باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الثلاثاء, 3 نوفمبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

الانتقال بلا وصاية ولا تقاسم للسيادة مع السلاح

اخر تحديث: 3 نوفمبر, 2026 11:42 صباحًا
شارك

الانتقال بلا وصاية ولا تقاسم للسيادة مع السلاح: نحو سلطة مدنية مستقلة بضمانات دولية، ومجلس تأسيسي عادل، وقضاء ونيابة مستقلين لتأسيس دولة سودانية ديمقراطية بعد الحرب

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

يقترح المقال تأسيس انتقال ديمقراطي مدني مستقل في السودان، ينهي احتكار القوات المسلحة والقوى المليشياوية للسلطة، ويعيد بناء الدولة على أساس المواطنة المتساوية وسيادة القانون والتعددية السياسية والعدالة الاجتماعية والفيدرالية والرقابة المدنية على المؤسسات العسكرية والأمنية والاقتصادية. وينطلق من أن الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع ليست مجرد صراع بين قيادتين عسكريتين، وإنما تعبير عن أزمة تاريخية عميقة في بنية الدولة السودانية، تراكمت بفعل عسكرة السياسة، وتعدد مراكز القوة المسلحة، وتسييس المؤسسات العامة، واحتكار الموارد، والتهميش الإقليمي، وضعف المؤسسات الدستورية، وتداخل المصالح العسكرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن وقف الحرب، رغم ضرورته القصوى، لا يكفي وحده لتحقيق السلام؛ إذ ينبغي أن يقترن بإعادة تأسيس السلطة السياسية، وتوحيد المؤسسات النظامية، وتفكيك اقتصاد الحرب، وإصلاح القضاء والنيابة، وتحقيق العدالة الانتقالية، وإعادة بناء الإدارة والخدمات العامة.

ويؤكد المقال أن تجارب السودان منذ الاستقلال، ولا سيما الانقلابات العسكرية والحروب الأهلية والانتفاضات الشعبية والانتقالات السياسية المتعثرة، تكشف أن غياب المؤسسات المدنية المستقلة يسمح بإعادة إنتاج الاستبداد حتى بعد سقوط الأنظمة. فقد أظهرت ثورتا أكتوبر 1964 وأبريل 1985 قدرة المجتمع السوداني على إسقاط الحكم العسكري، لكنهما لم تتمكنا من بناء نظام مؤسسي يمنع عودة الجيش إلى السلطة. كما أظهرت تجربة الفترة الانتقالية التي أعقبت ثورة ديسمبر 2018 أن الشراكة بين المدنيين والعسكريين لم تؤسس لرقابة مدنية حقيقية على الأجهزة المسلحة، ولم تفكك مراكز القوة الاقتصادية والأمنية الموروثة من نظام الإنقاذ، وانتهت بانقلاب 25 أكتوبر 2021 ثم الحرب في أبريل 2023. ومن ثم فإن الدرس الأساسي هو ضرورة الانتقال من تقاسم السلطة بين النخب العسكرية والمدنية إلى تأسيس سلطة مدنية مستقلة، تستمد شرعيتها من قواعد تمثيل واضحة ومؤسسات خاضعة للمساءلة، ولا تمنح القيادات المسلحة حق المشاركة في الحكم لمجرد امتلاكها السلاح.

ويشدد المقال على أن إنهاء الحرب يتطلب معالجة متزامنة لأسبابها السياسية والعسكرية والاقتصادية والإقليمية، لأن استمرار التنافس على القيادة والسيطرة على الموارد والأراضي والمؤسسات يجعل الاتفاقات المؤقتة عرضة للانهيار. كما أن تعدد المبادرات والوساطات دون تنسيق موحد يؤدي إلى تضارب المسارات وتكرار المفاوضات وتنافس الوسطاء، بينما تظل مصالح الأطراف المسلحة والداعمين الخارجيين قادرة على تعطيل التسويات. لذلك يدعو إلى توحيد المسار التفاوضي، وتنسيق أدوار الرباعية والاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية، مع ضمان مشاركة مدنية سودانية مستقلة وفاعلة، وعدم منح أي جهة خارجية سلطة تعيين المسؤولين أو فرض تركيبة الحكم أو تحديد التمثيل السياسي للسودانيين.

ويضع المقال وقف إطلاق النار الشامل في مقدمة الأولويات، على أن يكون قابلاً للمراقبة والتحقق، ومصحوباً بآلية مستقلة لرصد الانتهاكات، وتأمين الممرات الإنسانية، وحماية المدنيين، وإخراج القوات من المستشفيات والمدارس والأسواق والمنشآت المدنية، ومنع الاعتداء على البنية التحتية الحيوية. كما يدعو إلى وقف الدعم العسكري والمالي واللوجستي الخارجي لجميع الأطراف، وتوسيع حظر السلاح ليشمل السودان كله، ومراقبة الحدود ومسارات التهريب، وفرض عقوبات مستهدفة على الأفراد والشركات والشبكات التي تمول الحرب أو تسهل الانتهاكات. ويؤكد أن العقوبات ينبغي ألا تكون جماعية أو أن تؤدي إلى حرمان السكان من الغذاء والخدمات، بل يجب أن تستهدف المسؤولين عن استمرار القتال والانتهاكات وشبكات اقتصاد الحرب.

ويعرض المقال نموذجاً لسلطة انتقالية مدنية مستقلة، تقوم على الفصل الواضح بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتحظر مشاركة القادة العسكريين والأمنيين في المؤسسات السيادية والتشريعية والحكومية. ويقترح تشكيل مجلس سيادة مدني محدود العضوية، يتولى المهام الدستورية والتمثيلية المحددة، دون أن يتحول إلى مركز تنفيذي موازٍ للحكومة. كما يقترح حكومة مهنية ذات اختصاصات واضحة، تتولى إدارة الدولة وتقديم الخدمات وتنفيذ السياسات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، وتخضع للمساءلة أمام المجلس التشريعي والقضاء المستقل. ويجب أن تستند التعيينات إلى الكفاءة والنزاهة والخبرة المهنية والتمثيل المتوازن، لا إلى المحاصصة الحزبية أو العسكرية أو توزيع المناصب بين التحالفات.

ويولي المقال أهمية خاصة للمجلس التأسيسي التشريعي، باعتباره المؤسسة التي تمنح الانتقال شرعيته التمثيلية والرقابية، وتمنع احتكار القرار بواسطة الحكومة أو القيادات السياسية والعسكرية. ويقترح تكوينه وفق أوزان معيارية تجمع بين التمثيل الجغرافي والسكاني والاجتماعي والسياسي، مع ضمان تمثيل النساء والشباب والأقاليم والمجتمعات المتضررة من الحرب والنازحين واللاجئين، وعدم اختزال التمثيل في الأحزاب الكبرى أو الحركات المسلحة. كما يدعو إلى وضع قواعد معلنة لاختيار الأعضاء، ونشر معايير الترشيح والاختيار، وإتاحة الاعتراض والطعن، وتحديد مدة العضوية والاختصاصات وآليات الرقابة، ومنع تحويل المجلس إلى مؤتمر دائم لتقاسم السلطة. وينبغي أن يركز دوره على التشريع والرقابة واعتماد الموازنة وإقرار القوانين الأساسية ومراقبة تنفيذ الاتفاق الانتقالي ومساءلة الحكومة، إلى حين قيام برلمان منتخب.

ويرفض المقال منح الحركات المسلحة حصصاً سياسية دائمة أو اعتبار القوة العسكرية أساساً للتمثيل، مع الإقرار بأن المجتمعات التي تعبر عنها هذه الحركات لها حقوق أصيلة في المشاركة والحكم والتنمية والتمثيل العادل. ويؤكد أن معالجة التهميش لا تكون بإعادة إنتاج المحاصصة المسلحة، وإنما بتصميم مؤسسات تسمح للمواطنين والأقاليم بالمشاركة الفعلية، وتضمن توزيعاً عادلاً للسلطة والموارد، وتخضع جميع القوى لمعايير دستورية واحدة. كما يميز بين المطالب المشروعة للمناطق المهمشة وبين شرعية أي تشكيل مسلح يدعي تمثيلها، فالتهميش لا يمنح أي قوة حق ارتكاب الانتهاكات أو احتكار تمثيل السكان أو فرض سلطتها بالقوة.

ويتناول المقال التحدي المتعلق بتمثيل القوى السياسية والاجتماعية، ويشدد على ضرورة عدم احتكار أي تحالف مدني للانتقال، وعدم استبعاد القوى التي تقبل التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة وسيادة القانون. وفي الوقت نفسه يرفض إعادة تمكين التنظيمات التي استخدمت مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية والاقتصاد العام لبناء شبكات الولاء والفساد والقوة المسلحة. ويؤكد ضرورة التمييز بين المسؤولية الفردية عن الجرائم والفساد وبين الانتماء الفكري أو السياسي، بحيث لا يتحول منع المسؤولين عن الانتهاكات من المناصب الانتقالية إلى إقصاء جماعي للتيارات أو المواطنين. وتخضع الأهلية للمشاركة لمعايير قانونية واضحة، تشمل نبذ العنف وقبول النظام الدستوري والشفافية والمساءلة، مع ضمان حق الطعن أمام جهة قضائية مستقلة.

ويقدم المقال تصوراً لإصلاح القطاع الأمني والعسكري، ينطلق من ضرورة بناء جيش وطني واحد، مهني ومحايد سياسياً، يخضع للسلطة المدنية والدستور والقانون، ويؤدي وظيفة الدفاع عن البلاد وحماية حدودها دون التدخل في المنافسة السياسية أو النشاط الاقتصادي. ويتطلب ذلك إنهاء تعدد الجيوش والتشكيلات المسلحة، وحصر السلاح الثقيل والمتوسط في المؤسسات النظامية الموحدة، وإخضاع التعيينات والترقيات والميزانيات والعقيدة العسكرية للرقابة القانونية والمدنية. كما يدعو إلى إخضاع أجهزة الشرطة والاستخبارات والأمن الداخلي لقوانين واضحة تحدد اختصاصاتها، وتمنع الاعتقال التعسفي والتعذيب والمراقبة غير القانونية والتدخل في النشاط السياسي والنقابي والإعلامي.

ويؤكد المقال أن حل قوات الدعم السريع أو إنهاء وضعها العسكري المستقل لا يمكن أن يتم بمجرد إعلان سياسي، بل يحتاج إلى عملية منظمة تشمل وقف القتال، وتسجيل الأفراد، والتحقق من الهويات والخلفيات، وفرز المسؤوليات الجنائية، ونزع السلاح، والتسريح، وإعادة الإدماج في الحياة المدنية، مع إمكانية النظر في إدماج أفراد مستوفين للشروط في مؤسسات الدولة النظامية بعد التدقيق والتدريب وإعادة التأهيل، دون دمج جماعي للتشكيلات أو قياداتها أو شبكاتها القيادية. ويجب أن تتم العملية وفق معايير فردية ومهنية، مع توفير فرص العمل والتعليم والتدريب والدعم النفسي والاجتماعي للمسرحين، حتى لا يتحولوا إلى مصدر جديد للعنف والجريمة المنظمة.

كما يشدد المقال على أن برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج لا تنجح في غياب وقف نار موثوق وضمانات أمنية وثقة متبادلة ومؤسسات قادرة على حماية المشاركين. ولا ينبغي اختزالها في جمع الأسلحة أو تسجيل المقاتلين، بل يجب أن تشمل إعادة بناء المجتمعات المحلية، ومعالجة النزاعات على الأراضي والموارد، وإعادة دمج النساء والأطفال المرتبطين بالتشكيلات المسلحة، وتوفير الخدمات وفرص كسب العيش. ويقترح ربط هذه البرامج بإصلاح القطاع الأمني، بحيث لا تتحول عملية التسريح إلى وسيلة لإعادة إنتاج المليشيات داخل الجيش أو الشرطة أو الأجهزة الأمنية.

ويعالج المقال البعد الاقتصادي للحرب، ويؤكد أن استمرار القتال مرتبط بشبكات مالية وتجارية تستفيد من السيطرة على الذهب والموارد الطبيعية والتهريب والجبايات غير القانونية والاستيلاء على الممتلكات والأسواق والطرق. ويبرز الذهب بوصفه أحد أهم مصادر تمويل الحرب، إلى جانب الماشية والسمسم والصمغ العربي والموارد الأخرى، مع وجود شبكات عابرة للحدود تربط مناطق الإنتاج والتهريب والأسواق الخارجية والوسطاء والشركات والجهات المالية. ولذلك يدعو إلى إخضاع الأنشطة الاقتصادية للمؤسسات العسكرية والأمنية للتدقيق، ونقل ملكية الشركات والأنشطة التجارية التابعة للدولة إلى إدارة مدنية شفافة، وإدراج الإيرادات في الخزينة العامة، ومنع امتلاك القوات النظامية لشركات تجارية أو ممارسة الجبايات والاحتكار.

ويؤكد المقال ضرورة توحيد النظام المالي والضريبي والجمركي، ومنع وجود خزائن موازية أو إيرادات خارج الموازنة، ومراجعة العقود والامتيازات التي منحت خلال الحروب والأنظمة الاستبدادية، واسترداد الأموال والأصول التي ثبت الحصول عليها عبر الفساد أو الجرائم، وفق إجراءات قضائية تضمن حقوق الملكية والطعن والمحاكمة العادلة. كما يقترح إنشاء آلية مستقلة لمراقبة المشتريات العامة والعقود والإنفاق العسكري، ونشر البيانات المالية الأساسية، وإخضاع المؤسسات العامة للتدقيق الدوري، ومنع استخدام الموارد العامة لتمويل الأحزاب أو التشكيلات المسلحة أو الحملات السياسية.

ويضع المقال تفكيك شبكات نظام الإنقاذ وسياسات التمكين في صميم إعادة بناء الدولة، مع رفض تكرار سياسات الفصل الجماعي والتطهير الإداري. فالمطلوب هو مراجعة مؤسسية وقانونية تستهدف من ثبت تورطه في الفساد أو الجرائم أو استغلال الوظيفة العامة أو بناء شبكات حزبية وأمنية داخل مؤسسات الدولة، مع حماية الموظفين الذين أدوا وظائفهم المهنية دون تورط في الانتهاكات. وينبغي أن تقوم المراجعة على أدلة فردية وإجراءات معلنة وحق الدفاع والطعن، وأن تشمل استرداد الأموال العامة وإلغاء الامتيازات غير القانونية وإصلاح قواعد التعيين والترقية وإعادة بناء الخدمة المدنية على أساس الكفاءة والنزاهة والحياد.

ويتناول المقال إصلاح القضاء والنيابة باعتباره شرطاً أساسياً لنجاح الانتقال، لأن استقلال السلطة القضائية لا يتحقق بتغيير القيادات وحده، بل بإعادة بناء قواعد التعيين والترقية والتأديب والتمويل والتدريب والرقابة. ويقترح إنشاء مجلس أعلى للقضاء بأغلبية من القضاة المنتخبين من زملائهم، مع تمثيل مهني محدود للمحامين وأساتذة القانون، وتحديد مدة العضوية، ونشر القرارات وأسبابها، ومنع تدخل الحكومة والأحزاب والأجهزة الأمنية في شؤون القضاء. كما يدعو إلى مراجعة أوضاع القضاة وأعضاء النيابة بصورة فردية وعادلة، وإعادة الاعتبار لمن فصلوا تعسفياً، ومحاسبة من ثبت تورطهم في الانتهاكات أو التلاعب بالأحكام أو التدخل السياسي.

