جمال محمد ابراهيم
هاأنت في عامك الأوَّل في المدرسة الثـانوية، تتردَّد خطاك بين طفــولة فـي
مغيبها، ومراهقة تتحايل أنْ تهلّ عليك في إشراقها. ثمّة أسئلة تراوح مكانها في ذهـنك الصبيِّ ، تكاد حيرتك حـولـها انْ تهدّ كتفـيــك . لم يكن تغيير مدرســتك محضَ خروج من مرحلةٍ إلى مرحلة. كنتَ في ”مدرسة النهضة الوسطى“ جنوبي ”جامع الخليفة“، وقبالة موقعٍ كان له تاريخ ٌلافتٌ ذو مراحل، أقام فيه خلال حقـبة المهــدية ”سَــلاطين“ باشــا، ثمّ في حقـبة الحكم الوطني صــارمـوقــعـا ًلســرايا ”أبوالعلا“ ، ثمَّ مقراً لحزب الأمَّة أخيراً. لكنكَ الآن جئتَ إلى الثانوية في مدرسة المؤتمر، قبالة مصب ”خور أبوعنجة“ في خاصرة النيـل، بين”حي الموردة“ وجـزيرة ٍ تَغـنّى بســِحرِها ” التجاني يوسف بشير“، هي ”توتــي“ . يا لـك مِـنْ غافل ، فقــد حسِبتَ انتقالكمحض درسٍ في الجغرافيا، وتخطَّتْ ذاكرتك استيعابَ انَّ انتقــالك هو رحلة ٌ في الزّمان، مثلما هـو توغُّل في التاريخ . .
في انتقالك من ”المرحلة الوسطى“ إلى الثانوية، جاءت ْإليك معان ٍ لم يسـتقبل ذهنك ما حوَتْ تعقيداتها من تلاقح بين تاريخ ٍ وجغرافيا. أهـمَّ ما طرقت ْ أبواب عقلك حينها، كلـمـاتٌ حمـلــت معنىين : معنى السُّــلطة، ومعنى الحــرية. كان مديـر مدرسـتكم تلك، هو الأستاذ الضَّخم ”الطيٍّب شبيكة“، مديرها وســلطانها. بيده السُّـلطة الحاكمة، يخضع لها الجميع: معلمــون وطـــلاب وإداريون وحفظــة النِّظام في المدرسـة. أمّا الحريّة ، فهيَ مشاعرانطلاق الرَّغبات الخفـية والظاهرة. تلك التي تُقـال والتي لا تُقــال . بانتْ لك وقتها تلك المسافة التي بدأتْ تلوحَ لـكَ بين واقعٍ تلمسـه بيديـك ، وعالم ٍآخر يخرج لك مـن حكـايات وقصص تسـمعهـا أذنيــك وتقــرأها بعينيك، سـطوراً مكتوبة في مجلاتٍ وفي كُتبٍ للصِّغار. الدائـرة الصغيرة التي كُنتَ تدور حولــها طفــلاً غريراً وصبيا ً أخضر يافعـا، بدأتْ تكبر وتتسـع لتأخـذ بيـديـك وتُعـمِّــدك َإلـى عِمَـارة العقـل واكتمـال الـبـدن. .
في تلك السِّنّ الباكرة ، تتناهَى إلى مسمعيك أمورٌ عَن سُلطةٍ غاشمة هي غـير سُلطة مدير مدرستك، فتعجب ما هو ذلك الغشم الذي جعلوه وصفاً لسُلطة لحاكم اســمه ”ابراهيم عبّود“ يحكم البلاد ، فهبَّ الناس من حولك يعارضون حكمه فقد رأوه حاكماً غاشماً . كما بلغكم حينها ، أنَّ طالـباً في جامعـة الخرطـوم أردوه قـتيـلا ً عسكرٌ يتبعون لذلك الحاكم الذي لم تعجبه ندوة سياسية في الجامعة عــن مشكلة جنوب السودان.
رَنّ اسـم ُ الرَّجل : ”عـبّود“ قبل سنوات ،وأنتَ في المدرســة الأولية.يومهــاحين تسـلقتم سور المدرســة القصير وشـاهدتم جلبة لجمهـرة من أناسٍ بجلابيـب بيضاء يحملــون نعشـاً ملفـوفاً بالأبيض ، ويسرعون الخُطى متجهـيــن غــرباً إلـى مقـابر ”حمدالنيل“. حدَّثكم تلاميـذٌ من أبنــاء ”حيِّ المــوردة“، أنَّ النّعـش المحمول هو لضابط اســمه ”على حامـد “، حَكم علـيه قّاضٍ عسـكريّ بالإعـدام. لعلـك أدركتَ لاحقا، ًأنه مِن أقرباء صديقك عبدالوهـاب الصَّاوي في المدرسة الثانوية . ترَى هل جالَ في خاطـريكما -أنت وصــديقـك- أنكمـا ســتلتقـيان بعــد سـنوات سـفيرين في دبلوماسية بلادك. . ؟
أعود بذاكرتك إلى ذلـك النظام عسكري الذي أعدم ”علي حـامــد“، وهــو أيضا ًمن قتـل جنـــوده طالب الجامعة. عرفتم اسـمه ”أحمــد القـرشي“. طــلابٌ كبار في مدرستكم في سنواتهـم الأخيرة، حثّـوكم للخروج في تظاهرةٍ خرجت ْهــادرة في شـارع ”الموردة“ تتجـه نحـو الخرطـوم. اليوم هـو يوم الخمـيس. هــذه تجربَتك الأولى لتشارك في تظاهرة يهتف منظموها بسقوط نظام الحكم، ثم يأخذك الموجُ الهادرُ مع الرَّاجِلـين، وهُـم يعبرون جسرالـنِّيـل الأبيض مُتَّجهـيــن إلـــى الخرطــوم. بلغتم في تلك الظهيرة بأقـدام ٍمُنهَـكةٍ، نواحــي القصــر الجمهوري، حيث تصوّرتم أنَّ ”الفـريق عبّـود“ قابعٌ في مكاتبه، محروسـاً بعسَسٍ غاضبين ، أطـلقوا على المتظاهـرين مُسـيّلات الدّموع .هـرعتم مذعورين تحتمون ببنايات تحت التشـييد، فهيَ المرّة الأولى التي تشـنّف أنوفكم غاز المُسـيِّلات . بين َبراميل المياه والطـوب الذي مـلآ المكان، تســـللتم إلى تلك البنايات قيد التشييد. عرفتم بعد سنوات هي بناية ”صحـارى“ القائمـة وسـط الخرطوم ، ثمَّ دعوكم عمَّـالـها من أبناء جـنـوب البلاد لغســل وجوهــكم وعيونكم ، فالماء يزيل آثار مُســيَّلات الدّموع. كما فهمتم .
