حدود القوة وانحسار الهيمنة
الحركة الإسلامية السودانية ١٩٤٩–٢٠٢٦
٥ من ١٢
لماذا وقع الاختيار على البشير؟
إبراهيم برسي
انتهينا في المقال السابق عند بدايات العمل المنظم للحركة الإسلامية داخل القوات المسلحة، وعند عمر البشير باعتباره أحد الضباط الذين استقطبتهم إلى تنظيمها العسكري.
لكن الرجل الذي انضم إلى خلايا عسكرية أنشأها التنظيم قبل انضمامه بسنوات أصبح، في يونيو ١٩٨٩، قائدًا للانقلاب الذي أوصلها إلى السلطة.
وبين الواقعتين تاريخ لا تزال بعض جوانبه غامضة، خصوصًا فيما يتعلق بالقرار الذي جعل البشير يتقدم على ضباط كانوا أقدم منه تنظيميًا وأعلى منه في الرتبة العسكرية.
كيف حدث ذلك؟ ولماذا وقع الاختيار عليه دون غيره؟
لا تتعلق الإجابة بشخص البشير وحده، فاختيار قائد الانقلاب كان جزءًا من ترتيبات أوسع، تتصل بموقع العسكريين داخل الحركة الإسلامية، وبطبيعة العلاقة التي أرادت قيادتها السياسية إقامتها معهم بعد الوصول إلى الحكم.
وقبل الدخول في هذه المسألة، أعادتني مادة ظهرت أثناء البحث إلى تاريخ ذكرته في المقال السابق، ووجدت أنه يحتاج إلى شيء من التدقيق.
كنت قد اعتمدت سنة ١٩٨١ تاريخًا لانضمام البشير إلى خلايا التنظيم داخل الجيش، استنادًا إلى شهادتي إبراهيم السنوسي وحسن عثمان رزق. لكنني وجدت حوارًا أقدم للسنوسي، نشرته صحيفة “الانتباهة” في ٣٠ يونيو ٢٠٠٩، يربط بداية معرفته وعلاقته التنظيمية بالبشير بالفترة التي أعقبت عودته من المصالحة سنة ١٩٧٩. ولا تسمح صياغة الحوار بالجزم بأن الانضمام نفسه وقع في ذلك العام، ولذلك أبقي على سنة ١٩٨١ بوصفها التاريخ الأكثر تحديدًا في الشهادات التي اعتمدتها، مع تسجيل هذه الرواية الأقدم.
وقد تغرينا معرفتنا بما حدث لاحقًا بأن نقرأ تلك البدايات من نهايتها، وكأن الضابط الذي جرى استقطابه آنذاك كان يحمل معه منذ البداية طريقًا مرسومًا إلى القصر. لكن الشهادات المتاحة لا تسمح بهذا الاستنتاج. كان البشير واحدًا من الضباط الذين رأت الحركة فائدة في وجودهم داخل تنظيمها العسكري، ولم يكن في تلك المرحلة من أبرز قادة التنظيم أو أشهر أسمائه.
وبين انضمامه إلى التنظيم واقتراب لحظة الانقلاب كانت البلاد نفسها تتغير من حوله. ففي ديسمبر ١٩٨٨ شهد السودان احتجاجات واسعة على الأوضاع الاقتصادية. كانت الحرب في الجنوب تستنزف الجيش، وكانت الأزمة الاقتصادية تزيد التوتر في الشارع، بينما كانت القوى السياسية تتنازع إدارة البلاد. وفي فبراير ١٩٨٩ جاءت مذكرة القوات المسلحة إلى الحكومة لتكشف عن حجم القلق داخل المؤسسة العسكرية إزاء استمرار الحرب وتدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية.
وفي هذه الظروف كان البشير يتحرك داخل مؤسسة عسكرية تتزايد الضغوط عليها من كل اتجاه، بينما كانت الحركة الإسلامية تواصل ترتيباتها السرية للاستيلاء على السلطة.
ولفهم ما جرى في اختيار قائد الانقلاب، ينبغي أن نعود إلى عثمان أحمد حسن.
كان عثمان من الضباط القدامى في التنظيم العسكري، وأعلى رتبة من البشير في المرحلة التي سبقت الانقلاب. ويقول إبراهيم السنوسي، في شهادة لاحقة، إن اختيار قائد التحرك كان يجري في الأصل وفق الأقدمية والتراتبية العسكرية، وإن البشير لم يكن الخيار الأول، لكنه يضيف أن “ظروفًا وإجراءات” أدت إلى تقديمه على عثمان احمد حسن.
لكن هذه العبارة، على أهميتها، لا تشرح طبيعة تلك الظروف، ولا تحدد الإجراءات التي غيرت ترتيب المرشحين.