ويقترح المقال فصل النيابة العامة عن وزارة العدل، وضمان استقلالها الدستوري والمالي والإداري، واختيار النائب العام عبر لجنة ترشيح مستقلة، مع تحديد مدة ولايته وأسباب عزله وإخضاع قراراته للرقابة القانونية. كما يدعو إلى إنشاء وحدات متخصصة للتحقيق في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية والعنف الجنسي والفساد وغسل الأموال والجرائم الاقتصادية المرتبطة بالحرب. ويؤكد ضرورة إنشاء محكمة دستورية مستقلة، تتولى مراقبة دستورية القوانين والقرارات، والفصل في تنازع الاختصاصات، وحماية الحقوق والحريات، ومراجعة تجاوزات السلطات، مع إتاحة الوصول إليها للمواطنين والمنظمات وفق قواعد واضحة.

ويشدد المقال على حظر محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، وقصر اختصاص القضاء العسكري على الجرائم العسكرية التي يرتكبها أفراد القوات النظامية وفق القانون وضمانات المحاكمة العادلة. كما يدعو إلى إلغاء الصلاحيات القضائية الاستثنائية للأجهزة الأمنية، وإخضاع الاحتجاز والتفتيش والتوقيف والمراقبة للرقابة القضائية، وضمان حق المتهم في المحامي والمحاكمة العادلة وقرينة البراءة والطعن، واستبعاد الاعترافات المنتزعة بالإكراه أو التعذيب.

ويؤكد المقال أن العدالة الانتقالية لا تقتصر على المحاكمات، بل تشمل كشف الحقيقة والاعتراف بالضحايا والتعويض وإصلاح المؤسسات وضمان عدم تكرار الانتهاكات. ولذلك يقترح إنشاء مفوضية وطنية مستقلة للحقيقة والعدالة، تتولى توثيق الانتهاكات منذ عام 1989، مع إعطاء أولوية للجرائم المرتبطة بالحرب منذ 15 أبريل 2023، وتحديد أنماط العنف والجهات المسؤولة وسلاسل القيادة والتمويل. وتشمل مهامها توثيق القتل الجماعي والتهجير القسري والاستيلاء على الأراضي والعنف الجنسي والتعذيب والاختفاء القسري والنهب وتدمير الممتلكات، وإنشاء صندوق لتعويض الضحايا يمول من الموازنة العامة والأصول المستردة والمساهمات الدولية، دون تعليق التعويضات على انتهاء المحاكمات الجنائية.

ويبرز المقال قضية علي كوشيب بوصفها مثالاً على أهمية العدالة الدولية في محاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة في دارفور، ويشير إلى إدانته في 6 أكتوبر 2025 في سبع وعشرين تهمة تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ثم الحكم عليه بالسجن عشرين عاماً في 9 ديسمبر 2025. ويستخلص من القضية أن المحاسبة الدولية ممكنة، لكنها بطيئة ومحدودة بالاختصاص والموارد والقدرة على الوصول إلى المتهمين والأدلة. ولذلك لا يمكن الاعتماد على المحكمة الجنائية الدولية وحدها، بل ينبغي بناء قضاء وطني مستقل قادر على التحقيق والمحاكمة والتعويض وحفظ الأدلة وحماية الشهود، مع التعاون مع المؤسسات الدولية وفق مبدأ التكامل واحترام الاختصاصات القانونية.

ويشدد المقال على أهمية إنشاء نظام وطني لحفظ الأدلة والذاكرة، يشمل الصور والفيديوهات والبيانات الجغرافية والسجلات الطبية وشهادات الناجين والمقابر الجماعية والوثائق الرسمية. ويجب أن يعتمد هذا النظام على قواعد موثوقة لسلسلة حيازة الأدلة والتحقق من مصادر الصور والمقاطع وتوثيق تاريخ الحصول عليها ومكانها والجهة التي جمعتها، مع حماية الشهود والضحايا والخصوصية. كما يقترح إنشاء أرشيف وطني مستقل يتيح للباحثين والضحايا الوصول إلى المعلومات وفق ضوابط قانونية، بما يمنع طمس الجرائم أو إعادة كتابة التاريخ لأغراض سياسية.

ويعرض المقال برنامجاً زمنياً انتقالياً مدته ستة وثلاثون شهراً، مقسماً إلى أربع مراحل مترابطة. تركز الأشهر الستة الأولى على وقف إطلاق النار، ونشر آلية المراقبة، وفتح الممرات الإنسانية، وحماية المدنيين، وإنشاء السلطة المدنية والحكومة المؤقتة، وتسجيل النازحين واللاجئين، وحفظ الأدلة. وتمتد المرحلة الثانية من الشهر السابع إلى الثامن عشر، وتشمل تشكيل المجلس التأسيسي، واعتماد الدستور المؤقت، وإنشاء المحكمة الدستورية، وتوحيد المؤسسات المالية الأساسية، وإطلاق برامج العدالة الانتقالية، وبدء مراجعة الخدمة المدنية والقضاء والأجهزة النظامية. أما المرحلة الثالثة، من الشهر التاسع عشر إلى الثلاثين، فتركز على التسريح وإعادة الدمج وإصلاح الجيش والشرطة والاستخبارات وإعادة بناء الإدارات المحلية واستكمال تسجيل الناخبين وإجراء تعداد سكاني مبسط وإعادة إعمار البنية التحتية. وتخصص المرحلة الرابعة، من الشهر الحادي والثلاثين إلى السادس والثلاثين، لاستكمال شروط الانتخابات ومراجعة الدستور المؤقت وإجراء الانتخابات العامة ونقل السلطة إلى المؤسسات المنتخبة وإنهاء الهيئات الانتقالية.

ويؤكد المقال أن الجدول الزمني لا ينبغي أن يكون تقويماً شكلياً، بل يجب ربط الانتقال بمعايير موضوعية تشمل وقف إطلاق النار، وأمن المواطنين، وحرية التنظيم السياسي، واستقلال مفوضية الانتخابات، وإمكانية التصويت في الداخل والخارج، ووجود قضاء قادر على الفصل في الطعون. كما يرفض التمديد المفتوح للفترة الانتقالية، ويشترط أن يكون أي تمديد محدوداً ومبرراً وموافقاً عليه تشريعياً وفق معايير معلنة.

ويتناول المقال الضمانات الدولية والإقليمية، ويقترح آلية موحدة تضم الأطراف الدولية والإقليمية ذات الصلة، وتكون مهمتها مراقبة وقف النار، والتحقق من الالتزامات، ومراقبة الدعم العسكري الخارجي، وتنسيق التمويل الإنساني وإعادة الإعمار، وفرض إجراءات متدرجة على المخالفين. ويشترط أن تكون للآلية أمانة فنية دائمة تضم خبراء في القانون الدولي والأمن والاقتصاد والوساطة والعدالة الانتقالية والانتخابات، وأن تنشر تقارير دورية عن التنفيذ. كما يؤكد أن مشاركة المدنيين السودانيين ينبغي أن تكون مؤسسية وفاعلة، وتشمل ممثلين للضحايا والنازحين والنساء والأقاليم والنقابات ولجان المقاومة، لا أن تقتصر على مشاورات رمزية.

ويفرق المقال بين التمويل الإنساني وتمويل الانتقال وإعادة الإعمار، لأن لكل منها أهدافاً وأولويات وآليات محاسبة مختلفة. فالتمويل الإنساني يهدف إلى إنقاذ الأرواح وتوفير الغذاء والصحة والمياه والمأوى، بينما يركز تمويل إعادة الإعمار على استعادة البنية التحتية والإنتاج والمؤسسات والخدمات العامة. ويقترح إنشاء صندوق ائتماني متعدد المانحين يخضع لإدارة مستقلة وتدقيق دولي ومحلي، وينشر بيانات الإيرادات والمصروفات والعقود والمستفيدين. وتكون الأولوية لإعادة تشغيل المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء والطرق والجسور والاتصالات والأسواق والمرافق الزراعية والإدارات المحلية. كما يدعو إلى استرداد الأصول والأموال المرتبطة بالفساد وتمويل الحرب وفق إجراءات قانونية تضمن تحديد الملكية الحقيقية وإثبات العلاقة بالجرائم وحق الطعن، وتوجيه الأموال المستردة إلى إعادة الإعمار وتعويض الضحايا.

ويؤكد المقال ضرورة إنشاء منظومة لمؤشرات الأداء والإنذار المبكر، تتابع خروقات وقف النار والضحايا المدنيين، ووصول المساعدات الإنسانية، وعودة النازحين واللاجئين، وتشغيل المرافق الصحية والتعليمية، وتوحيد الإيرادات العامة، والإنفاق العسكري خارج الموازنة، والأسلحة الثقيلة والمقاتلين المسرحين، والتحقيقات في الجرائم الجسيمة، وتمثيل النساء والأقاليم، واستقلال القضاء ومفوضية الانتخابات، وتنفيذ توصيات التدقيق المالي والإداري. وينبغي نشر هذه المؤشرات بصورة دورية وربطها بإجراءات تصحيحية وعقوبات محددة، حتى لا تبقى الاتفاقات والالتزامات مجرد وعود سياسية.

ويتناول المقال المخاطر التي قد تعطل الانتقال، وفي مقدمتها استمرار رغبة الأطراف المسلحة في الحسم العسكري، وتضارب المصالح الخارجية، واستمرار اقتصاد الحرب، وضعف الثقة بين القوى المدنية، ونقص التمويل، وصعوبة حماية المدنيين والموظفين المحليين. ويقترح الجمع بين الحوافز والعقوبات، بحيث يحصل الطرف الذي يلتزم بوقف النار والانسحاب من المواقع المدنية وتسليم الأسلحة الثقيلة وفق الجدول المتفق عليه على ضمانات مناسبة، بينما يتعرض من يخرق الالتزامات لعقوبات مستهدفة تشمل تجميد الأصول وحظر السفر ووقف التعاملات المالية وملاحقة المسؤولين عن الجرائم، مع تجنب العقوبات الجماعية التي تضر بالسكان والخدمات الأساسية.

ويخصص المقال حيزاً لتفكيك الأساطير والمعلومات المضللة التي صاحبت الحرب والانتقال السياسي. فيرفض أسطورة أن الجيش وحده يحمي الدولة، لأن الدولة لا تختزل في مؤسسة عسكرية، ولأن الأزمة نفسها ارتبطت بتعدد مراكز القوة المسلحة وغياب الرقابة المدنية. وفي الوقت نفسه يرفض الدعوات إلى إضعاف الجيش أو تفكيكه، ويدعو إلى تحويله إلى مؤسسة وطنية مهنية خاضعة للدستور. كما يرفض أسطورة أن الدعم السريع يمثل تلقائياً حركة تحرر للمهمشين، مؤكداً أن التهميش التاريخي حقيقة لا تمنح أي قوة مسلحة حق ارتكاب الانتهاكات أو احتكار تمثيل المجتمعات التي تدعي الدفاع عنها. ويشدد على أن مطالب العدالة والمساواة لسكان دارفور وكردفان والنيل الأزرق وغيرها من المناطق يجب أن تتحقق عبر مؤسسات مدنية ودستورية، لا عبر القوة العسكرية.

ويؤكد المقال أن صمود وتأسيس تحالفان مختلفان، وأن الخلافات السياسية والتنظيمية بينهما لا تسمح بوصف أحدهما بأنه فرع تنظيمي للآخر دون أدلة. كما يرفض القول إن تسعة أشهر تكفي لبناء انتقال ديمقراطي وإصلاح مؤسسات دولة أنهكتها الحرب، ويؤكد أن المدة يجب أن ترتبط بإنجاز المهام الأساسية وفق جدول واضح. ويرفض كذلك الخلط بين منع المسؤولين عن الجرائم من تولي المناصب الانتقالية وبين حرمان المواطنين من حقوقهم السياسية بسبب انتمائهم الفكري أو الحزبي، مع التشديد على منع إعادة بناء الأذرع العسكرية والأمنية الحزبية أو استخدام المؤسسات العامة لتمويل التنظيمات السياسية.

ويفند المقال الاعتقاد بأن استعادة الجيش الخرطوم أو أي مدينة استراتيجية تعني حسم الحرب، لأن السيطرة على المدن لا تساوي إنهاء القدرة العسكرية للطرف الآخر ولا تحقيق السلام والاستقرار. كما يرفض اعتبار سقوط الفاشر أو إعلان حكومة موازية دليلاً على قيام سلطة وطنية شرعية، فالسيطرة على الأرض لا تعادل الشرعية الدستورية أو القدرة على تقديم الخدمات لجميع السكان. ويؤكد أن شرعية الحكم لا تستند إلى السيطرة العسكرية، بل إلى التمثيل الشعبي والقانون والمؤسسات والقبول السياسي.

ويحذر المقال من انتشار المعلومات المضللة والعمليات النفسية خلال الحرب، بما في ذلك الصور القديمة والمقاطع المقتطعة والتسجيلات المفبركة والادعاءات غير المؤكدة بشأن الضحايا والسيطرة العسكرية والمجازر والاغتيالات. ويقترح إنشاء وحدة تحقق مستقلة عن الحكومة والأجهزة الأمنية، تتعاون مع الجامعات ومنظمات الصحافة الاستقصائية ومجموعات التحقق الرقمي، وتعتمد على صور الأقمار الاصطناعية وشهادات الناجين والسجلات الطبية وبيانات المنظمات الدولية وقواعد بيانات النزاعات. كما يدعو إلى منصة بيانات مفتوحة تنشر إحصاءات النزوح والضحايا والأمن الغذائي والخدمات والسيطرة الإقليمية، مع توضيح منهجية جمع البيانات وحدودها، والتمييز بين المعلومات المؤكدة والتقديرات والادعاءات والإشاعات.

وفي تقييم النموذج المقترح، يبرز المقال نقاط قوته في الفصل بين القوة العسكرية والسلطة السياسية، وتوسيع التمثيل الجغرافي والاجتماعي، وإصلاح القضاء والنيابة، وإخضاع الاقتصاد العسكري للموازنة العامة، وربط الانتقال بضمانات دولية ومؤشرات قابلة للقياس. لكنه يعترف بأن نجاح النموذج ليس مضموناً، لأن الأطراف المسلحة قد ترفض التخلي عن السلطة، ولأن تصميم المجلس التأسيسي قد يثير خلافات حول الأوزان التمثيلية، ولأن معايير الأهلية قد تتحول إلى أداة للإقصاء إذا لم تخضع لرقابة قضائية مستقلة. كما أن المؤسسات لا تغير ميزان القوة تلقائياً، وأن النصوص الدستورية وحدها لا تكفي إذا لم توجد قدرة سياسية وأمنية واقتصادية على إنفاذها.

ويعرض المقال أربعة سيناريوهات مستقبلية. يتمثل الأول في استمرار التقسيم الفعلي والسلطات المتوازية، بما قد يحول السيطرة العسكرية المنفصلة إلى انقسام سياسي ودستوري دائم؛ ولذلك يتطلب هذا السيناريو حماية الإدارات المدنية المحلية، وتوحيد الخدمات والوثائق المدنية، وفتح الممرات الإنسانية والتجارية، ومنع الانقسام المالي والإداري. ويتمثل الثاني في انتصار عسكري حاسم لأحد الطرفين، وهو سيناريو لا يضمن السلام، وقد يؤدي إلى الانتقام والاعتقالات والتمرد إذا لم يقترن بحماية المدنيين والمساءلة والمشاركة السياسية. أما السيناريو الثالث فيتمثل في هدنة تفرضها الضغوط الخارجية، ويمكن أن تصبح مدخلاً للعملية السياسية إذا اقترنت بآلية مراقبة مستقلة ومفاوضات حول الانسحاب والتسريح وتوحيد المؤسسات وتأسيس السلطة المدنية. ويتمثل السيناريو الرابع في تسوية جزئية بين القيادات العسكرية وبعض القوى المدنية الكبرى، وهو ما قد يوقف القتال مؤقتاً لكنه يظل معرضاً لفقدان الشرعية إذا استبعد لجان المقاومة والنازحين واللاجئين والضحايا والمجموعات الإقليمية.

