بقلم/عمر الحويج
[ من جبل العقيدات إلى ساحة مصطفى محمود .. ومن فض الإعتصام إلى شهداء انقلاب الموز . دماء سودانية بلا إنصاف ودون عقاب] ..
ما حكّ جلدنا إلا ظُفرنا !! .
ما أشبه الليلة بالبارحة !! . في جبل العقيدات ، حيث موت الضان كان ، وكما تشير التقارير المتداولة إلى سقوط أعداد كبيرة من السودانيين جراء غارات جوية قام بها سلاح الطيران المصري ، لا يبدو أن سلطة البرهانوكوز وحكومة الكامل / أراجوز ، ستفعل أكثر مما فعلت من تشكيل لجنة غفلة ، (بعد انتهائه من توزيع دوره الكوشتيني أحدهما ، واطمئنان الآخر على سلامة بابا الفاتيكان ومشروعه الحضاري) ، بتصور أنها فعلت ، للتحقيق في موت الضحايا وإنصاف ذويهم . لجنة قد تنتهي ، كما انتهت لجان سابقة ، إلى إنصاف الجلاد وتبرئة المسؤولين ، حتى ولو بالتناسي ، أو الإنحياز العلني ، لصف الجلاد ، (كما في حالة زميلنا السابق نبيل أديب ونحن برالمة حين كان قدوتنا في نقاشات حوش الجامعة تَذكُّر صديقي بروف بركات الحواتي ) ، فيما تظل دماء الضحايا معلّقة بين رواية رسمية غائبة وحقيقة لم تُكشف كاملة .
ما حكّ جلدنا إلا ظُفرنا !! .
فما أشبه جبل العقيدات بساحة القيادة العامة في الخرطوم ، يوم فضّ الاعتصام ، حين سالت دماء شباب وشابات السودانيين والسودانيات العزّل ، وتعلّقت الآمال بلجان التحقيق ، ثم اصطدمت بواقع لم يحقق العدالة التي انتظرها الضحايا وذووهم . يومها لم يكن السؤال عن عدد اللجان ، بل عن مَن يملك إرادة الوصول إلى الحقيقة ، ومَن يحاسب مَن؟؟ .
إنها لعنة اللجان حين تتحول من أدوات لكشف الحقيقة إلى أبواب لتأجيلها واغلاقها بالضبة والمفتاح ، ومن وسائل للإنصاف إلى ستائر تحجب المسؤولية . ولعلّ المفارقة الأشد مرارة أن الذين ينتظرون عدالة الدولة هم أنفسهم الذين خبروا عجزها ومصيرها ، مرة بعد مرة .
وما أشبه الليلة بالبارحة !! . في ميدان مصطفى محمود بالقاهرة ، وفي الثلاثين من ديسمبر 2005 ، سقط سودانيون لجأوا إلى الاعتصام السلمي مطالبين بحقوقهم . وثّقت منظمات حقوقية مقتل ما لا يقل عن سبعة وعشرين سودانيًا ، بينهم أطفال ونساء ، إثر فضّ الشرطة المصرية الاعتصام بالقوة ( اذكر أنني لمست ذكرها هي وقضية بنطلون الزميلة الصحفية لبنى أحمد حسين في قصتي القصيرة الزنزانة 30/6 عن الثورة المصرية المجهضة ) . وأُغلق التحقيق الرسمي دون مساءلة تتناسب مع خطورة ما حدث ، بينما طالبت منظمات حقوقية بتحقيق مستقل وشفاف .
هناك أيضًا ، لم تكن دماء السودانيين كافية لانتزاع العدالة التي يستحقونها . كأن السوداني أينما حلّ ، مطالب بأن يثبت أولًا أنه إنسان ، قبل أن يسأل عن حقه في الحياة والكرامة .
وإذا كانت السلطة المصرية قد تنصّلت من المسؤولية الجنائية عن تلك الواقعة ، فإن السؤال الذي يخصّنا نحن لا يقل مرارة : أين كانت الدولة السودانية ؟؟ وأين ظلّت بعد أن صار مواطنوها ضحايا خارج الحدود؟؟ وهل يكفي أن نعدّ الموتى ، ثم نطوي الصفحة حتى موعد المجزرة التالية؟
ما حكّ جلدنا إلا ظُفرنا !! .
ولا تقف الذاكرة عند هذا الحد . ففي حلايب وشلاتين وأبو رماد ، يعود النزاع على الأرض والسيادة ، ويقتل فيها الضابط محمود وجنده في حرب كرامة وليست حرب تلبيسة أو بلبيسة ، وتعود معه أسئلة قديمة عن حدود المسؤولية الوطنية ، وعن دماء السودانيين وحقوقهم حين تتراجع الدولة عن واجباتها أو تعجز عن النهوض بها .
لكن المقارنة بين هذه الوقائع لا تعني أنها حادثة واحدة تكررت بحذافيرها ، فلكل واقعة ظروفها وتفاصيلها ومسؤولياتها التي ينبغي كشفها وتوثيقها . ما يجمعها هنا هو السؤال الذي لم نتوقف عن طرحه : مَن يحمي المواطن السوداني ، ومَن يطالب بحقه حين يُقتل أو يُظلم ، ومَن يمنع أن يصبح الإفلات من المحاسبة قاعدةً لا استثناء؟ .