ما الذي حدث بين الأمرين؟
تذكر الروايات الداخلية أن محمد الهادي مأمون المرضي كان قد خرج من الخدمة، وأن مختار محمدين توفي قبل الانقلاب. وهكذا أصبح عثمان أحمد حسن، بحكم رتبته وموقعه داخل التنظيم، أحد أبرز المرشحين لقيادة التحرك. ومع ذلك جرى تجاوزه.
وليس لدينا، فيما وقفت عليه من وثائق وشهادات، قرار تنظيمي منشور يشرح أسباب تجاوز عثمان شرحًا قاطعًا. لكن بعض الروايات اللاحقة تفتح بابًا لفهم ما قد يكون جرى.
فقد نُسب إلى عثمان تصور يتعلق بالعلاقة بين العسكريين والقيادة المدنية بعد نجاح الانقلاب. ووفقًا لهذا التصور، يتولى الضباط إدارة السلطة التنفيذية، بينما تبقى الحركة الإسلامية خارج الإدارة المباشرة للدولة، تقدم الدعم السياسي والمشورة.
وتكتسب هذه الرواية أهمية خاصة في ضوء شهادة أكثر تحديدًا، ذُكرت في كتاب الدكتور عبد الرحيم عمر محيي الدين “الترابي والإنقاذ: صراع الهوية والهوى”، الصادر سنة ٢٠٠٦، الذي أورد حوارًا مع عبد الرحيم محمد حسين، عزا الأخير فيه تجاوز عثمان إلى عاملين، أولهما ما وصفه بقلقه الشخصي، والثاني تصوره للعلاقة بين العسكريين والحركة بعد الاستيلاء على السلطة.
وبحسب شهادته، كان عثمان أحمد حسن يفضل أن يدير العسكريون الدولة، وأن تبقى الحركة خارج السلطة التنفيذية المباشرة، مكتفية بتقديم التوجيه والمشورة. وقد رأى عبد الرحيم أن هذا التصور صحيح من حيث المبدأ، لكنه لم يكن مناسبًا في توقيته.
وتستوقفني في هذه الشهادة مسألتان.
الأولى أن الخلاف، وفق هذه الرواية، لم يكن متعلقًا بالكفاءة العسكرية أو الأقدمية التنظيمية وحدهما، وإنما امتد إلى طبيعة السلطة التي ستنشأ بعد نجاح الانقلاب.
والثانية أن عبد الرحيم لم يرفض تصور عثمان من حيث المبدأ، وإنما اعترض على توقيت تطبيقه.
لماذا لم يكن مناسبًا أن يدير العسكريون الدولة مع بقاء القيادة المدنية للحركة خارج السلطة التنفيذية المباشرة؟
وهل كانت القيادة السياسية ترى أن نجاح الانقلاب يحتاج، في سنواته الأولى، إلى إشراف تنظيمي أقرب وأكثر تأثيرًا في القرار؟
ولا أتعامل مع هذه الشهادة باعتبارها تفسيرًا نهائيًا لتجاوز عثمان أحمد حسن. فهي شهادة لاحقة لأحد المشاركين في التحضير للانقلاب، ولم أعثر على وثيقة تنظيمية معاصرة تؤكد أن الخلاف المذكور كان السبب الحاسم في استبعاده. كما أن ما نُسب إلى عثمان يحتاج إلى المقارنة بما قاله هو نفسه عن تلك المرحلة.
فالاستيلاء على السلطة شيء، والاتفاق على من يملك القرار داخلها شيء آخر. وقد يكون من الممكن تنفيذ انقلاب باتفاق كامل على ساعة التحرك وتوزيع المهام، بينما يبقى الخلاف قائمًا حول العلاقة بين الضباط والتنظيم الذي ينتمون إليه.
لكن تجاوز عثمان، حتى لو ثبتت أسبابه، لا يفسر وحده اختيار البشير. فاستبعاد أحد المرشحين لا يعني بالضرورة أن الضابط الذي حل محله كان الخيار الوحيد المتاح.
وهنا يبرز سؤال آخر: من الذي اتخذ القرار، وما المعايير التي رجحت البشير على غيره؟
تذهب بعض الروايات إلى أن “المكتب الخاص” للحركة هو الذي حسم الأمر، فيما تمنح رواية أخرى علي عثمان محمد طه دورًا مؤثرًا، وتضع رواية ثالثة حسن الترابي في موقع صاحب الكلمة الأخيرة.
والمقصود بالمكتب الخاص، في هذه الروايات، دائرة من دوائر العمل السري المرتبط بالتحضير للانقلاب، غير أن حدود اختصاصها وعلاقتها ببقية مستويات القيادة تحتاج إلى ضبط تاريخي أدق.
غير أن هذه الأقوال لا تتطابق في تفاصيلها، وبعضها صدر بعد سنوات طويلة من الانقلاب، وفي ظروف سياسية تغيرت فيها علاقات أصحاب الشهادات بعضهم ببعض.