ويستخلص المقال من التجارب الدولية، بما فيها جنوب أفريقيا وليبيريا وسيراليون وكولومبيا والبوسنة والهرسك، أن إنهاء الحرب يتطلب الجمع بين التفاوض والضمانات الأمنية والعدالة الانتقالية وإصلاح المؤسسات وإعادة الإدماج والتنمية المحلية، مع تجنب تقاسم السلطة القائم على الهويات المغلقة أو المحاصصات الدائمة التي تجمد الانقسامات بدلاً من معالجتها. ويؤكد أن التجارب المقارنة لا يمكن نقلها بصورة حرفية إلى السودان، بل يجب تكييفها مع تاريخه الاجتماعي والسياسي، وتنوعه الإقليمي، وبنية اقتصاده، وتعدد مراكز القوة المسلحة، وحجم النزوح والدمار.

وينتهي المقال إلى حزمة من الأولويات التنفيذية تشمل وقف إطلاق النار وتوحيد المراقبة الدولية والإقليمية، وتشكيل سلطة انتقالية مدنية مستقلة، وإنشاء مجلس سيادة مدني وحكومة مهنية ومجلس تأسيسي واسع التمثيل، وإلغاء الوضع العسكري المستقل للتشكيلات الموازية، وتنفيذ برامج فردية لنزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، وإخضاع الشركات العسكرية والأمنية للموازنة العامة، واستقلال القضاء والنيابة، وتشكيل المحكمة الدستورية ومفوضية الحقيقة والعدالة، وإصلاح الخدمة المدنية، وإعادة بناء الإدارات المحلية، وتأسيس صندوق للانتقال وإعادة الإعمار، وتوحيد الوساطة الدولية، ومراقبة الدعم العسكري الخارجي، وتسجيل النازحين واللاجئين والناخبين، وإجراء الانتخابات بعد استيفاء الشروط الأمنية والقانونية والمؤسسية.

ويؤكد المقال أن تنفيذ هذه التوصيات يحتاج إلى دراسات ميدانية مستقلة حول التمثيل السكاني والجغرافي والاجتماعي، وتفضيلات السودانيين داخل البلاد وخارجها، وأوضاع النازحين واللاجئين، وقدرة الولايات على استعادة الإدارة المحلية، والموارد المالية المتاحة، وتكلفة إصلاح القطاع الأمني والقضائي. كما يتطلب إنشاء قواعد بيانات مستقلة عن المؤسسات العسكرية والاقتصادية والأمنية، وتحليل المخاطر السياسية والأمنية، واختبار السيناريوهات المختلفة، وإجراء تجارب مؤسسية محلية قبل تعميم الترتيبات على المستوى الوطني.

والخلاصة أن الأزمة السودانية لا يمكن حلها بتغيير القيادات العسكرية أو توقيع اتفاق جديد لتقاسم السلطة، وإنما بإعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والمجتمع والسلاح والاقتصاد على قواعد دستورية ومؤسسية مستقرة. فلا سلام مستداماً دون سلطة مدنية مستقلة، ولا دولة مدنية دون جيش وطني موحد خاضع للرقابة المدنية، ولا عدالة دون قضاء ونيابة مستقلين، ولا مصالحة دون كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين وتعويض الضحايا، ولا وحدة وطنية دون معالجة التهميش وتوزيع السلطة والموارد بصورة عادلة. ويؤكد المقال أن السلاح لا يمنح حق الحكم، وأن التهميش لا يمنح حق ارتكاب الانتهاكات، وأن الانتماء السياسي لا يمنح حصانة من المساءلة، وأن العدالة لا تعني الانتقام، وأن الوحدة لا تعني استمرار المركزية والهيمنة. فالانتقال الديمقراطي الحقيقي هو الذي يضمن للمواطن أن يعيش دون خوف من الجيش أو المليشيا أو الحزب أو الجهاز الأمني، وأن يشارك في اختيار حكومته وتغييرها بالانتخابات، وأن يحصل على حقوقه وخدماته بصرف النظر عن موقعه الجغرافي أو هويته أو انتمائه السياسي والاجتماعي.

النص الكامل للمقال

مقدمة تحليلية: معركة تأسيس الدولة تبدأ بتحديد من يملك السلطة ومن يخضع للمساءلة

تتناول هذه الدراسة سؤال القيادة السياسية والمؤسسية للفترة الانتقالية التي ينبغي أن تعقب الحرب السودانية التي اندلعت في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وتقدم تصميماً مؤسسياً متكاملاً لانتقال مدني ديمقراطي لا يعيد إنتاج الشراكة العسكرية المدنية المختلة التي طبعت المرحلة الانتقالية بين 2019 و2021، ولا يمنح أياً من الطرفين المسلحين حق تحويل سيطرته العسكرية أو الجغرافية إلى استحقاق دستوري دائم. وتنطلق الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن المشكلة السودانية ليست مجرد تنافس بين قيادات عسكرية وسياسية على المناصب، وإنما أزمة تاريخية في طبيعة الدولة، ومصدر السيادة، واحتكار أدوات العنف المشروع، وتوزيع الموارد، والعلاقة بين المركز والأقاليم، واستقلال القضاء، وقدرة المجتمع على إخضاع المؤسسات العسكرية والأمنية والاقتصادية للمساءلة الدستورية.

ولا يمكن معالجة هذه الأزمة بمجرد تشكيل حكومة جديدة أو توزيع الحقائب الوزارية بين الأحزاب والحركات المسلحة أو التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار. فوقف الحرب شرط ضروري، لكنه لا يمثل في ذاته انتقالاً ديمقراطياً، كما أن التوصل إلى تسوية بين القيادات العسكرية لا يساوي بالضرورة تسوية وطنية بين السودانيين. وقد تنجح الوساطة في إيقاف العمليات العسكرية مؤقتاً، لكنها تفشل في تأسيس السلام إذا أبقت الجيوش المتعددة والاقتصادات العسكرية وسلاسل القيادة الموازية والسلطات الإقليمية المتنافسة على حالها. وتوضح الأدبيات المقارنة أن الاتفاقات التي تنهي الحروب دون معالجة مصادر القوة المسلحة والتمويل والتمييز المؤسسي تكون معرضة للانتكاس، حتى عندما تتضمن ترتيبات سياسية واسعة (Walter, 2002؛ Hartzell & Hoddie, 2007؛ Call, 2012).

وتستند الدراسة إلى مقارنة تاريخية بين انتقالات السودان في أكتوبر 1964 وأبريل 1985 وأبريل 2019، وإلى أدبيات التحول الديمقراطي وتقاسم السلطة وبناء السلام وإصلاح القطاع الأمني والعدالة الانتقالية، مع الاستفادة من تجارب دول خرجت من الحروب والانقسامات السياسية، ولا سيما جنوب أفريقيا ورواندا وليبيريا وسيراليون والبوسنة والهرسك وكولومبيا والعراق ولبنان. ولا يعني الاستشهاد بهذه التجارب افتراض إمكانية نقل نماذجها إلى السودان بصورة آلية، وإنما استخلاص المبادئ المؤسسية القابلة للتكييف مع التاريخ السوداني وتعدد مجتمعاته وتوزيع سكانه وموارده وطبيعة الحرب الحالية.

وتعتمد الدراسة المعلومات المتاحة حتى 1 نوفمبر 2026، مع التمييز بين البيانات التي أصدرتها مؤسسات دولية، والتقديرات المستمدة من قواعد بيانات النزاعات، والتقارير الصحفية، والتحليلات السياسية، والمقترحات المعيارية التي تقدمها الدراسة نفسها. وهذا التمييز أساسي؛ فالأرقام المتعلقة بالوفيات والنزوح والسيطرة الإقليمية ليست جميعها من النوع نفسه، كما أن تقديرات السيطرة العسكرية تتغير تبعاً لتطور الجبهات، ولا ينبغي التعامل مع الخرائط الصحفية أو العسكرية باعتبارها سجلاً نهائياً للسيادة أو الإدارة الفعلية.

وتؤكد الدراسة منذ البداية أن الأوزان التمثيلية التي تقترحها لمجلس تأسيسي انتقالي هي أوزان معيارية وليست نتائج استطلاع رأي أو انتخابات أو تعداد سكاني حديث. فلا يوجد حتى نوفمبر 2026 سجل انتخابي وطني مكتمل يعكس أوضاع النازحين واللاجئين والمقيمين في المناطق الخاضعة لسلطات متنافسة، ولا تتوفر قاعدة بيانات حديثة موحدة تسمح بتحديد الوزن الشعبي لكل حزب أو تحالف أو حركة سياسية. ولذلك فإن توزيع المقاعد المقترح يستند إلى أربعة اعتبارات معلنة: العدالة الجغرافية، والتضرر من الحرب، والتعدد السياسي والاجتماعي، والكفاءة المؤسسية، على أن يخضع للمراجعة بعد إجراء تسجيل سكاني وانتخابي موثوق.

أما السؤال المركزي الذي تحاول الدراسة الإجابة عنه فهو: كيف يمكن تأسيس سلطة انتقالية مدنية مستقلة تمتلك الشرعية السياسية والقانونية، وتستطيع التفاوض مع الأطراف المسلحة دون أن تصبح رهينة لها، وتحظى بضمانات إقليمية ودولية قابلة للإنفاذ، وتؤسس مجلساً تشريعياً واسع التمثيل، وتعيد بناء القضاء والنيابة والخدمة المدنية، وتمنع إعادة إنتاج الدولة العميقة واقتصاد الحرب؟

وللإجابة عن هذا السؤال، تتبع الدراسة ترتيباً تحليلياً متدرجاً يبدأ بتحديد الكلفة الإنسانية والاقتصادية للحرب، ثم تحليل خريطة السيطرة العسكرية والسياسية، واستيعاب دروس الانتقالات السابقة، ومقارنة خيارات القيادة، قبل الانتقال إلى تصميم السلطة المدنية والتمثيل التشريعي والتنفيذي وإصلاح القضاء والنيابة. وتختتم بمعالجة التنفيذ والتمويل والضمانات، وتفكيك المعلومات المضللة، ثم اختبار نقاط القوة والضعف والسيناريوهات البديلة. ويهدف هذا الترتيب إلى الانتقال من تشخيص الواقع إلى تحديد القيود، ثم المفاضلة بين البدائل، ثم تقديم التصميم المؤسسي، وأخيراً اختبار قابليته للتطبيق.

الفصل الأول: السودان المنهك بين انهيار الخدمات واتساع الكارثة الإنسانية والاقتصادية

1. حجم الكارثة الإنسانية وموقعها في تصميم الانتقال

أصبحت الحرب السودانية واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية والنزوح في العالم المعاصر. ففي 9 يناير 2026، وهو اليوم الذي أعلنت فيه الأمم المتحدة بلوغ الحرب ألف يوم، أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن نحو 34 مليون شخص يحتاجون إلى المساعدة الإنسانية، وأن 9.3 مليون شخص نزحوا داخل البلاد، بينما تجاوز عدد الذين عبروا الحدود 4.3 مليون شخص. وتعني هذه الأرقام أن نحو ثلث السكان تعرضوا للنزوح الداخلي أو الخارجي خلال الحرب، وأن الأزمة تجاوزت حدود المواجهة العسكرية لتصبح أزمة إقليمية تمس تشاد وجنوب السودان ومصر وإثيوبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى وليبيا ودولاً أخرى تستقبل اللاجئين أو تتأثر بتدفقات السكان والتجارة والأمن (United Nations, 2026؛ OCHA, 2026؛ IOM, 2026).

وأوضحت منظمة الصحة العالمية في 9 يناير 2026 أن نحو 33.7 مليون شخص سيحتاجون إلى المساعدة الإنسانية خلال العام، وأن أكثر من 20 مليوناً يحتاجون إلى المساعدة الصحية، بينما يحتاج نحو 21 مليوناً إلى الغذاء. كما أشارت إلى أن 37% من المرافق الصحية أصبحت غير عاملة، نتيجة القتال والهجمات على الرعاية الصحية ونقص الإمدادات والأطقم الطبية والتمويل وصعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة (WHO, 2026). ولا تقتصر دلالة هذه المؤشرات على تراجع الخدمات الصحية، بل تكشف انهياراً في قدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية، بما فيها التطعيم والرعاية الأولية وصحة الأم والطفل ومكافحة الأوبئة ومراقبة الأمراض المزمنة وتوفير الأدوية الأساسية.

وتتفاقم الأزمة بسبب التفاوت الجغرافي في الوصول إلى الخدمات. فقد تعرضت الخرطوم وولايات دارفور وكردفان والجزيرة وسنار وأجزاء من النيل الأبيض والنيل الأزرق لموجات متفاوتة من تدمير المؤسسات الصحية والتعليمية والأسواق وشبكات المياه والكهرباء. كما أن خروج المرافق الصحية من الخدمة لا يعني دائماً تدمير المبنى؛ فقد يكون سببه غياب الكوادر أو انقطاع الإمدادات أو انعدام الأمن أو تحويل المنشأة إلى استخدام عسكري أو تعذر وصول المرضى إليها.

وتتطلب إعادة بناء النظام الصحي الانتقالي اعتماد مبدأ استمرارية الخدمات الأساسية، بدلاً من انتظار إعادة الإعمار الكامل. ويشمل ذلك إعادة تشغيل مراكز الرعاية الصحية الأولية، وتوفير التطعيمات والأدوية الأساسية، وإعادة بناء نظم الإحالة والإسعاف، واستعادة خدمات الصحة الإنجابية، وتأمين علاج الأمراض المزمنة، وإنشاء نظم مراقبة وبائية مستقلة عن السلطات العسكرية المتنافسة. كما ينبغي ربط التمويل بمؤشرات قابلة للقياس، مثل نسبة المرافق العاملة، وتغطية التطعيم، وتوافر الأدوية الأساسية، ومعدل الولادات تحت إشراف طبي، ومعدلات وفيات الأمهات والأطفال.

2. النزوح واللجوء وتفكك المجتمعات المحلية

أنتجت الحرب حركة نزوح واسعة تجاوزت آثارها الإغاثة العاجلة إلى إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. فالنازحون ليسوا مجرد مستفيدين من المساعدات، وإنما مواطنون فقدوا مساكنهم وأعمالهم وأراضيهم ومصادر دخلهم، ويجب أن يكون لهم تمثيل مباشر في المؤسسات الانتقالية، خصوصاً في القرارات المتعلقة بالأرض والتعويض والعودة وإعادة التوطين.

وتتضمن أزمة النزوح مخاطر متعددة، منها الاستيلاء على الممتلكات، وتغيير التركيبة السكانية بالقوة، وتفكك الأسر، وفقدان الوثائق المدنية، وانقطاع الأطفال عن التعليم، وزيادة تعرض النساء والفتيات للعنف والاستغلال، وتفاقم هشاشة كبار السن وذوي الإعاقة. وتؤدي هذه الظروف إلى إضعاف قدرة النازحين على المشاركة السياسية، لأن التسجيل الانتخابي والتمثيل المحلي يفترضان وجود عناوين ثابتة ووثائق وإمكانية الوصول إلى مراكز التسجيل.

