لا يحسم التصعيد الأمريكي الإيراني مصير الحرب السودانية لكنه قد يغيّر ثلاثة أمور تؤثر في مسارها: انتباه الوسطاء وقدرتهم على المتابعة وكلفة الاستمرار في القتال على الطرفين وحجم الموارد الحقيقية المتاحة لتمويل السلام بعد توقف اطلاق النار. والخطر الأكبر أن يتراجع الاهتمام بالسودان في الوقت الذي ترتفع فيه كلفة إنقاذه أو أن يتوقف القتال دون ترتيبات تستطيع منع عودته.
يحتاج السودان إلى ضغط دولي متماسك لإنهاء الحرب وإسناد اقتصادي طويل الأمد لاستعادة الحياة. لكن الدول القادرة على تقديم الأمرين لها أولويات تتجاوز السودان وقد تعيد ترتيب انخراطها بحسب ما يهدد أمنها ومنشآتها وتجارتها. وكلما طالت الحرب الداخلية ازدادت قابلية مستقبل البلاد للارتباط بحسابات خارجية لا يملك السودانيون تأثيراً كافياً فيها.
أول المخاطر المحتملة تراجع فاعلية الوساطة. فقد تستمر الاجتماعات والبيانات بينما تنخفض القدرة على متابعة الالتزامات والتحقق من تنفيذها وفرض كلفة على تعطيلها. وفي هذه المساحة قد يراهن طرفا الحرب على تحسين مواقعهما الميدانية مستفيدين من انشغال القوى المؤثرة. ولا يلزم أن تتوقف الوساطة حتى تفقد أثرها فيكفي أن تنقطع متابعتها أو تتباعد حسابات رعاتها أو تتنافس منابرها بما يسمح لكل طرف باختيار المسار الأقل ضغطاً عليه.
ومع ذلك قد يدفع القلق على البحر الأحمر إلى اتجاه معاكس فتزداد الضغوط لتهدئة السودان حمايةً للملاحة والموانئ والممرات التجارية. لكن ارتفاع الاهتمام الأمني لا يضمن وحده تحسن فرص السلام المستدام أو الانتقال الديمقراطي. فقد يتقدم السؤال عمّن يستطيع ضبط الساحل وحماية المصالح الخارجية ويتراجع الاهتمام بشرعية السلطة وحقوق المواطنين ووحدة المؤسسات.
وهنا ينشأ خطر تسوية تُهدّئ بعض الجبهات وتُبقي أسباب الحرب قائمة. فترتيبات أمنية مع قوة تسيطر على موقع استراتيجي قد تحقق منفعة عاجلة لكنها تظل معرضة للانهيار إذا بقي السلاح موزعاً بين مراكز قرار مستقلة. وقد يؤدي تأمين الساحل بمعزل عن بقية البلاد إلى تكريس تفاوت الاستقرار والخدمات وربما تعميق الانقسام الفعلي بدلاً من معالجته.
عسكرياً يمكن أن تؤثر المواجهة الإقليمية في خطوط الإمداد وحسابات الموردين. فقد يصبح التعاون العسكري مع إيران أعلى كلفة سياسياً وقد تتعرض الإمدادات المرتبطة بها لضغوط إذا أعطت طهران الأولوية لاحتياجاتها أو تعطلت قدراتها على الإنتاج والنقل. غير أن حجم الأثر على الجيش السوداني يتوقف على درجة اعتماده الفعلية ومخزوناته وقدرته على الصيانة والتعويض من مصادر أخرى. ولذلك لا يصح الانتقال من احتمال تضرر إيران إلى الجزم بانهيار قدرة الجيش أو تفوق الدعم السريع.
والدعم السريع بدوره ليس بمنأى عن هذه التحولات. فقد يستفيد من تعطل بعض موارد خصمه وقد يتضرر إذا تغيرت أولويات الجهات المنخرطة في دعمه أو تعقدت مسارات التمويل والنقل. كما تستطيع الأطراف التكيف مع نقص الإمداد بتغيير أساليب القتال أو اللجوء إلى مصادر بديلة بما قد يطيل الحرب بدلاً من إنهائها. أما اختيار الحصار أو استهداف المدنيين فيظل قراراً يتحمل مرتكبوه مسؤوليته ولا يبرره تغير الظروف العسكرية.
