمالية لأن خطوط تماس الفلسفة وعلم الاجتماع واالنظريات السياسية عنده متباعدة لدرجة فقدت فيها قوة جاذبيتها مقارنة بتقاربها وقوة جاذبيتها في فكر ريموند أرون.
المهم في الأمر، الدكتور حيدر إبراهيم علي رحمه الله ابن بيئته السودانية، وفيها ما زالت حمى الميول إلى الفكر الاشتراكي والماركسية في أعلى دراجتها، كما كانت بين نخب أوروبا لحظة نهاية الليبرالية التقليدية في أواخر القرن التاسع عشر، ونجدها في أفكار الاقتصادي الانجليزي توماس هودجكن. ونجد أن أعماله الفكرية قد ألهمت ماركس كثيرًا من الأفكار فيما يتعلق حول نظرية القيمة والعمل، إلا أن فلسفته تقدم نقدًا مسبقًا للماركسية.
وعلاما أعتقد أن الدكتور حيدر رحمه الله ظل في حمى ميوله للاشتراكية بسبب ضعف إلمامه بالنظريات الاقتصادية وتاريخ الفكر الاقتصادي، وهناك فرق كبير بينه وبين توماس هودجكن في نقده لماركسية ماركس.
وهنا وجب أن نختم هذا المقال، وفيه قد تحدثت عن سلسلة المؤرخين التقليدين السودانيين، وقد تداخلت مع سلسلة أتباع النسخة المتكلسة من الشيوعية السودانية وأصدقاء حزبهم، وأغلبهم تغلب على فكرهم فلسفة ما بعد الحداثة. ورأينا كيف قد تراجع عنها كل من ميشيل فوكو وإدورد سعيد في جهوده الفكرية في كتابه الأخير.
ويتبقى لنا في مقال قادم توضيح عجز الدكتور عبد الله الطيب كمثقف تقليدي مع تلاميذه الانصرافين، حيث لم يصلوا باللغة إلى مستوى ترتقي فيه كبديل للميتافيزيقا والأخلاق كما نجدها في فكر محمد أركون، وقد أستفاد من أفكار كلود ليفي أشتراوس.
