د. مقبول التجاني
الحرب السودانية لم تُدمّر و تُخَرِب المدن و البيوت وحدها، بل دخلت إلى أعماق أعماق الإنسان السوداني نفسه، و أعادت ترتيب مشاعره و مخاوفه و ذاكرته، و صورته الذهنية و النفسية عن الآخر.
حين تطول الحروب، لا يعود التساؤل السياسي مُتعلقاً فقط بمن يملك السلاح أو الأرض أو مؤسسات الدولة، بل يُصبح التساؤل مُتعلقاً أيضاً بما يحدث داخل وعي الفرد و عواطفه و إنفعالاته.
المُهم هُنا، هو الطريقة التي يُفكر بها الإنسان السوداني في زمن الحرب، بحيث يُصدّق رواية دون أخرى، في وقتٍ يَتحول فيه الخوف إلى كراهية، و يُصبح الدفاع عن الجماعة السياسية و العرقية، مُبرراً للتخلي عن العقل النقدي.
في السودان، حيث إمتدت الحرب إلى ما وراء ساحات القتال، نشأت حالة نفسية جماعية شديدة التعقيد، لأن المواطن السوداني لا يعيش الحرب بوصفها حدثاً عسكرياً بعيداً عنه، بل يختبرها يومياً في البيت و الشارع و الأسرة و الهجرة و النزوح و وسائل التواصل الاجتماعي.
مع صباح كل يوم جديد، تتراكم الخسارات و يتضخم الخوف، وتتراجع المسافة بين الحقيقة و الإشاعة، و تضيق المسافة بين الموقف السياسي و الإنتماء الوجداني لجماعة ما.
الحرب تنتج شروطاً نفسية، تجعل الفرد مُطيعاً، و أكثر قابلية للبحث عن الأمان داخل الجماعة، و تجعله أكثر إستعداداً، لتصديق الرواية الجاهزة التي تمنحه تفسيراً بسيطاً، لعالم شديد التعقيد.
الجماهير في حالات الأزمات لا تتصرف دائماً وفق الحساب العقلاني للمصلحة، لأن الخوف و التهديد، والإحساس بفقدان السيطرة، كلها عوامل يمكن أن تعيد تشكيل المواقف السياسية.
حين يشعر الإنسان بأن العالم من حوله ينهار، يبحث دائماً عن التفسير و الهوية و العدو، لأن التفسير يمنحه معنى لما يحدث، و الهوية تمنحه شعوراً بأنه ليس وحيداً، و العدو يمنحه سبباً واضحاً و سهلاً لمعاناته.
الحرب السودانية شديدة التعقيد، من حيث أسبابها و مساراتها و تداخلاتها السياسية و الاجتماعية والعسكرية و الإقليمية، و لكن العقل الجماهيري السوداني المُرهق قد لا يحتمل كُل هذا التعقيد، فيبدأ في البحث عن روايات بسيطة مُختصرة، كرواية نحن الخير و هم الشر، أو سردية نحن الضحايا و هم الجُناة.
بهذه الطريقة تتحول السياسة، من مجال كبير لإدارة الإختلاف العام إلى مجال صغير لتحديد من نحن و من هم، وحين تُصبح السياسة مٌجرد هويةً نفسية للفرد، يُصبح نقد الجماعة السياسية أشبه بخيانة للذات.
الحرب تحتاج إلى أرضية خصبة، لتتمدد عليها، فهي لا تبدأ عندما تُطلق البندقية رصاصتها الأولى فقط، لأن بعض جذورها النفسية قد تكون قد تشكلت قبل الحرب بسنوات عديدة، عبر خِطاب سياسي يقوم على التخوين، أو عبر ثقافة ترى الإختلاف تهديداً، أو عبر تربية إجتماعية تجعل الطاعة فضيلة مُطلقة، أو عبر إعلام يُحوّل الخصم السياسي داخل الوطن إلى عدو وجودي.
في الظروف الطبيعية، يستطيع الإنسان أن يحتفظ بمسافة ما، بينه و بين جماعته السياسية و العرقية، و لكن في زمن الحرب تضيق هذه المسافة بالضرورة، لأن الإنسان عندما يخاف على حياته و على أسرته و على مستقبله، تُصبح الجماعة مَصدراً للأمان، و بهذا يتحول الإنتماء من مُجرد إختيار سياسي إلى حاجة وجودية للفرد.
ربما يكون أخطر ما فعلته الحرب السودانية، أنها دفعت قطاعات واسعة من المُجتمع السوداني، إلى إعادة تعريف السودان و الإنسان السوداني نفسه، من خلال ثُنائية نحن و هم، لأن الإجابة على هذا السؤال، تختلف حسب الموقع السياسي و الاجتماعي والجُغرافي للمواطن السوداني.
هكذا يمكن أن توجد عدة سُودانات داخل السودان الواحد، فهناك السودان الذي يراه الجيش، و السودان الذي يراه الدعم السريع، و السودان الذي تراه القوى المدنية، و السودان الذي يراه النازح و اللاجئ في الخارج.
في الحروب الحديثة، لا تخوض الجيوش المعركة في الميدان فقط، فهناك حرب أخرى تجري على الهاتف الذكي، بالصُّور و المقاطع و التغريدات و التسجيلات الصوتية و الأخبار العاجلة.
المشكلة هنا، أن الخوارزميات الرقمية، لا تكافئ الحقيقة دائما، و إنما تكافئ الإنتباه في الغالب، و الغضب و الخوف هُما ما يجذبان ذلك الانتباه.
يستيقظ المواطن السوداني يومياً، على عشرات الروايات المُتناقضة، و في المساء يكون قد أعاد نشر بعضها و هاجم بعضها الآخر، و ربما يدخل في خصومة إجتماعية بسببها، مع شخص كان بالأمس صديقاً له.
بهذه الطريقة تصبح الحرب السودانية، حرباً على الإدراك العقلي، و من ينجح في تشكيل إدراك الجماهير السودانية، يستطيع أحياناً أن يؤثر في سلوكها دون أن يطلق رصاصة واحدة.
الجماهير يُمكن أن تكون ضحية للدعاية والخوف، لكنها يُمكن أيضاً أن تُصبح شريكاً في إعادة إنتاج خطاب الكراهية.
إذا أردنا إنهاء الحرب السودانية فعلاً، فنحن نحتاج إلى وقف الحرب داخل وعي المواطن السوداني أيضاً، و هذا يتطلب مشروعاً وطنياً لاستعادة التفكير النقدي.