ولهذا ينبغي إنشاء سجل وطني موحد للنازحين واللاجئين، بالتعاون بين مفوضية اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة والسلطات المدنية الانتقالية، مع ضمان حماية البيانات الشخصية وعدم استخدامها لأغراض أمنية أو سياسية. وينبغي أن يسمح السجل بتحديد مكان الإقامة السابق ومكان النزوح الحالي والاحتياجات الأساسية والرغبة في العودة أو إعادة التوطين، دون أن يتحول إلى أداة لإجبار المواطنين على العودة إلى مناطق غير آمنة.

كما ينبغي أن يكون للنازحين واللاجئين تمثيل مضمون في المجلس التأسيسي، وأن يشاركوا في وضع سياسات استعادة الممتلكات والتعويضات وإعادة الإعمار. فالتسوية التي تتفاوض عليها النخب في العاصمة أو خارج البلاد دون مشاركة مباشرة للضحايا والنازحين قد تنتج اتفاقاً سياسياً، لكنها لا تحقق المصالحة المجتمعية أو العدالة.

3. المجاعة والأمن الغذائي وانهيار الاقتصاد الريفي

أصبحت المجاعة وسوء التغذية من أبرز مؤشرات انهيار الدولة خلال الحرب. وأكدت الأمم المتحدة وجود ظروف مجاعة في الفاشر وكادقلي، مع وجود مناطق إضافية معرضة للخطر، وأشارت إلى أن أكثر من 21 مليون شخص كانوا يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد في يناير 2026 (United Nations, 2026؛ WHO, 2026). وفي أكتوبر 2026، أشارت تحليلات الوضع العسكري والإنساني إلى أن نحو 19.5 مليون شخص يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، وأن نحو 825 ألف طفل معرضون للإصابة بالهزال الحاد الشديد خلال العام، مع استمرار الخطر في دارفور وكردفان (Al Jazeera, 2026).

ولا يمكن تفسير هذه الأزمة باعتبارها نتيجة مباشرة للقتال وحده. فالحرب عطلت الزراعة والرعي والأسواق والنقل والتخزين والتجارة العابرة للحدود، وأضعفت القدرة على الحصول على البذور والأسمدة والوقود والتمويل، كما أدت إلى تدمير المحاصيل ونهب المخازن ونزوح العمال والمزارعين والرعاة. ويؤدي انقطاع الطرق إلى ارتفاع تكاليف النقل وأسعار الغذاء، بينما تساهم تعددية السلطات والجبايات ونقاط التفتيش في تفكيك السوق الوطنية.

ويجب أن تشمل خطة الانتقال برنامجاً عاجلاً لاستعادة الإنتاج الزراعي والرعوي، وتوفير المدخلات الزراعية، وإعادة فتح الأسواق والطرق، وتأمين المراعي ومصادر المياه، وإزالة الألغام ومخلفات الحرب من الأراضي الزراعية، ودعم صغار المنتجين والنساء العاملات في الزراعة والتصنيع الغذائي. وينبغي ألا تقتصر المساعدات على توزيع الغذاء، بل أن تنتقل تدريجياً إلى دعم الإنتاج المحلي، بما يحد من الاعتماد المستمر على المساعدات الخارجية.

4. انهيار الاقتصاد العام واقتصاد الحرب

أدت الحرب إلى تراجع الإيرادات العامة وتعطيل الإنتاج والتجارة وتدهور العملة وتوسع الاقتصاد غير الرسمي. كما أن تعدد السلطات العسكرية والإدارية خلق أنظمة جباية متنافسة، وأضعف قدرة الدولة على تحصيل الضرائب والجمارك وإدارة الموارد العامة. ويضاف إلى ذلك استمرار أنشطة اقتصادية مرتبطة بالذهب والتجارة والوقود والنقل والاتصالات والموارد الطبيعية، سواء عبر مؤسسات نظامية أو شركات مرتبطة بقوى عسكرية أو شبكات تجارية وسياسية.

ويشكل اقتصاد الحرب أحد أهم العوائق أمام الانتقال، لأن استمرار تدفق الموارد إلى التشكيلات المسلحة يقلل الحافز الاقتصادي للسلام. ولذلك لا يكفي الاتفاق على وقف إطلاق النار، بل يجب أن يتضمن ترتيبات لتجميد التمويل العسكري الموازي، وإخضاع الشركات والأصول والموارد العامة للتدقيق، ومنع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية من ممارسة أنشطة تجارية خارج الموازنة العامة.

وتوصي الدراسة بإنشاء لجنة مستقلة لتدقيق المؤسسات الاقتصادية التابعة للدولة والقوات النظامية والأجهزة الأمنية والشركات المرتبطة بها، مع نشر بيانات الملكية والإيرادات والضرائب والامتيازات والعقود الحكومية. وينبغي التمييز بين الشركات العامة التي تؤدي وظائف اقتصادية مشروعة، والشركات التي تعمل كأذرع تمويلية غير خاضعة للموازنة والرقابة، والشركات الخاصة التي لا يجوز مصادرتها لمجرد ارتباط أصحابها السياسي أو الاجتماعي بأطراف النزاع.

ويجب أن يسبق إعادة الإعمار إصلاح النظام المالي، بما يشمل توحيد الإيرادات العامة، وإعادة بناء البنك المركزي، وتوحيد النظام المصرفي تدريجياً، واستعادة التحويلات بين الولايات، وإصلاح الجمارك والضرائب، وإنشاء حساب خزينة موحد، ونشر تقارير ربع سنوية عن الإنفاق. وتؤكد تجارب الدول الخارجة من الحروب أن غياب الشفافية المالية يسمح بإعادة إنتاج شبكات المحسوبية والفساد، حتى عندما تتغير الحكومات والأسماء السياسية (World Bank, 2011؛ de Waal, 2015).

وتخلص هذه المعطيات إلى أن الشرعية الأولى للسلطة الانتقالية يجب أن تكون شرعية إنسانية وخدمية، تتمثل في وقف القتال وإيصال المساعدات واستعادة الخدمات وحماية السكان. غير أن ذلك لا يلغي ضرورة بناء مؤسسات سياسية مستقلة؛ بل يجعلها أكثر إلحاحاً، لأن غياب المؤسسات المدنية هو أحد أسباب استمرار الكارثة وتسييس المساعدات وتوظيفها في الصراع.

الفصل الثاني: جغرافيا الانقسام ومراكز القوة: الاعتراف بالواقع العسكري دون تحويله إلى حق دستوري

1. خريطة السيطرة العسكرية في خريف 2026

تتسم خريطة السيطرة في السودان بالتغير المستمر، لكن التحليلات المنشورة في أكتوبر 2026 تشير إلى انقسام جغرافي واسع بين مناطق يسيطر عليها الجيش في الشمال والشرق والوسط، ومناطق تسيطر عليها قوات الدعم السريع في معظم دارفور وأجزاء من كردفان. ويظل هذا الوصف تقريبياً، لأن السيطرة على المدن والطرق والموارد لا تعني بالضرورة السيطرة الكاملة على الريف أو السكان أو المؤسسات المحلية (European Union Agency for Asylum, 2026؛ Al Jazeera, 2026).

وقد أشار تقرير وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء عن الوضع الأمني في السودان، المنشور في أكتوبر 2026، إلى أن قوات الدعم السريع تسيطر على الولايات الخمس في دارفور، مع وجود استثناءات ومناطق متنازع عليها، بينما تحتفظ حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور بمناطق في جبل مرة. كما يوضح التقرير أن السيطرة في بعض أجزاء شمال دارفور وغرب دارفور ليست مطلقة، وأن مناطق من كردفان والنيل الأزرق تشهد تغيرات عسكرية متواصلة (EUAA, 2026).

أما القوات المسلحة السودانية، فتسيطر على معظم الشمال والشرق والوسط، بما في ذلك الخرطوم والجزيرة ونهر النيل والشمالية والبحر الأحمر وكسلا والقضارف، بينما تظل بعض مناطق كردفان والنيل الأزرق محل تنازع. وتؤكد التقارير البريطانية أن قوات الدعم السريع تحتفظ بمواقع واسعة في غرب السودان، بما في ذلك دارفور وغرب كردفان، ومواقع استراتيجية في أجزاء من شمال وجنوب كردفان، في حين يسيطر الجيش على معظم الشمال والشرق والوسط (UK Home Office, 2026).

وقد استعاد الجيش الخرطوم في مارس 2025، كما استعاد سنار ومناطق أخرى في وسط البلاد، لكن استعادة المدن لا تعني انتهاء الحرب أو القدرة على فرض سلطة مستقرة في جميع المناطق. وفي المقابل، أدى سقوط الفاشر في أكتوبر 2025 إلى تعزيز سيطرة الدعم السريع على معظم دارفور، ونقل مركز الثقل العسكري نحو كردفان. وتوضح تحليلات أكتوبر 2026 أن كردفان أصبحت محوراً رئيسياً للقتال، وأن نحو 19.7% من الهجمات المسجلة خلال الحرب وقعت في هذه المنطقة، وفق تحليل لبيانات أحداث النزاع (Al Jazeera, 2026).

وتقتضي الدقة التمييز بين السيطرة العسكرية والسيطرة الإدارية والسيطرة الاجتماعية. فقد تتمكن قوة مسلحة من دخول مدينة دون أن تستطيع توفير الخدمات أو تأمين الطرق أو إدارة الأسواق، وقد تسيطر على طريق استراتيجي دون السيطرة على القرى المحيطة به. كما أن السيطرة الميدانية قد تعتمد على تحالفات قبلية ومحلية ومجموعات مسلحة متحالفة لا تخضع بالضرورة لقيادة مركزية موحدة.

2. دارفور: السيطرة العسكرية والتعدد الاجتماعي ومخاطر إعادة إنتاج العنف

تحتل دارفور موقعاً مركزياً في الحرب الراهنة بسبب تاريخ الصراع على الأرض والموارد والتمثيل السياسي، وبسبب ارتباط الحرب الحالية بإرث الجنجويد والمراحيل والتشكيلات العسكرية التي تطورت لاحقاً إلى قوات الدعم السريع. ولا يجوز اختزال سكان دارفور في مكونات إثنية أو سياسية متجانسة؛ فالمنطقة تضم مجتمعات عربية وغير عربية، ومزارعين ورعاة، وسكان مدن وريف، وحركات مسلحة متعددة، وإدارات أهلية، وتيارات مدنية وسياسية متباينة.

وقد حافظت حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور على وجودها في جبل مرة، بينما توجد مناطق في شمال دارفور شهدت استمرار وجود حركات دارفورية متحالفة مع الجيش، بما في ذلك مناطق حدودية ومواقع متنازع عليها. وتظهر التقارير الأوروبية أن حركة عبد الواحد تحتفظ بمناطق في جبل مرة، وأنها ظلت خارج الاصطفاف المباشر بين الجيش والدعم السريع في مراحل مختلفة من الحرب (EUAA, 2026).

ويجب ألا يؤدي الاعتراف بهذه التعددية إلى منح أي حركة مسلحة حصة دستورية دائمة. فالحركات التي شاركت في القتال أو وقعت اتفاقات سلام يجب أن تخضع لمعايير واحدة تتعلق بالتخلي عن السلاح السياسي، والمساءلة، والاندماج الفردي المنضبط في المؤسسات الأمنية، والقبول بالمنافسة الديمقراطية.

3. كردفان والنيل الأزرق: مناطق الاختبار الحاسم لأي تسوية

تمثل كردفان محوراً استراتيجياً يربط دارفور بالوسط والشرق، ولذلك فإن السيطرة عليها تؤثر في خطوط الإمداد والتجارة والحركة العسكرية. وقد أصبحت شمال كردفان وجنوبها وغربها مناطق متداخلة السيطرة، مع وجود مواقع للجيش والدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو. ولا ينبغي التعامل مع الحركة الشعبية باعتبارها مجرد امتداد لأحد الطرفين؛ فموقفها السياسي والعسكري ومطالبها المتعلقة بالحكم الذاتي والعلمانية وترتيبات الدولة يستلزم تفاوضاً مستقلاً.

وفي النيل الأزرق، تتأثر المواجهات بالموقع الحدودي مع إثيوبيا وجنوب السودان، وبالتداخل بين النزاعات المحلية والامتدادات العسكرية والإقليمية. ويؤدي ذلك إلى ضرورة إدراج الأقاليم الطرفية في ترتيبات وقف النار والتمثيل الدستوري، بدلاً من اختزال التسوية في تفاوض بين قيادات الخرطوم ودارفور.

4. السلطتان المتوازيتان: حكومة بورتسودان وتحالف تأسيس

نشأت خلال الحرب سلطتان سياسيتان متنافستان. ففي المناطق التي يسيطر عليها الجيش، تشكلت حكومة برئاسة كامل إدريس، الذي عُيّن رئيساً للوزراء في مايو 2025، وأُعلنت حكومته في نهاية الشهر نفسه، ثم عادت مؤسسات حكومية إلى الخرطوم في يناير 2026. وتقدم هذه الحكومة نفسها باعتبارها حكومة غير حزبية، وتطرح مساراً يقوم على الحوار السوداني والوصول إلى حكومة منتخبة (Dabanga, 2026؛ Idris, 2026).

لكن هذا الادعاء لا يلغي ضرورة فحص علاقاتها الفعلية بالقيادة العسكرية، ولا سيما أن رئيس الوزراء عُيّن في ظل سلطة يقودها الفريق عبد الفتاح البرهان، وأن المؤسسات السيادية والأمنية لا تزال خاضعة لميزان القوى العسكري. ولذلك ينبغي تقييم استقلال الحكومة وفق سلطاتها الفعلية، وطريقة اختيار الوزراء، وقدرتها على إخضاع المؤسسات العسكرية للمساءلة، وليس وفق وصفها لنفسها بأنها غير حزبية.

وفي المقابل، ظهر تحالف تأسيس الذي وقّع ميثاقه في نيروبي في فبراير 2025، واعتمد إطاراً دستورياً انتقالياً في مارس 2025، ثم أعلن مجلس قيادة وحكومة موازية في نيالا خلال العام نفسه. وقد ارتبط التحالف سياسياً وعسكرياً بقوات الدعم السريع، وضم قوى مدنية وحركات مسلحة وشخصيات سياسية، وطرح مشروعاً اتحادياً من ثمانية أقاليم (The Sudan Times, 2025؛ Africanews, 2025).

وأعلن التحالف تشكيل لجان مؤقتة في نيالا في أبريل 2026 لتعزيز بنيته الإدارية (Darfur24, 2026). غير أن تشكيل حكومة أو مجلس قيادة لا يمنح اعترافاً دستورياً أو دولياً تلقائياً، ولا يثبت القدرة على إدارة دولة وطنية موحدة. كما أن تبني خطاب مدني أو علماني أو اتحادي لا يعفي أي سلطة من المساءلة عن سلوك القوات التي تعتمد عليها.

5. ثلاثة أنواع من القوة يجب الفصل بينها

تتوزع القوة في السودان على ثلاثة مستويات. الأول هو القوة الصلبة التي تشمل السلاح والقدرة القتالية والسيطرة على الطرق والمعابر والموارد. والثاني هو القوة الإدارية والمالية التي تتصل بالبيروقراطية والخدمات والمصارف والضرائب والسفارات والوثائق المدنية. والثالث هو القوة الشرعية التي تتصل بالقبول الشعبي والتمثيل المدني والاعتراف الدولي والقدرة على التعبير عن مصالح المجتمعات المحلية.