ويزداد الخطر السيادي إذا استُخدمت الأراضي أو الموانئ السودانية في نشاط عسكري مرتبط بالمواجهة الإقليمية. والعلاقة الدبلوماسية مع إيران لا تثبت هذا الاستخدام ولا تكفي للجزم باستهداف السودان. لكن ضعف الدولة وتعدد مراكز القرار يرفعان احتمال قبول التزامات غير متكافئة مقابل دعم عاجل ثم ظهور كلفتها لاحقاً في صورة امتيازات أو مطالبات تمس الموارد والموانئ وحرية القرار الوطني.
اقتصادياً قد تصل التداعيات إلى حياة الناس قبل أن يظهر أثرها في موازين القتال. فارتفاع الوقود والشحن والتأمين يرفع كلفة الغذاء والدواء ومدخلات الزراعة وتشغيل المياه والكهرباء. وفي بلد أنهكت الحرب موارده ومرافقه قد تؤدي زيادة محدودة في كلفة التشغيل إلى توقف خدمة كاملة. كما يزيد غلاء الواردات الطلب على النقد الأجنبي بما قد يفاقم الضغط على العملة والأسعار.
وللتوقيت أثر حاسم. فارتفاع كلفة الوقود والأسمدة والنقل في بداية موسم زراعي قد يخفض الإنتاج ويترك أثره في الأمن الغذائي والدخل والصادرات طوال العام. وقد تمتد الصدمة عبر دول الجوار فتضعف قدرة المجتمعات المستضيفة للاجئين على تقديم الخدمات وفرص العمل وتزيد الضغوط التي تدفع بعض الأسر إلى عودة مبكرة وغير آمنة.
ولا ينبغي افتراض أن ارتفاع أسعار النفط يعني تلقائياً زيادة الأموال الخليجية المتاحة للسودان. فالإيرادات تتوقف على استمرار الإنتاج والتصدير بينما قد تتزايد نفقات الحماية وإصلاح الأضرار ودعم الاقتصاد المحلي. وبالمثل لا يضمن ارتفاع الذهب تحسن مالية السودان إذا ظلت عائداته تتسرب خارج القنوات العامة أو تمول شبكات الحرب.
وتختلف شدة هذه الآثار بحسب مسار الأزمة. فقد تخفف تهدئة إقليمية سريعة بعض الضغوط دون أن تنتج تلقائياً إرادة لإنهاء الحرب السودانية. وقد يؤدي توتر ممتد دون مواجهة شاملة إلى تآكل بطيء في التمويل والاهتمام. أما اتساع الحرب وتعطل الطاقة والملاحة فقد يرفعان الكلفة الاقتصادية والأمنية بصورة أشد. ولا توجد حاجة إلى الجزم بمسار واحد حتى ندرك ضرورة الاستعداد لهذه الاحتمالات.
غير أن الاختبار الأصعب قد يبدأ بعد وقف القتال. إذ سيحتاج السودان إلى تمويل استحقاقات فورية قبل أن تستعيد الخزانة إيراداتها أو يسترد الإنتاج قدرته مثل مراقبة وقف اطلاق النار وحماية المدنيين والإصلاح العسكري والتسريح وإعادة الدمج والعدالة وجبر الضرر وعودة النازحين. وهذه التزامات لا تستطيع انتظار اكتمال مشروعات الإعمار أو انعقاد مؤتمر مانحين.
فإذا لم تتوافر بدائل معيشية للمقاتلين ظلت شبكات التعبئة المسلحة أكثر قدرة على استيعابهم من الاقتصاد المدني. وإذا عادت الأسر إلى مناطق تفتقر إلى الأمن والخدمات وتسوية حقوق الملكية فقد تنشأ نزاعات جديدة. وإذا مُوّلت الترتيبات الأمنية وأُجّلت حقوق الضحايا بلا أفق فقد يفقد السلام قبوله لدى من دفعوا كلفته الأكبر. كما أن اتفاق الطرفين الرئيسيين لا يكفي وحده إذا بقيت قوى مسلحة قادرة على تعطيله خارج ترتيبات التنفيذ.
