كيف يستقيم أن يعدَّل القانون بحيث يصبح التعبير عن رأي أو نشر فكرة تخالف خطاب الحرب أو تنتقد الجيش جريمة قد تقود صاحبها إلى حبل المشنقة؟
بأي منطق يقتل صاحب رأي لأنه عبر عن موقف من الحرب وضد من يزكون أوارها بينما تفتح أبواب السلطة لحَمَلَة السلاح الذين ارتبطت أسماؤهم بالدم والعنف؟ كيف يصبح القلم أخطر من البندقية والكلمة أشد جرما من الرصاصة؟
إن تصفية الخصوم السياسيين وإسكات الأصوات المخالفة لا تبني دولة كما أن القمع لم يكن يوما ضمانة لبقاء أي سلطة. بل إن مثل هذه السياسات تمثل إنذارا بقيام دولة بوليسية تدار بالخوف بدل القانون وتحكم بالصمت بدل المشاركة وتضع رقاب المواطنين تحت سلطة الجنرالات لا تحت مظلة العدالة.
وليس أكثر إثارة للقلق من العقوبة نفسها ولكن بالجهة التي تتبناها. فحين يصدر التشدد من قائد عسكري في لحظة حرب يمكن فهم دوافعه أو على الأقل فهم السياق الذي ينتجه أما حين يأتي من وزارة أُنشئت أصلاً لحراسة العدالة وصيانة الحقوق فإن الأمر يتحول من خطأ سياسي إلى انهيار في الفكرة التي قامت عليها العدالة نفسها.
كيف يمكن لوزارة مسؤولة عن العدل أن تميل بميزان العدالة إلى هذا الحد؟ كيف تتحول من مؤسسة يفترض أن تضع القيود على السلطة إلى أداة تمنح السلطة مزيدا من القدرة على البطش؟ وكيف يصبح دورها البحث عن العقوبات الأشد بدل البحث عن الضمانات الأوسع للمحاكمة العادلة وحرية الرأي والتعبير؟
إن العدالة في جوهرها لم تخلق لحماية الحكومات من المواطنين وإنما لحماية المواطنين من تعسف الحكومات. ولم تنشأ القوانين كي تفرض الصمت ولكن لكي تنظم الاختلاف وتمنع تحوله إلى عنف. أما حين يصبح الرأي جريمة والكلمة تهديدا وجوديا للدولة فإن القانون يفقد رسالته الأخلاقية ويتحول إلى سلاح سياسي.
وإذا كانت السلطة تزعم أن هذه الإجراءات ضرورية لحماية الدولة فإن السؤال البديهي يظل قائما، أي دولة هذه التي تخشى رأيا منشورا على منصة إلكترونية أكثر مما تخشى انتشار السلاح؟ وأي عدالة هذه التي ترى في صاحب منشور خطرا يستحق الإعدام بينما تتسع ساحاتها ومجالسها لقادة المليشيات وأمراء الحرب الذين ارتبطت أسماؤهم بالنزاعات والدماء؟
إن العدل لا يقاس بقسوة العقوبات ولكن يقاس بقدرة القانون على التمييز بين الجريمة والرأي وبين الرصاصة والكلمة وبين التحريض على العنف وحق الإنسان في التعبير عن موقفه. وحين يختفي هذا التمييز تسقط العدالة من مقامها ويتحول القضاء من حصن للحقوق إلى أداة للصراع السياسي.
والأشد خطورة أن هذه السياسات تأتي في وقت صدرت فيه بالفعل أحكام بالإعدام بحق مواطنين في قضايا مرتبطة بالحرب. الأمر الذي يجعل التوسع في النصوص العقابية مدعاة لمزيد من المخاوف بشأن مستقبل الحريات والضمانات القانونية. فبدلاً من تعزيز استقلال القضاء وتشديد معايير الإثبات وتحصين حقوق المتهمين يجري الدفع نحو مزيد من العقوبات الاستثنائية ومزيد من تجريم الرأي.
إن الدول القوية لا تخاف من الكلمات، ولا تواجه الآراء بالمشانق ولا تخلط بين المعارضة والخيانة. أما الأنظمة التي تسعى إلى إخماد كل صوت مخالف فإنها لا تبني استقرارا حقيقيا لكنها تؤسس لمجتمع يعيش في الخوف والصمت والترقب. والتاريخ مليء بالشواهد على أن القمع قد يفرض السكون مؤقتا لكنه لا يصنع الشرعية ولا يمنح الحكام حصانة من السقوط.
لذلك فإن القضية ليست مجرد تعديل قانوني جديد بقدر ما هو سؤال أخلاقي عميق حول معنى العدالة نفسها، هل ما زالت مؤسسات الدولة تؤدي وظيفتها في حماية الحقوق أم أنها أصبحت جزءا من آلة السلطة التي تجرّم الاختلاف وتكافئ القوة؟ فعندما يصبح الموت عقوبة على الرأي تكون المشكلة أكبر من نص قانوني لأنها تصبح أزمة في مفهوم الدولة والعدل والقانون معا.
والتاريخ يُعلِّمنا أن الأنظمة التي تضيّق مساحة الرأي وتخلط بين المعارضة والخيانة قد تؤخر لحظة المساءلة ولكنها لا تستطيع منعها إلى الأبد. فاستخدام القوانين والقضاء أو الأجهزة الإدارية لتصفية الخصوم السياسيين ظاهرة تكررت في دول كثيرة. وغالبا لا يكون الخلاف حول وجود القانون نفسه ولكن يكون الخلاف حول توظيفه بصورة انتقائية ضد المعارضين مع حماية أنصار السلطة. ومن المفيد دراسة هذه التجارب لفهم كيف انتهت.