ولا تتطابق هذه الأنواع الثلاثة. فقد يمتلك طرف قوة عسكرية كبيرة دون أن يمتلك شرعية شعبية أو قدرة إدارية، وقد تمتلك قوى مدنية شرعية أخلاقية واجتماعية دون امتلاك وسائل حماية أنصارها أو تنفيذ قراراتها. ومن ثم فإن التصميم المؤسسي المطلوب ينبغي أن يمنع تحويل القوة العسكرية إلى حق سياسي دائم، وأن يعالج في الوقت نفسه غياب القدرة التنفيذية لدى المدنيين من خلال ضمانات دولية وإقليمية وإصلاح مؤسسي تدريجي.

والنتيجة الأساسية أن موازين القوة تفرض التفاوض مع الأطراف المسلحة حول وقف النار والترتيبات الأمنية، لكنها لا تمنحها حق المشاركة في السيادة السياسية أو التشريع أو تعيين القضاة. فالاعتراف بالواقع العسكري ضرورة عملية، أما تحويله إلى قاعدة دستورية فهو إعادة إنتاج لأسباب الحرب.

الفصل الثالث: دروس الانتقالات السودانية الثلاثة: لماذا لم تتحول الثورات إلى دولة ديمقراطية مستقرة؟

1. ثورة أكتوبر 1964: إسقاط الحكم العسكري دون تفكيك جذور الدولة

أطاحت ثورة أكتوبر 1964 بحكم الفريق إبراهيم عبود بعد احتجاجات طلابية ومهنية وشعبية واسعة، وأنتجت فترة انتقالية شاركت فيها النقابات والهيئات المهنية والأحزاب السياسية. وكانت الثورة دليلاً مبكراً على قدرة المجتمع السوداني على إسقاط الحكم العسكري عبر التعبئة المدنية السلمية، لكنها لم تؤسس نظاماً مؤسسياً مستقراً يمنع عودة التدخل العسكري في السياسة.

فقد عادت الأحزاب التقليدية إلى مركز المنافسة، واستمرت مشكلات العلاقة بين المركز والأقاليم، وضعف المؤسسات التشريعية والتنفيذية، وعدم معالجة جذور الحرب في جنوب السودان معالجة سياسية مستدامة. كما ظلت المؤسسة العسكرية خارج الرقابة الديمقراطية الفعالة، واستمرت أزمة العلاقة بين الأحزاب والنقابات والحركات المسلحة.

وتشير دراسة ويلو بريج إلى أن الانتفاضات المدنية السودانية حققت تحولات سياسية مهمة، لكنها واجهت صعوبات في تحويل التعبئة الشعبية إلى مؤسسات مستقرة، وفي بناء توافق طويل الأمد على قواعد الحكم (Berridge, 2015). والدرس هنا أن إسقاط النظام لا يساوي بناء الدولة، وأن الانتقال الذي لا يعيد تنظيم العلاقة بين المؤسسات المدنية والعسكرية يظل معرضاً للانتكاس.

2. انتفاضة أبريل 1985: انتقال انتخابي دون إصلاح عميق للمؤسسات

أطاحت انتفاضة أبريل 1985 بنظام جعفر نميري، وتولى الفريق عبد الرحمن سوار الذهب رئاسة المجلس العسكري الانتقالي، الذي أعلن التزامه بتسليم السلطة للمدنيين بعد فترة انتقالية قصيرة. وأُجريت انتخابات أبريل 1986، وعادت الأحزاب إلى الحكم، لكن الانتقال لم ينجح في معالجة البنية العسكرية والأمنية والاقتصادية التي سمحت بتدخل الجيش في السياسة.

واستمرت الحرب الأهلية في الجنوب، وتعقدت العلاقة بين الحكومة والقوى المسلحة، ولم تُحسم مسألة طبيعة الدولة وعلاقتها بالدين والمواطنة واللامركزية. كما بقيت الخدمة المدنية والمؤسسات الأمنية عرضة للتسييس، ولم تُنشأ منظومة رقابة فعالة على الاقتصاد العسكري.

وانتهى المسار بانقلاب 30 يونيو 1989 بقيادة عمر البشير، الذي مثّل تحولاً عميقاً نحو بناء دولة حزبية أمنية، وأطلق مشروعاً واسعاً لإعادة تشكيل القضاء والخدمة المدنية والاقتصاد والأجهزة العسكرية وفق الولاء السياسي والتنظيمي.

ويكمن الدرس الأساسي في أن الانتخابات المبكرة لا تكفي إذا لم تسبقها إعادة هيكلة مؤسسات القوة، وأن تسليم الحكم إلى حكومة منتخبة دون ضمانات دستورية وقضائية وأمنية قد يعيد إنتاج الانقلاب. كما أن عدم معالجة أسباب الحرب والتهميش يجعل الدولة عرضة لاستمرار النزاعات حتى عندما تتغير الحكومات.

3. ثورة ديسمبر 2018 وانقلاب أكتوبر 2021: تجربة الشراكة المدنية العسكرية وحدودها

أطاحت ثورة ديسمبر 2018 بنظام عمر البشير، وفتحت الطريق أمام اتفاق سياسي بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى إعلان الحرية والتغيير. ووقعت الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية في 4 أغسطس 2019، ونظمت مجلس السيادة ومجلس الوزراء والمجلس التشريعي الانتقالي، وأقرت نظاماً انتقالياً يجمع بين المكون العسكري والمكون المدني.

وتكون مجلس السيادة من أحد عشر عضواً: خمسة يمثلون المجلس العسكري الانتقالي، وخمسة تختارهم قوى الحرية والتغيير، وعضو مدني يتفق عليه الطرفان. كما نصت الوثيقة على تشكيل مجلس وزراء يرأسه رئيس الوزراء، وعلى أن يرشح المكون العسكري وزيري الدفاع والداخلية، بينما يتولى رئيس الوزراء اختيار بقية الوزراء وفق الترتيبات الدستورية (Library of Congress, 2019).

ونصت الوثيقة على مجلس تشريعي انتقالي مستقل يصل عدد أعضائه إلى ثلاثمئة عضو، على أن تمثل النساء 40% منه على الأقل. كما منحت قوى الحرية والتغيير نسبة 67% من مقاعد المجلس التشريعي وفق الاتفاق السياسي الذي سبق الوثيقة، وخصص اتفاق جوبا لسلام السودان، الموقع في 3 أكتوبر 2020، نسبة 25% من المقاعد لأطراف السلام (الوثيقة الدستورية، 2019؛ اتفاق جوبا لسلام السودان، 2020).

وقد احتوى هذا التصميم على تناقضات مؤسسية أساسية. فمن ناحية، اعترف بالسيادة المدنية نظرياً، لكنه منح العسكريين حق المشاركة في قمة السلطة السيادية، والقدرة على التأثير في الوزارات الأمنية، والاحتفاظ بمؤسسات اقتصادية وعسكرية خارج الرقابة المدنية الكاملة. ومن ناحية أخرى، لم يُشكَّل المجلس التشريعي الانتقالي، وظلت وظائف التشريع والرقابة موزعة بين مجلس السيادة ومجلس الوزراء في غياب المؤسسة التي يفترض أن تراقبهما.

كما أن تحديد فترة رئاسة عسكرية لمجلس السيادة في أول واحد وعشرين شهراً، تليها فترة رئاسة مدنية، جعل الانتقال مرتبطاً بجدول زمني لا يملك المدنيون ضماناً مستقلاً لتنفيذه. ووقع انقلاب 25 أكتوبر 2021 قبل اكتمال انتقال الرئاسة إلى المدنيين، وأُعلنت إجراءات استثنائية عطلت جانباً مهماً من الوثيقة الدستورية وأعادت السيطرة السياسية إلى المكون العسكري (Just Security, 2021).

ثم جاءت حرب أبريل 2023 لتكشف أن الشراكة لم تعالج جذور ازدواج القوة العسكرية، ولا التنافس على القيادة والموارد والاقتصاد، ولا مشكلة قوات الدعم السريع بوصفها مؤسسة عسكرية موازية للجيش، ولا غياب الرقابة الديمقراطية على القوات المسلحة والأجهزة الأمنية.

4. الدروس المؤسسية المستخلصة من التجارب الثلاث

يمكن استخلاص سبعة دروس مترابطة من التجارب السابقة. أولاً، لا ينبغي أن تكون المؤسسة العسكرية شريكاً في السيادة السياسية، لأن ذلك يخلق سلطة مزدوجة ويجعل الحكومة المدنية مسؤولة أمام المواطنين دون أن تمتلك أدوات الرقابة على القوة المسلحة. ثانياً، يجب تشكيل المؤسسة التشريعية منذ الأشهر الأولى، لأن تأجيلها يفرغ الانتقال من الرقابة ويحول السلطة التنفيذية إلى سلطة شبه مطلقة.

ثالثاً، لا يجوز تحويل اتفاقات السلام إلى حصص وزارية دائمة تمنح الحركات المسلحة سلطة سياسية دون تفكيك تشكيلاتها العسكرية. رابعاً، لا يمكن بناء الديمقراطية دون إصلاح القضاء والنيابة والخدمة المدنية والأجهزة الأمنية. خامساً، يجب إخضاع المؤسسات الاقتصادية العسكرية للموازنة العامة والتدقيق المستقل. سادساً، لا بد من حماية الانتقال من تدخلات الأطراف الإقليمية والدولية التي قد تدعم قوى مسلحة أو سلطات متنافسة. سابعاً، يجب أن تقوم الشرعية الانتقالية على مشاركة اجتماعية وجغرافية واسعة، وليس على اتفاق بين عدد محدود من القيادات السياسية والعسكرية.

وتؤيد الأدبيات المقارنة هذه الاستنتاجات. فقد أظهرت هارتزل وهودي أن تقاسم السلطة قد يساهم في استدامة السلام عندما يتضمن ترتيبات مؤسسية متعددة المستويات، لكنه لا يضمن النجاح تلقائياً (Hartzell & Hoddie, 2007). وأوضحت والتر أن الأطراف المتحاربة تحتاج إلى ضمانات موثوقة تحميها من مخاطر نزع السلاح والتعرض لهجوم لاحق، وأن وجود طرف ثالث قادر على ضمان الالتزامات قد يغير حساباتها (Walter, 2002). وناقش رودر وروتشيلد أن تصميم المؤسسات بعد الحرب ينبغي أن يوازن بين استيعاب المجموعات المتنافسة ومنع تحويل الانقسامات إلى هويات سياسية مغلقة (Roeder & Rothchild, 2005).

كما حذر باريس من أن فرض الانتخابات السريعة في مجتمعات خارجة من الحرب قد يؤدي إلى إعادة إنتاج التنافس العنيف، إذا لم تسبقها مؤسسات قادرة على حماية الحقوق وإدارة النزاعات (Paris, 2004). ويؤكد كال أن منع تجدد الحرب يتطلب معالجة العوامل التي أبقت النزاع ممكناً، بما فيها ضعف مؤسسات الدولة واستمرار اقتصاد الحرب وانعدام الضمانات (Call, 2012).

وعليه، لا تقترح الدراسة إلغاء المشاركة السياسية أو التوافق بين المجموعات السودانية، بل إعادة تعريفهما. فالتوافق المطلوب يكون على قواعد الدولة والدستور والحقوق والمؤسسات، وليس على اقتسام السيادة بين أصحاب السلاح.

الفصل الرابع: المفاضلة بين ثلاثة مسارات للانتقال: الحكم العسكري والحكومة الموازية والسلطة المدنية المستقلة

1. الخيار الأول: استمرار القيادة العسكرية أو إعادة إنتاج حكومة تحت وصايتها

يقوم الخيار الأول على استمرار القيادة السياسية المرتبطة بالقوات المسلحة، أو تشكيل حكومة مدنية تعمل تحت السيادة الفعلية للمؤسسة العسكرية. وتستند حججه إلى أن الجيش هو المؤسسة التي تحتفظ بالاعتراف الدولي الرسمي، وتمتلك السفارات والتمثيل الدبلوماسي والعلاقات الحكومية، ولديها جهاز إداري يمكن الاستفادة منه في إعادة تشغيل الدولة.

كما يرى أنصار هذا الخيار أن نقل السلطة إلى المدنيين دون ترتيبات أمنية قد يؤدي إلى فراغ سياسي وأمني، وأن الجيش يمثل مؤسسة وطنية ينبغي الحفاظ عليها، وأن قوات الدعم السريع لا يمكن مساواتها به باعتبارها قوة عسكرية موازية نشأت وتطورت خارج نموذج الجيش الوطني الموحد.

وهذه حجج تستحق المناقشة، خصوصاً أن تفكيك المؤسسة العسكرية الوطنية دون خطة بديلة قد يؤدي إلى انهيار الأمن وتفكك الدولة. لكن الحفاظ على الجيش لا يعني منحه حق الحكم، كما أن الاعتراف الدولي بالحكومة لا يعني تفويضها بإدارة الانتقال دون رقابة مدنية.

وتتمثل المخاطر الرئيسية لهذا الخيار في استمرار احتكار المؤسسة العسكرية للقرارات السيادية، وإضعاف استقلال الحكومة، وإبقاء الاقتصاد العسكري خارج الرقابة، وتعطيل المحاسبة عن الانتهاكات، وإعادة إنتاج النموذج الذي سبق انقلاب 1989 ثم انقلاب 2021.

وقد رفض البرهان خارطة الرباعية في سبتمبر 2025، ثم ظهرت مواقف متباينة بشأن قبولها المشروط، قبل استمرار الخلافات حول الهدنة والضمانات والدور الإقليمي. وتوضح تقارير مجموعة الأزمات الدولية أن الانقسامات الإقليمية وتضارب مصالح الأطراف الخارجية ساهمت في تعقيد جهود الوساطة (International Crisis Group, 2026).

ولا تعني هذه الانتقادات إنكار الدور الوطني الذي يمكن أن تؤديه القوات المسلحة بعد إصلاحها، وإنما التمييز بين المؤسسة العسكرية بوصفها جهازاً وطنياً للدفاع، والقيادة العسكرية بوصفها طرفاً سياسياً لا يجوز أن تحتكر السيادة.

2. الخيار الثاني: حكومة تأسيس والسلطة الموازية في غرب السودان

يقوم الخيار الثاني على الاعتراف بتحالف تأسيس وحكومته المعلنة في نيالا باعتبارهما سلطة انتقالية أو حكومة موازية تمثل المناطق الخاضعة لسيطرة الدعم السريع.

وتتمثل حجج أنصار هذا الخيار في أن السودان يعاني تاريخياً من المركزية السياسية والاقتصادية، وأن سكان الأطراف يحتاجون إلى تمثيل مستقل، وأن التحالف يطرح مشروعاً اتحادياً ويعلن تبني العلمانية والمساواة في المواطنة، ويضم مدنيين وحركات مسلحة ومكونات سياسية من مناطق مهمشة.

لكن هذه الحجج لا تكفي لتأسيس شرعية وطنية. فالمشكلة الأساسية أن التحالف نشأ في سياق ارتباط عسكري وثيق بقوات الدعم السريع، وأن تشكيلاته السياسية لا تستطيع إثبات استقلالها الكامل عن القوة المسلحة التي تسيطر على الأراضي التي تديرها. كما أن الانتهاكات التي وثقتها المنظمات الحقوقية في دارفور تفرض ضرورة إخضاع أي سلطة مرتبطة بالقوات المسيطرة للمساءلة والتحقيق المستقل.

ويؤدي الاعتراف بحكومة موازية بوصفها سلطة وطنية إلى تكريس الانقسام الجغرافي والسياسي، وإيجاد حافز لدى الأطراف المسلحة للحفاظ على مناطق نفوذها باعتبارها قاعدة تفاوضية. كما قد يؤدي إلى تحويل السيطرة العسكرية إلى حق دستوري، وهو ما يناقض مبدأ وحدة الدولة والمواطنة المتساوية.