لهذا ينبغي أن تبدأ مناقشة تمويل السلام أثناء التفاوض على وقف الحرب. فالهدنة الإنسانية لها قيمة في إنقاذ الأرواح وتيسير الإغاثة لكن تحولها إلى وقف اطلاق نار مستدام يحتاج إلى متابعة وضمانات وموارد. ومن الضروري حماية تمويل الاستجابة الإنسانية من التعطيل السياسي مع بناء مسار للتعافي يرتبط بها دون أن يستنزفها.
وتتطلب وعود المجتمع الدولي قراءة واقعية. فالموارد العالمية موجودة لكن تخصيصها للسودان قرار يتأثر بأولويات الدفاع والطاقة والديون والاحتياجات الداخلية. وقد تكون الدولة قادرة على تقديم الدعم لكنها تمنحه أولوية أقل أو تعلن تعهداً يتأخر اعتماده وصرفه. وهذه ضغوط ينبغي الاستعداد لها دون اتخاذها مبرراً للتخلي عن حماية المدنيين ومساندة السلام.
كما ينبغي التمييز بين المنحة والقرض والوديعة والضمان والاستثمار فلكل منها التزامات مختلفة. وإعفاء الديون يخفف أعباء ويفتح فرصاً لكنه لا يتحول كله إلى نقد يدخل الخزانة. أما الاستثمار الخاص فيحتاج إلى أمن وقضاء وحقوق ملكية ومدفوعات مستقرة ولن يمول وحده العدالة والخدمات في المناطق الأفقر.
وقد تتراجع القيمة الحقيقية للدعم حتى حين تُصرف التعهدات كاملة. فالمال الذي كان يكفي لتأهيل عدد من محطات المياه أو المرافق الصحية قد يمول عدداً أقل بعد ارتفاع أسعار المعدات والطاقة والنقل. ولذلك يُقاس الوفاء بالدعم أيضاً بما يستعيده من خدمات وقدرة إنتاجية لا بالمبلغ المصروف وحده.
في المقابل تقع على المؤسسات السودانية والقوى الساعية إلى الانتقال مسؤولية إعداد برنامج قابل للتنفيذ بموارد محدودة يتوسع عند وصول تمويل إضافي. ويبدأ ذلك بموازنة إنقاذ تحمي الخدمات الأساسية والإنتاج والحماية الاجتماعية وحصر الإيرادات والالتزامات وإخضاع المال العام لقواعد موحدة ورقابة معلنة ونشر ما تعهد به الشركاء وما صُرف فعلاً وأين ذهب.
ويتعين احتساب التشغيل والصيانة منذ تصميم مشروعات الإعمار. فإصلاح محطة مياه يحتاج إلى كهرباء ومواد معالجة وفنيين وقطع غيار وإعادة فتح مستشفى تتطلب أجوراً ودواء وإمداداً مستمراً. ومن دون ذلك قد تنتهي المنح إلى منشآت مؤهلة لا تستطيع تقديم الخدمة.
وعلى القوى المدنية أن تقدم مشروعاً يربط أمن السودان والإقليم بوقف الحرب وبناء مؤسسات شرعية وأن تدافع عن تمويل مبكر للخدمات والعدالة والتعافي المحلي. فالحكومة المدنية التي تتسلم دولة مدمرة ثم تُترك بلا موارد تصبح عرضة لتحمل مسؤولية انهيار ورثته بينما يستثمر خصوم الانتقال في عجزها.
لا تقرر المواجهة الإقليمية مصير السودان لكنها ترفع ثمن التأخر وتقلص هوامش الخطأ. وكل شهر إضافي من الحرب يبدد موارد تحتاجها البلاد ويؤخر تعافيها إلى ظروف قد تكون أشد قسوة. والمطلوب اتفاق يوقف القتال تصاحبه ترتيبات قابلة للتحقق والتمويل وسلطة تدير الموارد بعدالة وبرنامج يمنح الناس أمناً وخدمات وفرص عيش.
فالسودانيون يحتاجون إلى سلام يستطيعون العيش في ظله وإلى دولة تحمي مستقبلهم من أن يبقى بنداً مؤجلاً في أزمات الآخرين.
هيثم عثمان
