دكتور محمد عبدالله
لم تكن التهديدات التي تعرضت لها الصحافية رشا عوض مطلع أكتوبر 2026 مجرد إساءات عابرة على مواقع التواصل الاجتماعي. فقد تضمنت منشورات متداولة تحريضاً على قتلها، ما دفع نقابة الصحافيين السودانيين ومرصد الجزيرة لحقوق الإنسان إلى إدانة هذه التهديدات والمطالبة بالتحقيق فيها وضمان سلامتها.
ولا تكمن خطورة ما حدث في استهداف صحافية بعينها فحسب، بل في المناخ الذي يحوّل الخلاف السياسي والفكري إلى دعوة للعنف. فعندما يصبح التعبير عن الرأي سبباً لاستباحة حياة صاحبه، يتجاوز الخطر الشخص المهدَّد ليطال المجتمع كله، وحق أفراده في الاختلاف والنقاش من دون خوف. ومن هذه الزاوية، فإن تهديد رشا عوض ليس اعتداءاً على امرأة اختارت الكتابة فحسب، بل اختبار لحق السودانيين في التعبير، ولمستقبل الحرية في بلد أنهكته الحرب والاستبداد.
لم تكن رشا اسماً طارئاً على المشهد الصحافي السوداني، ولم يبدأ حضورها مع الحرب الراهنة. فقد واجهت التضييق قبل اندلاع حرب أبريل 2023 بسنوات، وظلت تكتب دفاعاً عن الحريات، وعن حق السودانيين في إقامة دولة تحترم مواطنيها، ولا تجعل الاختلاف الفكري والسياسي ذريعة للإقصاء والعقاب.
وتكشف محطات من سيرتها المهنية حجم تلك المواجهة. ففي سبتمبر 2011، كانت من بين الصحافيين الذين طاولتهم إجراءات أمنية حالت دون مواصلة الكتابة في الصحف السودانية، في أعقاب إغلاق صحيفة “أجراس الحرية” وتعطيل عمل صحافيين انتقلوا إلى صحيفة “الجريدة”. وفي مارس 2013، منعها جهاز الأمن من السفر إلى القاهرة يومين متتاليين، من دون أن يوضح لها أسباب المنع.
لم تكن هذه الوقائع مجرد عقبات في مسيرة مهنية، بل جزءاً من واقع واجه فيه الصحافيون السودانيون محاولات إخضاع المجال العام وإسكات الأصوات المستقلة. ومع ذلك، واصلت رشا الكتابة، وتولت رئاسة تحرير صحيفة “التغيير” ، التي اهتمت بالشأن السوداني وقضايا الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان.
وتتجلى شجاعتها في إصرارها على طرح الأسئلة التي يفضّل أصحاب النفوذ تجنبها، وفي خوضها سجالات سياسية وفكرية لم تتراجع عنها تحت وطأة الخصومة. فقد انتقدت الحكم ذي المرجعية الإسلامية، وواجهت أفكار الوصاية على المجتمع، وظلت تعبّر عن رفضها لاستمرار الحرب وما تخلفه من موت ونزوح ودمار. وهي مواقف جعلتها في قلب استقطاب سياسي حاد، لكنها لم تتخلَّ عن حقها في إبداء رأيها ومناقشة آراء الآخرين.
ليس مطلوباً من أحد أن يتفق مع كل ما تكتبه رشا عوض أو أن يتبنى مواقفها السياسية. فالدفاع عن حريتها لا يستلزم الاتفاق معها، كما أن الاختلاف معها لا يبرر تهديدها. هنا تحديداً تكمن قيمة حرية التعبير ، أن يكون للمرء حق في الكلام حتى حين يزعج كلامه الآخرين، وأن تكون مواجهة الرأي بالحجة، لا بالتخوين أو التهديد أو التحريض على القتل.
وتكتسب التهديدات الأخيرة خطورة مضاعفة في بلد يعيش حرباً مدمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات، وتعرض فيه الصحافيون لمخاطر القتل والاحتجاز والتهديد، وسط تراجع قدرة المؤسسات على توفير الحماية. وفي مايو 2025، شاركت رشا مع صحافيين سودانيين آخرين في نداء إلى المجتمع الدولي بشأن أوضاع الصحافة في السودان، في وقت كانت فيه المخاطر التي تواجه العاملين في المهنة تتزايد.
في مثل هذه الظروف، لا يجوز التعامل مع التحريض على القتل باعتباره مجرد كلام غاضب على الإنترنت. فحين تتكرر التهديدات من دون مساءلة، يصبح الصمت عامل تشجيع، وتغدو سلامة الصحافي رهناً بمزاج من يملك القدرة على ترهيبه. وليس من المقبول أن يضطر الصحافي إلى الاختيار بين ممارسة مهنته والحفاظ على حياته.
لذلك، فإن إدانة التهديدات ينبغي أن تتجاوز بيانات التضامن إلى المطالبة بتحقيق جاد يكشف المسؤولين عنها، واتخاذ التدابير اللازمة لحماية رشا وأسرتها، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في التحريض على العنف. وتقع على القوى السياسية والاجتماعية مسؤولية رفض هذه الممارسات أياً كان مصدرها، وعدم التهاون معها حين تستهدف خصماً سياسياً أو فكرياً.
إن القضية أكبر من رشا عوض، وإن كانت سلامتها اليوم في صلب الاهتمام. فالسودان الذي يخرج من الحرب لن يستطيع بناء دولة مستقرة إذا ظل الخلاف يُحسم بالتخوين والتهديد، وإذا بقي السلاح وسيلة لتحديد من يحق له الكلام ومن ينبغي عليه الصمت. ولا يمكن أن تقوم ديمقراطية حقيقية من دون صحافة حرة، أو أن تستقر دولة القانون إذا أفلت المحرضون على العنف من المساءلة.
لقد واجهت رشا المنع والتضييق، ومضت في طريق الكتابة. واليوم، لا يحتاج الدفاع عنها إلى تهديد مضاد أو شتيمة جديدة، بل إلى موقف واضح: لا يجوز أن يدفع إنسان حياته ثمناً لرأيه. والتضامن معها ليس اصطفافاً وراء كل ما تكتب، وإنما دفاع عن حقها وحق مخالفيها في أن يكتبوا ويناقشوا ويختلفوا من دون خوف.
فالكلمة يمكن أن تواجهها كلمة، والرأي يمكن أن يُفنَّد برأي، أما التهديد بالقتل فلا يحسم خلافاً ولا ينتصر لفكرة، بل يهدم الشروط التي تتيح للمجتمع أن يعيش مع اختلافاته. وحين يصبح القلم هدفاً للرصاص، لا تكون حرية الصحافي وحدها هي المهددة، بل حرية المجتمع كله.
رشا عوض تستحق الحماية، كما يستحقها كل صحافي . فحرية الصحافة ليست امتيازاً تمنحه السلطة لمن ترضى عنه، بل حق لا تستقيم دولة القانون ولا تتحقق الديمقراطية من دونه.