ولا ينبغي الخلط بين رفض الاعتراف بالسلطة الموازية وبين رفض مشاركة سكان المناطق الخاضعة لها. فالمواطنون في دارفور وغرب كردفان وجنوب كردفان يجب أن يتمتعوا بالتمثيل الكامل في المؤسسات الانتقالية، بصرف النظر عن السلطة العسكرية التي تسيطر على مناطقهم.

3. الخيار الثالث: سلطة مدنية مستقلة بضمانات إقليمية ودولية

يقوم الخيار الثالث على تشكيل سلطة انتقالية مدنية مستقلة لا يشارك القادة العسكريون في مؤسساتها السيادية أو التشريعية أو القضائية، مع إنشاء مسار تفاوضي منفصل يضمن مشاركتهم في وقف النار والترتيبات الأمنية ونزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج.

ويستند هذا الخيار إلى المبادئ التي تضمنتها خارطة الرباعية التي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات، والتي طرحت حكومة مدنية مستقلة ذات شرعية واسعة لا يسيطر عليها أي من الطرفين المتحاربين. وتكتسب هذه الفكرة أهميتها من اعترافها بأن الحرب لا يمكن إنهاؤها بتوزيع السلطة بين القوتين المسلحتين، وأن الحل ينبغي أن يفتح الطريق أمام سلطة مدنية وطنية (International Crisis Group, 2025).

لكن الرباعية ليست آلية محايدة بصورة تلقائية، ولا تخلو من تضارب المصالح. فالسعودية ومصر ترتبطان بحسابات مختلفة تجاه المؤسسة العسكرية السودانية، بينما تواجه الإمارات اتهامات بدعم قوات الدعم السريع، وهي اتهامات نفتها أبوظبي. كما أن الولايات المتحدة تسعى إلى الجمع بين وقف الحرب والحد من التدخلات الخارجية وحماية مصالحها الإقليمية. وقد أدى هذا التباين إلى إضعاف قدرة الرباعية على فرض التزامات موحدة (Arab Center Washington DC, 2025؛ House of Commons Library, 2026).

وتتمثل الثغرة الثانية في أن خارطة الطريق لا تستطيع النجاح بمجرد تحديد جدول زمني قصير. فثلاثة أشهر لوقف النار وتسعة أشهر للانتقال قد لا تكون كافية في بلد يعاني النزوح الواسع وتعدد السلطات وانهيار المؤسسات. كما أن أي جدول زمني لا يتضمن مؤشرات تنفيذ وعقوبات محددة سيظل عرضة للتعطيل.

وتتمثل الثغرة الثالثة في غياب آلية واضحة لمعالجة الدعم العسكري الخارجي، وغياب ضمانات فعالة لوقف تدفق السلاح والتمويل والمرتزقة، وعدم وجود آلية متفق عليها لتوحيد المؤسسات الإدارية والمالية.

وتقدر الدراسة أن هذه الثغرات لا تنقض فكرة القيادة المدنية المستقلة، وإنما تؤكد ضرورة تطويرها إلى اتفاق دولي وإقليمي أكثر صرامة، مع توسيع المشاركة السودانية المدنية، وربط الاعتراف والتمويل والعقوبات بمؤشرات تنفيذ واضحة.

4. المفاضلة النهائية بين الخيارات الثلاثة

يتفوق الخيار الثالث من الناحية الدستورية والديمقراطية لأنه يفصل بين القوة العسكرية والسلطة السياسية، ويمنع تكريس التقسيم، ويتيح تمثيل المجتمعات دون منح قيادات الحرب امتيازات سياسية. لكنه ليس خياراً مضمون النجاح، لأنه يحتاج إلى ضغط خارجي منسق، وتوافق مدني واسع، وقبول الأطراف المسلحة بالترتيبات الأمنية.

أما الخيار الأول فيحافظ على وحدة المؤسسات الرسمية ظاهرياً، لكنه يخاطر بإعادة إنتاج الحكم العسكري. والخيار الثاني يعترف بالتهميش التاريخي، لكنه يهدد بتكريس سلطتين متنافستين، ويخلط بين تمثيل سكان الأطراف والاعتراف السياسي بقوة مسلحة.

وعليه، ينبغي أن يكون معيار المفاضلة هو قدرة كل خيار على إنهاء الحرب دون مكافأة العنف، وتوحيد مؤسسات الدولة دون احتكار المركز، وضمان المساءلة دون الانتقام الجماعي، وبناء نظام سياسي يستطيع السودانيون تغييره عبر الانتخابات.

الفصل الخامس: النموذج البديل: سلطة مدنية مستقلة وفصل دستوري بين السياسة والأمن

1. المبادئ الدستورية الحاكمة

تقترح الدراسة إنشاء سلطة انتقالية مدنية مستقلة تقوم على ستة مبادئ أساسية: السيادة للشعب، والسلطة السياسية للمدنيين، واحتكار الدولة للسلاح المشروع، وخضوع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية للرقابة الدستورية، واستقلال القضاء والنيابة، والمساواة الكاملة في المواطنة دون تمييز إثني أو ديني أو جهوي أو نوع اجتماعي.

ويجب أن ينص الدستور الانتقالي صراحة على أن القوات المسلحة مؤسسة وطنية مهنية مهمتها حماية البلاد والدستور والنظام الدستوري، ولا يجوز لها التدخل في تشكيل الحكومة أو تعيين الوزراء أو إدارة الاقتصاد أو التأثير في الانتخابات.

كما يجب أن يحظر على القادة العسكريين والأمنيين تولي المناصب السياسية خلال الفترة الانتقالية، وأن يخضع أي انتقال لاحق من الخدمة العسكرية إلى العمل السياسي لفترة تجميد قانونية واضحة، مع عدم المساس بالحقوق السياسية العامة لأفراد القوات النظامية بعد انتهاء خدمتهم وفق القانون.

2. مجلس سيادي مدني صغير

توصي الدراسة بإنشاء مجلس سيادي مدني جماعي يتكون من خمسة أعضاء، يمثلون التوازن الجغرافي والاجتماعي، ويُختارون وفق آلية ترشيح مستقلة. ولا يكون المجلس بديلاً عن البرلمان أو الحكومة، بل مؤسسة دستورية محدودة الاختصاصات، تتعلق بالمصادقة على القرارات السيادية المنصوص عليها في الدستور، وتكليف رئيس الوزراء، وتمثيل الدولة في المناسبات الدستورية.

ويُمنع المجلس من التدخل في التعيينات الإدارية اليومية أو توجيه النيابة أو القضاء أو التدخل في العقود الحكومية. كما يجب نشر محاضر اجتماعاته وقراراته وأسبابها، باستثناء المعلومات الأمنية التي يجيز القانون حجبها بصورة محددة ومؤقتة.

ويكون اختيار الأعضاء عبر لجنة ترشيح مستقلة تضم قضاة سابقين مشهوداً لهم بالاستقلال، وأكاديميين، وممثلين للنقابات والهيئات المهنية والمجتمع المدني، على أن يخضع المرشحون لإفصاح مالي وتدقيق في تضارب المصالح.

3. فصل المسار السياسي عن المسار الأمني

يقوم النموذج المقترح على مسارين متوازيين، لكنهما منفصلان دستورياً.

المسار السياسي يقوده المدنيون، ويشمل تشكيل الحكومة والمجلس التشريعي وصياغة الدستور المؤقت وإصلاح الخدمة المدنية وإدارة الموارد العامة والعدالة الانتقالية والعلاقات الخارجية.

أما المسار الأمني، فيشمل التفاوض مع الجيش والدعم السريع والحركات المسلحة حول وقف النار، ومراقبة الانسحاب من المناطق المدنية، وتجميع القوات، وحصر الأسلحة الثقيلة، والتسريح، وإعادة الدمج، وإصلاح أجهزة الاستخبارات والشرطة.

ويُنشأ مجلس أمن قومي انتقالي برئاسة مدنية، وتكون له وظيفة تنسيقية واستشارية، وليس سلطة تشريعية أو تنفيذية مستقلة. ويشارك القادة العسكريون في الاجتماعات المتعلقة بالأمن باعتبارهم مسؤولين عن تنفيذ التزامات محددة، لا باعتبارهم أعضاء في السلطة السيادية.

وتتولى لجنة مستقلة مراقبة تنفيذ الترتيبات الأمنية، بمشاركة خبراء دوليين وإقليميين، وتقدم تقارير دورية للمجلس التشريعي وللآلية الدولية الضامنة.

4. إعادة بناء احتكار الدولة للسلاح

تتطلب إعادة بناء الدولة السودانية معالجة ازدواج المؤسسة العسكرية، بما يشمل وضع حد قانوني وتنظيمي لوجود قوات الدعم السريع باعتبارها قوة عسكرية مستقلة موازية للقوات المسلحة. وقد أنشئ الإطار القانوني لقوات الدعم السريع بموجب قانون قوات الدعم السريع لسنة 2017، الذي أضفى عليها وضعاً مؤسسياً داخل الدولة، لكنه لم ينهِ إشكالية استقلال قيادتها وتعدد مراكز القرار العسكري.

وتقترح الدراسة إلغاء الإطار القانوني الذي يسمح بوجود تشكيل عسكري موازٍ، واستبداله بقانون موحد للقوات المسلحة والأجهزة النظامية، يحدد بوضوح القيادة والسيطرة والتعيين والترقية والتقاعد والمحاسبة والميزانية.

ولا يعني ذلك دمج جميع المقاتلين في الجيش بصورة جماعية. فالتجارب المقارنة توضح أن الدمج الجماعي قد يؤدي إلى نقل الانقسامات المسلحة إلى داخل المؤسسة العسكرية. ولذلك يجب أن يكون الدمج فردياً، وفق معايير مهنية تتعلق بالتدريب والسجل الجنائي واللياقة والانضباط والالتزام بالدستور.

أما من لا يستوفي المعايير، فيدخل في برامج التسريح وإعادة الدمج المدني، التي تشمل التدريب المهني والدعم الاقتصادي والتأهيل النفسي والاجتماعي وإعادة الإدماج في المجتمعات المحلية.

ويجب أن تتضمن هذه العملية حظراً صارماً على حمل السلاح خارج المؤسسات النظامية، وتحديداً للأسلحة الثقيلة، وإنشاء سجل وطني للأسلحة، ومراقبة الحدود والمعابر، ومنع القوات النظامية من ممارسة التجارة والجبايات خارج القوانين والميزانية العامة.

5. التوفيق بين التوافقية والديمقراطية التنافسية

يستفيد النموذج من نظرية الديمقراطية التوافقية التي طورها آرنت ليبهارت، والتي تؤكد أهمية ضمان مشاركة المجموعات الاجتماعية والسياسية المختلفة في المجتمعات المنقسمة، ومن مقاربة دونالد هورويتز التي تركز على بناء الحوافز الانتخابية للتحالفات العابرة للانقسامات (Lijphart, 1977؛ Horowitz, 1991).

لكن الدراسة لا تتبنى التوافقية بصورة كاملة؛ لأنها قد تحول الهويات السياسية والاجتماعية إلى حصص مغلقة، وتمنح القيادات التقليدية حقاً دائماً في تمثيل مجتمعاتها. ولذلك تقترح استخدام التوافقية في المجلس التأسيسي الانتقالي، مع الانتقال لاحقاً إلى نظام انتخابي تنافسي يشجع التحالفات الوطنية العابرة للأقاليم.

ويجب أن يقوم النظام السياسي النهائي على تعددية حزبية حقيقية، وانتخابات دورية، وقضاء مستقل، وإعلام حر، وضمانات دستورية للأقليات، وتداول سلمي للسلطة.

وتنسجم هذه الرؤية مع أدبيات الانتقال الديمقراطي التي تؤكد أن نجاح الانتقال لا يعتمد فقط على الاتفاق بين النخب، وإنما على بناء مؤسسات تستطيع إدارة التنافس السياسي بعد انتهاء المرحلة الانتقالية (Linz & Stepan, 1996؛ Huntington, 1991).

الفصل السادس: من يشارك في تأسيس السودان الجديد؟ الشمول السياسي ومعايير الأهلية والمساءلة

1. خريطة القوى المدنية والاجتماعية

لا توجد كتلة مدنية واحدة تمتلك تفويضاً شعبياً شاملاً في السودان حتى نوفمبر 2026. فالساحة السياسية موزعة بين تحالفات مدنية وأحزاب تقليدية وحركات مسلحة ومجموعات مهنية ولجان مقاومة وغرف طوارئ وإدارات أهلية ونازحين ولاجئين وشخصيات مستقلة.

ويبرز تحالف صمود بقيادة عبد الله حمدوك بوصفه أحد التحالفات المدنية المناهضة للحرب، ويضم قوى وشخصيات ذات خبرة في العمل السياسي والمهني والحكومي. وقد دعا التحالف إلى عزل المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية عن السلطة، ومحاسبة المسؤولين عن تقويض الانتقال والتحريض على الحرب (Abdul Hussain, 2025).

لكن التحالف يواجه انتقادات تتعلق بضعف تمثيله لبعض المناطق الطرفية، وبطبيعة قيادته النخبوية والحضرية، وبالخلافات التي ظهرت داخل التحالفات المدنية السابقة حول العلاقة مع الأطراف المسلحة والحكومة الموازية. كما أن الانشقاق بين صمود وتقدم يعكس صعوبة التوفيق بين رفض الحرب ورفض المشاركة في سلطات الأمر الواقع.

أما الكتلة الديمقراطية، فتضم أحزاباً وحركات مسلحة وشخصيات سياسية، وترتبط بعض مكوناتها بالمسار السياسي الذي تقوده السلطة العسكرية في بورتسودان. وقد كشفت اجتماعات أديس أبابا في 2026 عن خلافات داخلية حول المبادرات الدولية والتعامل مع التحالفات المدنية الأخرى، وهو ما ظهر في تغطيات سياسية سودانية وإقليمية (Mada Masr, 2026).

ويضم تحالف تأسيس قوى مدنية ومكونات مسلحة مرتبطة بالسلطة الموازية في نيالا، ويطرح مشروعاً اتحادياً وخطاباً سياسياً علمانياً. لكن علاقته بقوات الدعم السريع تفرض ضرورة إخضاعه لمعيار الاستقلال عن القيادة المسلحة، مثل بقية التحالفات.

أما لجان المقاومة وغرف الطوارئ والنقابات والاتحادات المهنية، فقد اكتسبت أهمية كبيرة من خلال تنظيم الاحتجاجات والعمل الإغاثي المحلي وتقديم الخدمات المجتمعية. لكنها ليست كتلة متجانسة، وتضم اتجاهات سياسية متعددة، كما تعاني تشتتاً تنظيمياً ونقصاً في التمويل والتعرض للمخاطر الأمنية.

وتوجد كذلك الإدارات الأهلية والمرجعيات المجتمعية والأكاديميون والمهنيون والنازحون واللاجئون والنساء والشباب وذوو الإعاقة، وهي فئات ينبغي ألا تختزل في تمثيل الأحزاب السياسية.

2. معيار الأهلية: السلوك السياسي لا الهوية الاجتماعية أو الفكرية

تقترح الدراسة أن يقوم معيار المشاركة في السلطة الانتقالية على السلوك، لا على الهوية. فلا يجوز استبعاد مواطن أو حزب لمجرد انتمائه الإثني أو الديني أو الجهوي أو الفكري، كما لا يجوز منح حزب أو حركة حصانة من المساءلة لمجرد تبني خطاب ديمقراطي أو علماني.

وتشمل معايير الأهلية الالتزام بالتخلي عن السلاح باعتباره أداة للمنافسة السياسية، وقبول مبدأ التداول السلمي للسلطة، والقبول باستقلال القضاء، والإفصاح عن مصادر التمويل، وعدم الارتباط التنظيمي المباشر بقيادة عسكرية خلال الفترة الانتقالية، والقبول بالتحقيق المستقل في الانتهاكات.