ترَى كيفَ تستعيد ذاكـرتك تفاصيل ما وقعَ لك قبل نحو ســتين عــاما، وتلـك الذَّاكرة التي كانت فتيّة ناشطة ذات عهـدٍ، هيّ الآن إلى أفــول واستيداع، إلا أنْ أحييك لك. بجهـدٍ ذاتي.؟ لا تســلْ مَــن لا يجيـبـك ، فأنت تكـتب بتـداعٍ ، لا ولـن تعــرف له مصـدرا، ولا مِـن ايِّ مَكمنٍ تحـدَّر إليك، أم تراك غِــبْتَ عن نفـسك، أواستغرقك حُلـم ٌوأنت في مـنـامٍ عميــق؟
ثُمَّ كان يوم السبت 24 أكتوبر، وقد قدمتم لمدرســتكم في الموعــد المعــتاد. لم يجــد ”ألـفــة“ الفصل ما يقوله لـكم . كان ”علي يوسـف الشريف“ و هو فيي مثل ســنَّكم، لكنَّه الأكبر فيكم بسِمتهِ المُميّز، فاختاره مُعلِّمُ الفصل عليكم مشــرفا ًطلابياً. حيــن اجتمع إليكـم مــديرالمدرسـة، المُربي ”الطيب شـبيكة“ ، ومن حوله حَفظـة أمـن المدرسة: الصَّول ”العَشا“ ومساعده عمّكم”الأمين“، غشيتكم رَهـبة، إذ حَفَظةُ الأمن متحفِّزون بسياطهم لتنفيذ عقــوبة الجلــد لكلِّ من غـــادر فصــول الدِّراســـة وشارك في تظاهرة يوم الخميس. فوجـئـتم بالمُربِّي ”الطـيّـب شـبيكة“ يقـول لكم: عـودوا إلى بيــوتكم أنتــ الطلقــاء..!
كان ذلك درسـكم الأوّل للتســامح بين اختلاف جيلٍ عن جيل، وموقـــفٍ عـن موقف من مُرَبٍ قـدير. يا لعظـمـة المدير المُـربِّـي ”الطيّـب شـبيكة“ .
نظرتُم إلى بعضكم البعض غير مُصدِّقين . بعض مُعلميكم غائبون.. لم يكن
أستاذ ”العقلي“ مُعلِّم الدِّين حاضراً، ولا مستر”كووك “معلّـم اللغـة الانجليزية وكذا ”شـكَّاك“ مُعلّم الجغــرافيا، ولا المُعـلـم ”بابكرأحمـد موسى“ معلّم الـتاريخ الأثير لديكم، كانوا هناك. لعلّك لا تتذكَّـر مَن كان معـك َمن زملائك في الفصــل. أذكّــرك أن ّ بينهم صـديقـك علي حسـن نجيـلة ، وعبد الحليم جاويش والمرحــوم أبوالقاسـم عبدالواحـد، وعبدالوهاب الصّــاوي، ومحمد آدم عثمان، والمرحوم عبد المطلــب بابكرهلاوي، وأحمد ياجـي، وطـه صادق أحمــد. غابَ عَن الحـضـور أصـدقاؤك ”الـتـواتـة“ : تلامـيـــذ ”تـوتـي“ ، منهــم عـبد العظيـم نورالجلــيـل، وتاج الديـن المنصــور، والأمين الطيّـب. غـادرتَ أنتَ إلى ”أبوكدوك“ ورافقك زميلاك طـــه الأميــن، وطه صـاد ق أحمد. أما علـي يوسـف الشريف-”ألفــة الفصل“- فغـادر راجِـلاً إلى شارع الأربعيـن، ومن هــناك إلــى ”أبو سِــعـِد“ ، حيـث يقـيــم صــديقك .
بعد يوم ٍ أو بعض يوم ،جـئـتَ أنتَ لتنصت َمِـن ْمـذياع ٍ بدُكـانـة جـــدِّك ”ابراهـيم الأحمــر“، إلى بيـانٍ من الفريق ”ابراهيم عبّود“ ، يتنحَّـى عَـن حُكــم البــلاد، فاستعاد الشعب إرادته، وما كنتم تتصوّرون أن يوماً سيأتي فتداس تلك الإرادة ، لا بحوافر خيول التتار، بل بمسـيّرات تُرمَى عليكم من سِـجيل.
أنا ذاكرتك ياهـذا. أهمس إليك . هلْ تنسـَى- بعـد أكثر من سـتين عاما – أوّل أيام ثورة أكتــوبر في عام 1964. . ؟
القاهرة في 21 أكتوبر 2026
