بقلم: عاطف عبدالله
في مقال وجداني بعنوان “وهل يُسأل الطائر لماذا يعود إلى عشه؟”، يشرح بركة ساكن دوافع عودته إلى السودان بعد ستة عشر عاماً من الغربة، مؤكداً أن عودته تنبع أولاً من حنين عميق إلى الوطن والأهل والناس والأمكنة والذكريات. ولا يقف عند حدود الشوق الشخصي، بل يربط عودته بإيمانه بضرورة الحوار السوداني السوداني سبيلاً لإنهاء الحرب وبناء سلام دائم ودولة مدنية، بعيداً عن منطق الحسم العسكري. كما يرى في وجوده بين السودانيين الذين صمدوا في وجه الحرب واجباً إنسانياً وأخلاقياً، مشاركاً لهم في معاناتهم وآمالهم. وفي مواجهة منتقدي عودته، يستند إلى ما وجده من محبة وترحاب، مختصراً دوافعه كلها في عبارة عميقة: “عدت لبلدي ليس إلا”.
إلا إنني أقول له بكل حب وتقدير: من منا لا يحلم بالعودة إلى بلده وأهله وذكرياته، وإلى وطن ينعم بالسلام والحرية؟ ومن منا لا يتفهم ذلك الحنين الوجودي الذي عبّرت عنه بصدق وشفافية؟ لا أحد يملك أن يصادر حقك في العودة، أو يشكك في محبتك لوطنك وانحيازك للبسطاء والمهمشين، وهي قيم ظللت تعبّر عنها في إبداعك ومواقفك.
لكن يا صديقي، ثمة مسؤوليات أخلاقية ووطنية تفرضها المكانة الأدبية الرفيعة التي أنت أهل لها، خصوصاً في هذه اللحظة المفصلية. فالمبدع الذي اكتسب ثقة الناس لا تعود مواقفه شأناً شخصياً خالصاً، بل تكتسب دلالات سياسية ورمزية تتجاوز نواياه. وهنا يكمن جوهر تحفظنا، لا على عودتك، وإنما على محاولات سلطة بورتسودان توظيف مكانتك ورصيدك الشعبي لإضفاء شرعية على حوار سياسي نرى أنه لا يستهدف إنهاء الحرب بقدر ما يسعى إلى تكريس الأمر الواقع وإعادة إنتاج السلطة العسكرية. وأنت أدرى الناس بأن الحوار الذي لا تتوافر له شروط الحرية والشمول، ولا تكون أولويته وقف الحرب، لن يؤسس لسلام دائم، مهما حسنت النوايا.
لا أشكك في صدق دوافعك، لكن النوايا الطيبة وحدها لا تحمي أصحابها من الاستغلال السياسي، والخشية أن يتحول رصيدك إلى أداة يخدم بها آخرون مشروعاً يناقض قيمك.
يا بركة، ليس الخلاف حول حق الطائر في العودة، بل حول من يريد أن يستثمر عودته ليمنح الشرعية لمن أشعلوا النار في العش. عد إلى وطنك وعانق أحبابك، فهذا حقك الذي لا ينازعك فيه أحد، لكن دون أن يتحول حضورك إلى شهادة تزكية لسلطة لم تضع وقف الحرب واستعادة الحكم المدني في مقدمة أولوياتها