ويجب تطبيق هذه المعايير على الجميع، بما في ذلك القوى المرتبطة بالجيش والدعم السريع والحركات المسلحة والأحزاب السياسية والتنظيمات الإسلامية.

3. المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية: التمييز بين المسؤولية الفردية والحقوق السياسية

تواجه المرحلة الانتقالية سؤالاً معقداً يتعلق بمشاركة المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية والكوادر التي ارتبطت بنظام الإنقاذ. وقد ارتبط حكم 1989–2019 بتسييس الخدمة المدنية والقضاء والأجهزة الأمنية والاقتصاد، وبإقصاء موظفين وقضاة ومهنيين على أساس الولاء السياسي، وبإنشاء شبكات اقتصادية وسياسية موازية.

لكن محاسبة المسؤولين عن هذه الممارسات لا ينبغي أن تتحول إلى إقصاء جماعي لكل من انتسب إلى حزب أو تيار فكري. فالمعيار القانوني الصحيح هو المسؤولية الفردية عن الفساد أو الجرائم أو تقويض النظام الدستوري، مع ضمان الحق في الدفاع والطعن والمحاكمة العادلة.

وتقترح الدراسة منع الأشخاص الذين تثبت مسؤوليتهم قضائياً عن الجرائم الجسيمة أو الفساد الكبير أو المشاركة في الانقلابات من تولي المناصب الانتقالية العليا، مع السماح للأحزاب والتنظيمات بإعادة بناء نفسها بعد حل أذرعها المسلحة وإخضاع مصادر تمويلها للرقابة.

ويجب التمييز بين المسؤولية السياسية عن سياسات النظام السابق، والمسؤولية الجنائية الفردية عن جرائم محددة. فالأولى قد تستوجب العزل السياسي المؤقت أو المنع من بعض المناصب وفق قانون واضح، أما الثانية فتستلزم تحقيقاً ومحاكمة وأدلة.

4. الإسلاميون بوصفهم فاعلين سياسيين ومخاطر تحويل الإقصاء إلى معطل مسلح

تنبع أهمية هذا التمييز من أن الإقصاء الجماعي قد يدفع بعض المجموعات إلى العمل السري أو التحالف مع قوى مسلحة، بينما يؤدي التساهل مع المسؤولين عن الجرائم إلى تقويض العدالة والثقة العامة.

وتوضح أدبيات التسويات أن استبعاد مجموعات متجذرة اجتماعياً دون مسار سياسي وقانوني واضح قد يؤدي إلى نشوء معطلين قادرين على تعطيل الانتقال، وأن الإدماج لا يعني منح حصانة من العقاب (Bell & Pospisil, 2017).

ولذلك ينبغي الجمع بين ثلاثة إجراءات: محاسبة المسؤولين عن الجرائم، وتفكيك المؤسسات الحزبية والأمنية والاقتصادية التي تعمل خارج القانون، وضمان الحقوق السياسية للمواطنين الذين لا تثبت مسؤوليتهم الفردية عن انتهاكات.

5. مشاركة الضحايا والمجتمعات المهمشة

لا يمكن أن تكون العدالة الانتقالية عملية بين القيادات السياسية والعسكرية وحدها. ويجب أن تشمل الضحايا والناجين والنازحين واللاجئين والنساء والشباب والمجتمعات التي تعرضت للقتل والتهجير والعنف الجنسي والتمييز.

وتوصي الدراسة بإنشاء آلية وطنية للمشاركة المجتمعية، تتلقى مقترحات المواطنين بشأن الدستور والعدالة والتعويضات وإعادة الإعمار، وتنظم جلسات استماع في الولايات ومناطق اللجوء، وتقدم تقارير دورية للمجلس التأسيسي.

كما ينبغي توفير الترجمة إلى اللغات السودانية المحلية، وتيسير مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة، وتقديم الدعم القانوني والنفسي للناجين، وضمان عدم تعريض الشهود والضحايا للانتقام.

ويجب أن يكون الشمول هنا شمولاً حقيقياً في صنع القرار، لا مجرد حضور رمزي في المؤتمرات أو توقيع بيانات سياسية.

الفصل السابع: مجلس تأسيسي من 301 عضو: تمثيل جغرافي واجتماعي وسياسي دون احتكار حزبي أو عسكري

1. مبررات إنشاء المجلس التأسيسي

تقترح الدراسة إنشاء مجلس تشريعي تأسيسي انتقالي من 301 عضو، يتولى التشريع والرقابة على السلطة التنفيذية واعتماد الموازنة وإقرار التشريعات الانتقالية ومراقبة إصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية.

ويجب ألا يكون المجلس مجرد مؤتمر سياسي استشاري، بل مؤسسة دستورية مستقلة ذات صلاحيات محددة، تُلزم الحكومة بتقديم التقارير وتتيح مساءلة الوزراء وتشكيل لجان التحقيق واستدعاء المسؤولين.

ويستند هذا الاقتراح إلى فشل تجربة 2019 في تشكيل المجلس التشريعي الانتقالي، رغم أن الوثيقة الدستورية نصت على وجوده. فقد أدى غياب المجلس إلى ضعف الرقابة، وأتاح استمرار تركيز السلطة في مجلس السيادة ومجلس الوزراء.

2. التوزيع المعياري للمقاعد

يقترح النموذج التوزيع الآتي:

  • 35% للأقاليم والولايات، وفق الوزن السكاني والجغرافي، مع حد أدنى يضمن عدم تهميش المناطق قليلة السكان أو البعيدة عن المركز.
  • 25% للأحزاب والتحالفات السياسية المدنية المستوفية لمعايير الأهلية، وفق آلية توزيع معلنة تستند إلى العضوية والتنظيم والانتشار الجغرافي والقدرة على إثبات التمثيل.
  • 15% للجان المقاومة وغرف الطوارئ والنقابات والاتحادات المهنية.
  • 10% للمتضررين المباشرين، بمن فيهم النازحون واللاجئون وأسر الضحايا والناجون.
  • 10% للإدارات الأهلية والمرجعيات المجتمعية المستقلة عن التشكيلات المسلحة.
  • 5% للأكاديميين والخبراء والمهنيين المستقلين.

ويعكس هذا التوزيع محاولة للجمع بين التمثيل الجغرافي والتمثيل السياسي والتمثيل الاجتماعي، دون منح أي طرف عسكري مقاعد بحكم السيطرة على الأرض.

وتبلغ النسبة المخصصة للأقاليم والولايات نحو 105 أعضاء، والسياسية نحو 75 عضواً، ولجان المقاومة والنقابات نحو 45 عضواً، والمتضررين نحو 30 عضواً، والإدارات الأهلية نحو 30 عضواً، والأكاديميين والخبراء نحو 15 عضواً، مع ضبط العدد النهائي وفق قواعد التقريب الحسابي المعتمدة.

ويجب ألا تتجاوز حصة أي معسكر سياسي 30% من المجلس، وأن تكون نسبة النساء 40% على الأقل داخل كل فئة، وليس فقط في المجموع النهائي. كما ينبغي اعتماد تمثيل مناسب للشباب وذوي الإعاقة والمجموعات التي تعرضت للتهميش التاريخي.

3. معايير توزيع المقاعد وضمانات منع التلاعب

تستند الأوزان إلى أربعة معايير. الأول هو الوزن السكاني والجغرافي، مع مراعاة التفاوت الكبير في الكثافة السكانية بين الولايات. والثاني هو مستوى التضرر من الحرب والنزوح والتهجير وفقدان المؤسسات. والثالث هو التمثيل المدني والتنظيمي القابل للتحقق، من خلال قواعد عضوية معلنة ومحاضر انتخابية داخلية ومعلومات عن الانتشار الجغرافي. والرابع هو الكفاءة، خصوصاً في المقاعد المخصصة للخبراء والمهنيين.

ولا يجوز استخدام الكفاءة لتقليل التمثيل الشعبي أو تحويل المجلس إلى تجمع تكنوقراطي، كما لا يجوز استخدام الشعبية المدعاة لتجاوز معايير النزاهة والاستقلال.

وتقترح الدراسة إنشاء لجنة مستقلة لتحديد الأوزان، تتكون من خبراء إحصاء وديموغرافيا وقانون وإدارة انتخابية، وتعمل وفق بيانات منشورة يمكن مراجعتها والطعن فيها.

4. ضمانات منع احتكار المجلس

ينبغي أن تتطلب القرارات الدستورية الأساسية أغلبية الثلثين، مع اشتراط وجود دعم من ممثلي ثلاثة أقاليم على الأقل، حتى لا تتمكن كتلة واحدة من فرض تغييرات جوهرية على بقية البلاد.

كما ينبغي أن يتطلب اعتماد الموازنة السنوية أغلبية عادية، مع حق المجلس في رفض الإنفاق غير المبرر على المؤسسات الأمنية، وأن تخضع الاتفاقات المتعلقة بالموارد الطبيعية والديون والامتيازات الكبرى لموافقة تشريعية خاصة.

ويجب تشكيل المجلس خلال تسعين يوماً من تشكيل السلطة السيادية، مع النص على أن التأخير غير المبرر يمثل إخلالاً دستورياً يستوجب مساءلة الحكومة واللجنة المسؤولة عن التشكيل.

5. حدود الأوزان المقترحة وإمكانية مراجعتها

الأوزان المقترحة ليست قياساً نهائياً للرأي العام، وإنما صيغة انتقالية لتوزيع السلطة بصورة تمنع احتكارها. وقد تعترض الأحزاب التقليدية على تقليص وزنها، وقد ترى قوى الأطراف أن نسبة 35% للأقاليم غير كافية، وقد ترى بعض المجموعات المهنية أن تمثيلها لا يتناسب مع دورها التاريخي.

وتقترح الدراسة مراجعة الأوزان بعد ثمانية عشر شهراً، استناداً إلى بيانات تسجيل النازحين واللاجئين والسكان، وإلى آلية مستقلة للتحقق من العضوية والتنظيم والتمثيل.

ويجب أن تظل المشاركة السياسية والحزبية مفتوحة خلال الانتقال، حتى إذا تأجلت الانتخابات العامة. فالتأجيل لا يعني تجميد السياسة، وإنما حماية العملية الانتخابية من التلاعب والتزوير والعنف.

6. العلاقة بين المجلس التأسيسي والانتخابات المستقبلية

ينبغي ألا يتحول المجلس التأسيسي إلى برلمان دائم، بل أن تكون له مهمة محددة زمنياً تتعلق بتأسيس النظام الدستوري ومراقبة الانتقال. وبعد إقرار الدستور وإجراء الانتخابات، تنتهي ولايته تلقائياً.

كما يجب ألا يُسمح لأعضاء المجلس أو أعضاء الحكومة أو المجلس السيادي باستخدام المناصب الانتقالية للحصول على امتياز انتخابي غير عادل، ويمكن وضع قواعد تمنع شاغلي بعض المناصب التنفيذية والسيادية العليا من الترشح في أول انتخابات عامة، بشرط أن تكون هذه القواعد متناسبة ومحددة ومبررة دستورياً.

الفصل الثامن: حكومة مدنية مستقلة: مجلس سيادة مصغر ورئيس وزراء مهني ورقابة تشريعية حقيقية

1. تشكيل السلطة التنفيذية

تتكون السلطة التنفيذية من مجلس سيادة مدني جماعي صغير، ورئيس وزراء، ومجلس وزراء مهني، وإدارات انتقالية مدنية على مستوى الأقاليم والولايات.

ويختار المجلس التشريعي أعضاء المجلس السيادي من قائمة ترشيحات تقدمها لجنة مستقلة، بينما يكلف المجلس السيادي رئيس الوزراء وفق إجراءات محددة في الدستور الانتقالي.

ويختار رئيس الوزراء الوزراء بناء على الكفاءة والنزاهة والخبرة، ويعرض التشكيل الوزاري على المجلس التشريعي للمصادقة. ويجب أن يكون ثلثا الوزراء على الأقل من المستقلين المهنيين، مع ضمان تمثيل سياسي واجتماعي وجغرافي مناسب.

ولا يعني ذلك أن جميع الوزراء يجب أن يكونوا بلا انتماءات سياسية؛ فالمهم ألا يكونوا تابعين تنظيمياً أو مالياً أو عسكرياً لأي طرف مسلح، وأن يخضعوا للرقابة والإفصاح وتضارب المصالح.

2. أولوية الوزارات الخدمية

ينبغي إعطاء الأولوية لوزارات الصحة والتعليم والزراعة والمياه والطاقة والنقل والرعاية الاجتماعية، لأنها ترتبط مباشرة بإعادة بناء حياة المواطنين. ويجب أن تكون خططها قابلة للقياس، وأن تنشر بيانات شهرية عن الخدمات والتمويل والإنجاز.

أما الوزارات السيادية، كالمالية والخارجية والداخلية والعدل، فتحتاج إلى تدقيق خاص، بسبب قدرتها على التحكم في الموارد والأمن والقرارات القانونية والعلاقات الدولية.

ويجب أن تكون وزارات الدفاع والداخلية بقيادة مدنية، مع وجود قيادات مهنية متخصصة في مؤسساتها، وأن تخضع هذه الوزارات لرقابة المجلس التشريعي واللجان المختصة.

وهذا يمثل تصحيحاً مباشراً للترتيب الذي منح المكون العسكري في وثيقة 2019 حق ترشيح وزيري الدفاع والداخلية.

3. الإفصاح المالي وتضارب المصالح

ينبغي إلزام رئيس الوزراء والوزراء وأعضاء المجلس السيادي وكبار المسؤولين بتقديم إقرارات مالية عند تولي المنصب وعند مغادرته، مع إنشاء مفوضية مستقلة لمكافحة الفساد وتضارب المصالح.

وتشمل الإفصاحات الأصول والعقارات والحصص في الشركات والمصالح التجارية والمناصب الإدارية والعلاقات التعاقدية مع الدولة. ويجب أن تتاح المعلومات للجهات الرقابية والقضائية، وأن ينشر منها ما لا يمس الخصوصية أو الأمن الشخصي.

كما يجب منع الوزراء من المشاركة في القرارات التي تؤثر في شركاتهم أو مصالحهم الخاصة، ومنع التعاقد الحكومي مع الشركات التي يملكونها أو يديرونها إلا وفق قواعد صارمة وشفافة.

4. الإدارة المدنية للمناطق الخاضعة لسلطات الأمر الواقع

تواجه السلطة الانتقالية تحدياً يتمثل في توحيد الإدارة المدنية في المناطق التي خضعت لسلطات متنافسة. ولا ينبغي فرض إدارة مركزية موحدة بصورة فورية في المناطق التي لم تستعد فيها الدولة السيطرة الأمنية أو الخدماتية.

وتقترح الدراسة إنشاء إدارات انتقالية مدنية في كل إقليم، تتولى الخدمات الأساسية وتوزيع الإغاثة وإدارة المرافق العامة، بالتنسيق مع السلطات المحلية والمجتمع المدني، وتحت رقابة مؤسسات الدولة والآلية الدولية الضامنة.

ويجب منع القوات المسلحة من تحصيل الضرائب والرسوم المحلية خارج القوانين، ومنع استخدامها المعابر والأسواق والمرافق العامة كمصادر تمويل عسكري.

5. نقد نموذج التكنوقراط وحدود الحياد السياسي

قد يؤدي الاعتماد المفرط على التكنوقراط إلى إفراغ السياسة من مضمونها، لأن القرارات المتعلقة بالضرائب والدعم والإنفاق والملكية وإعادة الإعمار هي قرارات سياسية لها آثار توزيعية، وليست مجرد مسائل فنية.