ففي السودان في فترة نميري وبعد استقرار النظام استُخدمت قوانين الطوارئ والمحاكم الخاصة ضد خصوم سياسيين ونقابيين ومعارضين. وتعرضت أحزاب وشخصيات سياسية للاعتقال والمحاكمة أو الإقصاء من العمل العام وانتهى النظام بانتفاضة شعبية واسعة مدعومة بإضرابات حيث لم تؤدِّ الإجراءات القانونية الاستثنائية إلى القضاء على المعارضة ولكنها بالعكس ساهمت في تراكم السخط.
وفي فترة نظام عمر البشير اعتمد النظام على قوانين الأمن الوطني والطوارئ وتدابير إدارية وقضائية حدّت من نشاط الأحزاب والصحافة ومنظمات المجتمع المدني. كثير من المعارضين تعرضوا للاعتقال أو المنع أو المحاكمات ذات الطابع السياسي بحسب منتقدي النظام وانتهى النظام بعد احتجاجات شعبية واسعة بدأت في ديسمبر 2018 وتُوِّجت بعزل البشير. ورغم طول فترة الحكم لم تنجح أدوات الإقصاء القانوني في إنهاء المعارضة السياسية.
وفي العالم الكثير من التجارب والعبر ففي جنوب أفريقيا في عهد الفصل العنصري استُخدمت قوانين مثل “قانون قمع الشيوعية” وقوانين الأمن لاعتقال المعارضين ومنع الأحزاب والحركات المناهضة للتمييز العنصري ومن بينهم نيلسون مانديلا وانتهى النظام بتزايد الضغوط الداخلية والدولية حيث اضطرت السلطة إلى التفاوض وأُطلق سراح مانديلا وانتهى نظام الفصل العنصري لتُجرى انتخابات ديمقراطية عام 1994.
وفي ألمانيا الشرقية استخدمت الدولة القوانين وأجهزة الأمن والمحاكم لملاحقة المعارضين ومنع النشاط السياسي المستقل و انتهى النظام عندما تراجعت شرعيته وازدادت الاحتجاجات الجماهيرية فانهار النظام بسرعة وسقط جدار برلين ثم توحدت ألمانيا.
وفي تشيلي في عهد أوغستو بينوشيه، استُخدمت المحاكم الاستثنائية وقوانين الأمن والاعتقالات السياسية ضد المعارضين بعد انقلاب 1973.وانتهى النظام بأن أُجبر على قبول استفتاء عام 1988، وخسر الاستفتاء الذي كان سيمنح بينوشيه استمرارا في السلطة وبدأ الانتقال الديمقراطي.
وفي الاتحاد السوفيتي في عهد ستالين شهدت ثلاثينيات القرن العشرين محاكمات سياسية شهيرة استُخدمت لإقصاء قيادات الحزب والدولة والجيش فانتهى النموذج بعد وفاة ستالين حين بدأت القيادة السوفيتية نفسها في إدانة كثير من تلك الممارسات، وأُعيد الاعتبار لعدد كبير من الضحايا.
وفي تركيا بعد انقلاب 1980، استُخدمت قوانين الطوارئ والمحاكم العسكرية على نطاق واسع ضد القوى السياسية والنقابية وانتهى ذلك بعودة الحياة السياسية تدريجيا وعادت الأحزاب والانتخابات إلى الواجهة فيما تعرضت مرحلة الحكم العسكري لانتقادات واسعة لاحقًا.
كل هذه التجارب ورغم اختلاف السياقات، تظهر لنا أن معظم الأنظمة التي وسعت استخدام القوانين الاستثنائية ضد الخصوم انتهت إما بانتفاضات شعبية أو انتقالات تفاوضية أو إصلاحات قسرية. المفارقة التاريخية أن كثيراً من هذه الأحكام تفقد قيمتها المعنوية بعد سنوات وتتحول إلى أدلة ضد الأنظمة نفسها. فالمعارض الذي أُدين بالأمس يصبح رمزا وطنيا بعد سقوط السلطة التي حاكمته.
وفي أغلب التجارب التاريخية لا تعمل عملية تصفية الخصوم عبر القانون وحده ولكن تعمل عبر تحالف ضمني بين مؤسستين مركزيتين هما القضاء والإعلام. فالقضاء يمنح القرار مظهر الشرعية والإعلام يحاول ان يمنحه القبول الشعبي.
فإذا أصبح القانون أداة في يد السلطة والقضاء أداة في يد القانون المشوَّه والإعلام أداة في يد السلطة فإن النظام يبدو قويا من الخارج ولكنه يكون قد بدأ فعلياً في استهلاك مصادر بقائه.
والتاريخ يكشف مفارقة عميقة هي أن الأنظمة التي تستخدم القضاء لإقصاء خصومها تكسب معركة قانونية مؤقتة ولكنها تخاطر بخسارة المعركة الأخلاقية طويلة الأمد. وعندما يفقد القضاء ثقة الناس ويصبح الإعلام صدى للسلطة لا صوتاً للمجتمع يبدأ العدّ التنازلي للنظام مهما بدا مستقرا وقويا.
عبدالله جعفر