ويزيد الأمر تعقيدًا أن إبراهيم السنوسي نفسه تحدث عن توزيع المسؤوليات داخل القيادة، ونفى أن تكون هناك لجنة واحدة تتولى وحدها جميع ترتيبات الانقلاب. ومن ثم فإن البحث عن شخص واحد اتخذ القرار، في لحظة محددة، قد لا يعكس طبيعة العمل التنظيمي كما تصفه تلك الشهادات.
ولا تسمح الشهادات المتاحة بحسم هذه المسألة، لكنها تترك السؤال عن معايير الاختيار مفتوحًا.
فالبشير لم يكن الضابط الوحيد الذي يملك خبرة عسكرية، ولم يكن الأقدم في التنظيم، ولا الأعلى رتبة بين الأسماء التي ارتبطت بالإعداد للانقلاب.
ربما رجّحته اعتبارات تتعلق بموقعه داخل الجيش، أو خبرته الميدانية، أو علاقاته العسكرية، أو طبيعة علاقته بالقيادة المدنية. وربما اجتمعت هذه العوامل مع غيرها.
وإذا كانت شهادة عبد الرحيم محمد حسين تشير إلى احتمال أن يكون موقف عثمان من إدارة السلطة قد أسهم في تجاوزه، فإنها لا تقدم دليلًا على أن البشير اختير لأنه كان أكثر قبولًا بنفوذ القيادة المدنية. ولا نعرف، من الشهادات التي تناولناها، ما إذا كانت هذه المسألة قد طُرحت أصلًا عند المفاضلة بينه وبين بقية الضباط.
وحتى توقيت عودة البشير من الجنوب في الأسابيع الأخيرة قبل الثلاثين من يونيو ليس متطابقًا في الروايات المنشورة. وهي مسألة سأعود إليها عند تناول الأيام الأخيرة التي سبقت الانقلاب، حين يصبح تسلسل التحركات والقرارات أكثر أهمية لفهم ما جرى.
أما ما يلفت النظر في هذه المرحلة فهو أن الخلاف المنسوب إلى عثمان، إذا ثبتت صحته، يكشف عن سؤال مبكر يتعلق بموقع العسكريين من التنظيم السياسي بعد الوصول إلى السلطة.
وسوف يعود هذا السؤال، في ظروف مختلفة، بعد عشر سنوات.
ففي ديسمبر ١٩٩٩ حل البشير البرلمان وأعلن حالة الطوارئ، وانتهت المفاصلة بخروج حسن الترابي من مركز السلطة. لكن ليس من الدقة أن نقرأ اختيار البشير سنة ١٩٨٩ باعتباره تمهيدًا مقصودًا لما حدث في ١٩٩٩.
فقد تغيرت خلال تلك السنوات مواقع الأشخاص ومصالحهم، وأصبح البشير يستند إلى سلطة الدولة ومؤسساتها، بعد أن كان واحدًا من الضباط العاملين داخل التنظيم العسكري للحركة.
وما تكشفه المقارنة بين اللحظتين هو أن العلاقة بين التنظيم السياسي والسلطة العسكرية ظلت مسألة قابلة للخلاف، وأن الوصول إلى الحكم غيّر موازين القوة بين الأطراف التي شاركت في إقامته.
وفي صباح الثلاثين من يونيو ١٩٨٩ ظهر البشير أمام السودانيين قائدًا لانقلاب عسكري يقدم نفسه باعتباره محاولة لإنقاذ البلاد من أزمتها السياسية والاقتصادية. وفي الوقت نفسه أُدخل حسن الترابي السجن مع عدد من قادة الأحزاب، في ترتيب ساعد على إخفاء الصلة التنظيمية بين الانقلاب والحركة الإسلامية في أيامه الأولى.
وبقيت الأسباب الدقيقة التي جعلت البشير يتقدم على عثمان أحمد حسن وغيره من الضباط بعيدة عن الحسم، رغم ما تكشفه الشهادات اللاحقة من خلافات وتصورات مختلفة حول إدارة السلطة. ولعل أهمية هذه الشهادات أنها تتيح لنا الاقتراب من طبيعة العلاقة بين القيادة السياسية والتنظيم العسكري في السنوات التي سبقت الانقلاب، دون أن تمنحنا إجابة نهائية عن جميع تفاصيل القرار.
فإلى جانب العمل داخل القوات المسلحة، كانت الحركة الإسلامية قد بدأت منذ سنوات بناء نشاط آخر لجمع المعلومات وتأمين التنظيم وحماية عمله السري. ولم يبدأ ذلك النشاط مع قيام دولة الإنقاذ، ولا مع الأجهزة الأمنية التي عرفها السودانيون بعد الثلاثين من يونيو.
كان له تاريخ أقدم، وهو ما سنتناوله في الجزء السادس من هذه السلسلة : “جهاز الأمن قبل أن يحكم قبضته”.
