دكتور محمد عبدالله
في تاريخ السودان هنالك رجال لم تحفظ أسماءهم المناصب ولا الكتب الرسمية وحدها، بل صانتهم ذاكرة الناس، وتناقلت الأجيال سيرتهم في الأغنيات والحكايات الشعبية. ومن هؤلاء البطل عبدالقادر ود حبوبة، الذي قاد ثورة في منطقة الحلاوين بالجزيرة عام 1908، وانتهت حياته على المشنقة، بينما بقيت سيرته حاضرة في الوجدان السوداني، تحفظها أشعار أخته رقية، وتستعيدها الذاكرة كلما تجدد الحديث عن مقاومة الاستعمار والتطلع إلى الحرية.
اسمه عبدالقادر محمد إمام إدريس، واشتهر بود حبوبة، نسبة إلى لقب أسرته. ولا يُعرف على وجه الدقة تاريخ ميلاده، لكنه نشأ في منطقة الحلاويين، وعمل بالزراعة، وعُرف بالقوة والشجاعة. وكان والده من أعيان المنطقة في أواخر العهد التركي.
ارتبط ود حبوبة بالثورة المهدية منذ سنواتها الأولى، وأصبح من أنصار الإمام محمد أحمد المهدي، وشارك في عدد من معاركها. وتذكر الروايات أنه حظي بمكانة لدى الخليفة عبدالله التعايشي، ثم عاد إلى منطقة الحلاويين بعد سقوط الدولة المهدية، حاملاً تجربة القتال وذاكرة دولة استطاعت أن تهزم الحكم التركي المصري قبل أن يسقطها الغزو البريطاني عام 1898.
لم تكن الجزيرة بعيدة عن آثار ذلك التحول. فقد ظل رفض الحكم الاستعماري حاضراً في نفوس قطاعات واسعة من السودانيين، تغذيه ذكريات المهدية والإحساس بفقدان الاستقلال. وفي هذا المناخ، برز ود حبوبة بوصفه أحد الذين اختاروا مواجهة السلطة الجديدة، مستنداً إلى ما اكتسبه من مكانة بين أهله وإلى خطاب ديني استمد منه أنصاره دوافع المقاومة.
اندلعت ثورته في أبريل 1908 بمنطقة الحلاويين، وكانت قرية التقر مسرحاً لأحداثها الأولى. وقد ارتبط تصاعد المواجهة بخلافات مع الإدارة الاستعمارية والمحلية، لكن تفسير أسباب الثورة يقتضي النظر إلى سياقها الأوسع، حيث تداخلت المظالم المحلية مع رفض الخضوع للحكم الأجنبي. ومن ثم، فإن اختزالها في حادثة واحدة لا يكفي لفهم دلالاتها التاريخية.
في 29 أبريل 1908، قُتل المفتش البريطاني اسكوت منكريف والمأمور محمد شريف في المواجهة مع أنصار ود حبوبة. وردت السلطات بإرسال قوة عسكرية إلى المنطقة، ودارت معركة في” كتفية” تكبد فيها الثوار خسائر كبيرة، بعدما واجهوا قوة تفوقهم تسليحاً. وتفرّق أنصار ود حبوبة ، قبل أن يقع في الأسر بعد أيام.
حُوكم في الكاملين، وصدر بحقه حكم بالإعدام ومصادرة أملاكه. وفي 17 مايو 1908، نُفذ الحكم شنقاً في سوق حلة مصطفى. وتروي الذاكرة الشعبية أنه واجه لحظاته الأخيرة بثبات، وودّع أهله دون أن تبدو عليه علامات الخوف، بينما ارتفعت زغاريد النساء في مشهد امتزج فيه الحزن بالفخر.
لم تكن تلك النهاية نهاية الحكاية. فقد استطاعت السلطات القضاء على الثورة، لكنها لم تستطع محو صاحبها من ذاكرة الناس. وهنا جاء دور الشعر الشعبي في حفظ ما عجزت الوثائق الرسمية وحدها عن نقله.
نظمت أخته رقية قصيدتها الشهيرة “بتريد اللطام” ، التي أصبحت من عيون التراث الغنائي السوداني، ورددها فنانون، من بينهم بادي محمد الطيب. تقول في مطلعها:
بتريد اللطام أسد الكداد الزام
هزيت البلد من اليمن للشام
سيفك للفقر قلام
لم تكن القصيدة رثاءاً لأخ فقدته أخته فحسب، بل شهادة على زمن المواجهة، وصورة لرجل رأت فيه رمزاً للشجاعة ورفض المهانة. وقد منحت كلماتها الحكاية حياة جديدة، فنقلت وقائعها ومشاعر أهلها من جيل إلى آخر، وأبقت اسم ود حبوبة حاضراً في الذاكرة السودانية.
وتكشف هذه السيرة عن أهمية التاريخ الشفاهي في السودان؛ فكثير من الأحداث حفظتها الأغنيات والمناحات والروايات المحلية، وظلت متداولة حتى حين غابت عن الكتب والمناهج. ولذلك تكتسب دراسة حياة ود حبوبة وأمثاله أهمية تتجاوز استعادة أمجاد الماضي. فالمطلوب ليس تمجيد الأبطال أو تصويرهم باعتبارهم شخصيات لا تخطئ، بل فهم تجاربهم في سياقاتها السياسية والاجتماعية، والتمييز بين الوقائع الموثقة وما أضافته الذاكرة الشعبية إليها.
ويظل كتاب صديق محمد أحمد البادي، “لمحات من حياة وثورة ومدائح الثائر البطل عبدالقادر ود حبوبة” ، من المراجع التي تستحق الرجوع إليها في دراسة سيرته وما ارتبط بها من روايات ومدائح.
إن تعريف الأجيال الجديدة بتاريخ بلادها ليس ترفاً ثقافياً، بل ضرورة لبناء وعي يعرف جذوره، ويدرك أن الحرية لم تأتِ من فراغ، وأن وراءها تضحيات رجال ونساء من مختلف مناطق السودان. ومن واجب المدارس والصحافة والإذاعة والأعمال الوثائقية أن تمنح هذه السير ما تستحقه من بحث وتوثيق، وأن تحفظ القصائد التي صانت أصحابها من النسيان.
لم ينتصر ود حبوبة عسكرياً، وقد انتهت حياته على المشنقة، لكن سيرته تجاوزت حدود الهزيمة. وبعد أكثر من قرن، لا تزال كلمات رقية تتردد، شاهدة على أن الذاكرة الشعبية قادرة على إبقاء ما أرادت السلطة الاستعمارية إخماده حياً في وجدان الناس.
ولعل الوفاء الحقيقي لهؤلاء الأبطال يبدأ بمعرفة سيرهم، وإنصافهم في كتابة التاريخ، ونقل حكاياتهم إلى الأبناء والبنات؛ فالأمة التي تعرف تضحيات السابقين أقدر على فهم حاضرها، وعلى إدراك ﻭ استشراف قيم الكرامة والحرية.