إن ما جرى في جبل العقيدات ، وفق ما أوردته التقارير والشهادات المتداولة ، لا ينبغي أن يمرّ بوصفه خبرًا عابرًا في نشرات الأخبار ، ولا أن يُختزل في سجال بين حكومتين بينهما تحالف قسمته طيزي ، أحدهما آمر والآخر مأمور . نحن أمام أرواح سودانية ، وأسر تنتظر معرفة مصير أبنائها ، وحق عام في كشف الحقيقة وتحديد المسؤولية ومحاسبة المتورطين .
فإن كانت هناك رواية تقول إن الضحايا تجاوزوا الحدود ، فلتُعرض الأدلة ، وليُكشف مكان استهدافهم ، ولتُحدَّد هوياتهم ، ولتُسلَّم جثامينهم إلى ذويهم إن كانوا من رعايا دول أخرى ، وبعض الدول قد طالبت بجثامين رعاياها . لتفضح بذلك ادعاء الحكومتين ، تهربًا من مسؤولياتهم . أما إن كانوا سودانيين ، فقد قتلوا داخل أرضهم ، فحقهم وحق أسرهم لا يسقطان بالتجاهل أو بتبادل الاتهامات . وفي الحالتين ، لا يجوز أن تتحول صفة الضحية أو جنسيتها إلى ذريعة لإهدار دمها ، أو بافتراض التسلل إلى حدود الدولة الاخرى وهم عُزل ليضربوا بسلاح الطيران وبأي قانون يُبرر موت الضأن هذا ؟؟ .
ولا ينبغي أن نسبق التحقيق المستقل إلى أحكام قانونية نهائية ، لكن من حقنا أن نطالب بكشف الحقيقة ، وأن ندعو إلى فحص الوقائع في ضوء القانون الدولي ، بما في ذلك ما قد ينطبق عليها من جرائم جسيمة ، إذا أثبتت الأدلة توافر أركانها .
ما حكّ جلدنا إلا ظُفرنا !! .
ولكي لا تكون ليالينا نسخةً أخرى من البارحة ، علينا أن نخرج بقضية جبل العقيدات من دائرة النسيان المحلي إلى فضاء الرأي العام العالمي . لا انتظارًا لصحوة مفاجئة من سلطة الأمر الواقع ، ولا رهانًا على لجنة تشكّلها سلطة قد تكون لها مصلحة في إغلاق الملف ، بل بتحرك شعبي ومدني مستقل ، يضع الحقيقة والعدالة فوق حسابات الحكومات .
على منظمات المجتمع المدني السودانية ، والأحزاب ، والنقابات ، والاتحادات المهنية ، وروابط السودانيين في الخارج ، أن تتعاون في جمع الشهادات والأسماء والأدلة ، وتوثيق الوقائع ، ومتابعة مصير المفقودين والجرحى ، والتواصل مع المنظمات الحقوقية الدولية والآليات الأممية المختصة . ويمكن للأفراد كذلك أن يرفعوا أصواتهم ، وأن يساهموا في نشر المعلومات الموثقة ، كلٌّ من موقعه وبقدر استطاعته .
إنها قضية لا تخصّ سلطةً بعينها ، ولا حزبًا دون آخر ، ولا تتوقف على اتفاقنا أو اختلافنا مع من يتولى الحكم . إنها قضية الإنسان السوداني وحقه في الحياة ، وقضية الأرض التي لا تُصان سيادتها بالشعارات ، بل بحماية من يسكنونها ومحاسبة من يعتدي عليهم
وإذا كانت السلطات المصرية والسودانية تملك ما تقوله ، فلتقدّمه للرأي العام ، ولتتعاون في كشف الحقيقة ، وتحديد المسؤوليات ، وضمان حقوق الضحايا وأسرهم . أما الصمت ، وتبادل الاتهامات ، وإغلاق الملفات قبل استكمال التحقيق ، فلن يصنع سلامًا بين شعبين لا حكومتين ومخابرتين ، تربطهما وشائج التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة .
ولعلّ أخطر ما في الأمر أن تتحول الأرض ، بعد تغييب أهلها أو تهجيرهم أو قتلهم ، إلى مساحة يسهل فرض الأمر الواقع عليها ، وتلميحي مفهوم يا هؤلاء !! . لذلك فإن حماية الإنسان والأرض ليست قضيتين منفصلتين ، فالأرض التي لا تحمي أبناءها تصبح سيادتها نفسها موضع سؤال .
ما حكّ جلدنا إلا ظُفرنا !! .
هذه المرة ، لا نريد لجنة غفلة جديدة ، ولا بيانات تُبرد حرارة الغضب ، ولا وعدًا يستهلكه النسيان ولا جعجعة لسان فارغة في الفضائيات . نريد حقيقةً كاملة ، ومحاسبةً عادلة ، وحقوقًا لا تضيع باختلاف الجنسيات أو موازين القوة .
ما حكّ جلدنا إلا ظُفرنا !! .
فلنحمل قضيتنا بأنفسنا إلى الرأي العام ، وإلى المنظمات الحقوقية والآليات الدولية المختصة ، ولنجعل من جبل العقيدات قضيةً سودانية عامة، لا خبرًا يمرّ ثم يُنسى .
فما حكّ جلدنا إلا ظُفرنا .. وما ضاع حقّ وراءه مطالب .
[ لا للحرب .. نعم .. للسلام .. والدولة مدنية ]
omeralhiwaig441@gmail.com