كما أن إعلان الحكومة أنها غير حزبية لا يثبت استقلالها، فقد استخدمت حكومات كثيرة هذا الوصف لتغطية تبعيتها لقوى سياسية أو عسكرية.

ولذلك فإن الحياد المطلوب ليس صفة شخصية يعلنها المسؤول، وإنما نتيجة مؤسسية تتولد عن طريقة الاختيار، والرقابة التشريعية، واستقلال القضاء، وحرية الإعلام، والإفصاح المالي، وإمكانية الطعن في القرارات.

ويجب أن تخضع الحكومة لتقييم دوري أمام المجلس التشريعي، وأن تكون قراراتها قابلة للمراجعة القضائية، وأن تنشر تقارير عن الأداء والإنفاق والنتائج.

الفصل التاسع: تحرير القضاء والنيابة من الدولة العميقة: العدالة الانتقالية واستعادة الثقة في القانون

1. الإرث المؤسسي منذ انقلاب 1989

يمثل إصلاح القضاء والنيابة أحد أصعب شروط الانتقال الديمقراطي في السودان، لأن المشكلة لا تتعلق فقط بتغيير رؤساء المؤسسات، وإنما بإعادة بناء استقلالها المهني والقانوني والمالي، ومعالجة آثار ثلاثة عقود من التسييس والتدخل التنفيذي والأمني.

فمنذ انقلاب 30 يونيو 1989، تعرضت مؤسسات القضاء والخدمة المدنية والأجهزة العدلية لعمليات واسعة من إعادة التشكيل على أساس الولاء السياسي والتنظيمي، وأُبعد موظفون وقضاة ومهنيون بموجب سياسات الصالح العام، وتوسعت صلاحيات الأجهزة الأمنية، وأصبحت بعض المؤسسات العدلية عرضة للتدخل السياسي.

وقد أنتج ذلك اختلالات متعددة، منها ضعف استقلال النيابة، وتسييس بعض إجراءات التحقيق والمحاكمة، وتراجع الثقة في المؤسسات القضائية، وغياب المساواة الفعلية في تطبيق القانون، وصعوبة مساءلة المسؤولين عن الانتهاكات المرتبطة بالدولة والأجهزة الأمنية.

ولم تنجح الفترة الانتقالية بين 2019 و2021 في إكمال إعادة بناء المؤسسات العدلية. فقد جرى تعيين رئيسة جديدة للقضاء ونائب عام جديد، لكن المحكمة الدستورية لم تكتمل، ولم يُشكَّل المجلس التشريعي الانتقالي، وظلت مؤسسات العدالة الدستورية غير مكتملة.

2. المجلس الأعلى للقضاء واستقلال التعيين والترقية والتأديب

تقترح الدراسة إنشاء مجلس أعلى للقضاء بأغلبية من القضاة المنتخبين من زملائهم، مع تمثيل محدود للمحامين وأساتذة القانون، وفق قواعد تمنع هيمنة السلطة التنفيذية أو الأحزاب السياسية.

ويتولى المجلس التعيين والترقية والنقل والتأديب، ويضع معايير موضوعية لتقييم الأداء القضائي، ويشرف على التدريب المهني والتخصص القضائي، ويضمن استقلال القضاة عن الضغوط السياسية والمالية والأمنية.

ويجب أن تكون عضوية المجلس محددة المدة، مع منع تجديدها بصورة متتالية بما يخلق شبكات نفوذ دائمة. كما يجب نشر قرارات التعيين والترقية والتأديب وأسبابها، مع حماية المعلومات الشخصية التي لا تتصل بالمصلحة العامة.

ويجب ضمان ميزانية مستقلة للسلطة القضائية، تدرج في الموازنة العامة دون أن تتحكم الحكومة في توزيعها الداخلي أو استخدامها للتأثير على القضاة.

3. مراجعة أوضاع القضاة وأعضاء النيابة دون تطهير جماعي

تحتاج مؤسسات القضاء والنيابة إلى مراجعة مهنية وقانونية لأوضاع العاملين فيها، لكن هذه المراجعة يجب ألا تتحول إلى تكرار لسياسة الفصل الجماعي التي مارستها الدولة بعد 1989.

وتقترح الدراسة إنشاء لجنة مراجعة مستقلة تضم قضاة سابقين ومحامين وخبراء في القانون الإداري وحقوق الإنسان، تتولى فحص حالات التورط في الانتهاكات والفساد والتدخل السياسي والتلاعب بالأحكام.

ويجب أن تقوم المراجعة على الأدلة الفردية، وأن تضمن حق الشخص في معرفة الاتهامات والاطلاع على الأدلة والرد عليها والطعن أمام جهة قضائية مستقلة.

ولا يكفي أن يكون القاضي عضواً في حزب سياسي أو أن يكون قد عمل في عهد النظام السابق لإبعاده تلقائياً. وإنما ينبغي تحديد ما إذا كان قد ارتكب أفعالاً محددة تتعارض مع الاستقلال القضائي أو الحقوق الأساسية أو نزاهة الوظيفة العامة.

كما يجب إعادة النظر في حالات الفصل التعسفي السابقة، ورد الاعتبار المهني لمن أُبعدوا دون أساس قانوني، وتعويض المتضررين وفق إجراءات واضحة.

4. فصل النيابة العامة عن وزارة العدل

توصي الدراسة بفصل النيابة العامة عن وزارة العدل، بحيث تكون مؤسسة مستقلة دستورياً، يتولى قيادتها نائب عام يختار عبر لجنة ترشيح مستقلة، ويصادق على تعيينه المجلس التشريعي بأغلبية موصوفة.

وتكون مدة النائب العام ثابتة وغير قابلة للتجديد، لتقليل الحوافز السياسية المرتبطة بإرضاء الحكومة أو الأحزاب. ويجب أن ينص القانون على أسباب محددة للعزل، وعلى ضرورة صدور قرار قضائي أو دستوري مسبب عند ثبوت الإخلال الجسيم بالواجبات.

كما ينبغي نشر معايير فتح القضايا وإغلاقها، وإتاحة الإحصاءات المتعلقة بالتحقيقات والاتهامات والإحالات إلى المحاكم، مع حماية الشهود والضحايا.

ويجب أن تمتلك النيابة وحدات متخصصة في الجرائم الاقتصادية والفساد وغسل الأموال والجرائم الدولية والعنف الجنسي والجرائم المرتبطة بالنزاع.

5. المحكمة الدستورية وحماية النظام الدستوري

يمثل إنشاء المحكمة الدستورية أولوية خلال الأشهر الأولى من الانتقال، لأنها الجهة التي تفصل في دستورية القوانين والقرارات وتضمن عدم تجاوز السلطات لاختصاصاتها.

ويجب أن تكون المحكمة مستقلة عن المجلس السيادي والحكومة والبرلمان، وأن يتم اختيار قضاتها وفق إجراءات شفافة وتنافسية، مع ضمان التنوع المهني والجغرافي والنوعي.

وتتولى المحكمة النظر في الطعون الدستورية المتعلقة بالحريات الأساسية، واستقلال القضاء، وصلاحيات المؤسسات، والانتخابات، والحقوق الإقليمية، وتنازع الاختصاصات بين الحكومة المركزية والولايات.

كما يجب منح المواطنين والمنظمات والنقابات حق الوصول إلى المحكمة في القضايا التي تمس الحقوق الدستورية، وفق قواعد تمنع إساءة استخدام التقاضي.

6. حظر محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية

توصي الدراسة بحظر محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، وحصر اختصاص هذه المحاكم في الجرائم العسكرية التي يرتكبها أفراد القوات النظامية أثناء أداء واجباتهم، وفق ضمانات المحاكمة العادلة.

كما يجب إلغاء القوانين التي تمنح الأجهزة الأمنية أو العسكرية صلاحيات قضائية استثنائية خارج الرقابة القضائية، وإخضاع الاحتجاز والتفتيش والمراقبة والتوقيف لأحكام القانون والرقابة المستقلة.

ويجب ضمان حق كل متهم في محامٍ ومحاكمة علنية وعادلة وقرينة البراءة والطعن في الأحكام، وعدم استخدام الاعترافات المنتزعة بالإكراه أو التعذيب.

7. المحاكم المتخصصة والعدالة المختلطة

تقترح الدراسة إنشاء دوائر وطنية متخصصة في الجرائم الجسيمة، تشمل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية والتعذيب والاختفاء القسري والعنف الجنسي واسع النطاق والجرائم الاقتصادية المرتبطة بالحرب.

ويمكن الاستفادة من خبرات القضاة والمدعين الدوليين في هذه الدوائر، من خلال التعاون الفني والتدريب وتبادل الأدلة، دون أن يؤدي ذلك إلى إلغاء السيادة القضائية السودانية.

ويجب أن يكون التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية قائماً على التكامل القانوني، مع احترام اختصاص المحكمة وفق نظام روما الأساسي، وعدم استخدام المحاكم الوطنية لتوفير حصانة شكلية للمسؤولين عن الجرائم.

8. قضية علي كوشيب ودروس العدالة الدولية

تمثل قضية علي محمد علي عبد الرحمن، المعروف بعلي كوشيب، تطوراً مهماً في مسار العدالة الدولية المتعلقة بدارفور. فقد أدانته الدائرة الابتدائية الأولى للمحكمة الجنائية الدولية في 6 أكتوبر 2025 في سبع وعشرين تهمة تتعلق بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية ارتكبت في دارفور بين أغسطس 2003 وأبريل 2004، ثم حكمت عليه في 9 ديسمبر 2025 بالسجن عشرين عاماً (International Criminal Court, 2025).

وتعد هذه القضية أول محاكمة مكتملة تنتهي بإدانة مرتبطة مباشرة بجرائم دارفور أمام المحكمة الجنائية الدولية، وقد أظهرت إمكانية محاسبة أفراد كانوا يشغلون مواقع قيادية في التشكيلات المسلحة المرتبطة بالنزاع.

لكنها أظهرت أيضاً بطء العدالة الدولية، إذ استغرق الوصول إلى الحكم أكثر من عقدين منذ وقوع الجرائم. كما أن المحكمة لا تستطيع محاكمة جميع المسؤولين عن الانتهاكات، بسبب محدودية اختصاصها ومواردها وطبيعة ولايتها.

ولذلك لا يمكن الاعتماد على المحكمة الجنائية الدولية وحدها. فالسودان يحتاج إلى قضاء وطني مستقل قادر على التحقيق والمحاكمة والتعويض وحفظ الأدلة وحماية الشهود.

9. الحقيقة والتعويض وجبر الضرر

لا تقتصر العدالة الانتقالية على المحاكمات، بل تشمل كشف الحقيقة والاعتراف بالضحايا وإصلاح المؤسسات والتعويضات وضمانات عدم التكرار.

وتقترح الدراسة إنشاء مفوضية وطنية مستقلة للحقيقة والعدالة، تتولى توثيق الانتهاكات منذ 1989، مع إعطاء أولوية للانتهاكات المرتبطة بالحرب منذ 15 أبريل 2023، وتحديد أنماط العنف والجهات المسؤولة وسلاسل القيادة والتمويل.

ويجب أن تتضمن المفوضية وحدات متخصصة في التهجير القسري والاستيلاء على الأراضي والقتل الجماعي والعنف الجنسي والتعذيب والاختفاء القسري وتدمير الممتلكات.

كما ينبغي إنشاء صندوق تعويضات للضحايا يمول من الموازنة العامة والأصول المستردة والمساهمات الدولية، مع عدم تعليق التعويضات على انتهاء المحاكمات الجنائية.

وتؤكد الأدبيات أن العدالة الانتقالية الأكثر استدامة تجمع بين المساءلة الجنائية وكشف الحقيقة والإصلاح المؤسسي والتعويضات وضمانات عدم التكرار (Teitel, 2000؛ Elster, 2004).

10. حفظ الأدلة والذاكرة الوطنية

تتطلب الجرائم المرتكبة خلال الحرب إنشاء منظومة وطنية لحفظ الأدلة الرقمية والورقية والطبية والجنائية، تشمل الصور والفيديوهات والبيانات الجغرافية وسجلات المستشفيات والمقابر الجماعية وشهادات الناجين.

ويجب أن تتبع المنظومة المعايير الدولية لسلسلة حيازة الأدلة، والتحقق من مصادر الصور والمقاطع، وتوثيق تاريخ الحصول على الأدلة ومكانها والجهة التي جمعتها، وضمان عدم تعديل الملفات الأصلية.

كما ينبغي إنشاء أرشيف وطني للانتهاكات والذاكرة التاريخية، يكون مستقلاً عن الحكومة والأجهزة الأمنية، ويتيح للضحايا والباحثين الوصول إلى المعلومات وفق قواعد حماية الشهود والخصوصية.

11. التحديات العملية أمام الإصلاح القضائي

تواجه عملية الإصلاح نقصاً في الكوادر، وتشتت المؤسسات القضائية بين مناطق السيطرة المختلفة، وتعطل المحاكم، وفقدان الوثائق، وتعرض الشهود للخطر، وصعوبة الوصول إلى مناطق النزاع.

ولذلك تقترح الدراسة البدء ببعثة فنية دولية لدعم حفظ الأدلة وتدريب النيابة والقضاة، وإنشاء وحدات تحقيق متنقلة، وإعادة تشغيل المحاكم المحلية، وتوفير حماية للشهود والضحايا، وإنشاء صندوق عاجل للمساعدة القانونية.

كما ينبغي إنشاء محاكم محلية مؤقتة لتسوية النزاعات المدنية المتعلقة بالأرض والميراث والملكية والعقود، مع توفير إجراءات خاصة للنازحين واللاجئين الذين فقدوا وثائقهم.

الفصل العاشر: من الاتفاق السياسي إلى التنفيذ: وقف النار والإصلاح الأمني والتمويل والضمانات الدولية

1. التسلسل الزمني للانتقال

توصي الدراسة بانتقال مدته ستة وثلاثون شهراً، مع إمكانية التمديد المحدود والمشروط بموافقة المجلس التشريعي ومراجعة مستقلة، بدلاً من افتراض أن تسعة أشهر تكفي لإعادة بناء دولة منهكة.

وتقسم الفترة إلى أربع مراحل مترابطة.

المرحلة الأولى: الأشهر الستة الأولى. وتشمل وقف إطلاق النار، ونشر بعثة مراقبة، وفتح الممرات الإنسانية، وحماية المدنيين، ووقف الهجمات على المنشآت الصحية والمدارس والأسواق، وبدء تسجيل النازحين واللاجئين، وإنشاء السلطة السيادية المدنية والحكومة المؤقتة، وتشكيل لجنة وطنية لحفظ الأدلة.

المرحلة الثانية: من الشهر السابع إلى الشهر الثامن عشر. وتشمل تشكيل المجلس التأسيسي التشريعي، واعتماد الدستور المؤقت، وتوحيد المؤسسات المالية الأساسية، وإنشاء المحكمة الدستورية، وإطلاق برامج العدالة الانتقالية، وبدء مراجعة الخدمة المدنية والقضاء والأجهزة النظامية.

المرحلة الثالثة: من الشهر التاسع عشر إلى الشهر الثلاثين. وتشمل تنفيذ برامج التسريح وإعادة الدمج، وإصلاح الجيش والشرطة والاستخبارات، وإعادة بناء الإدارات المحلية، واستكمال تسجيل الناخبين، وإجراء تعداد سكاني مبسط، وبدء إعادة إعمار البنية التحتية الأساسية.

المرحلة الرابعة: من الشهر الحادي والثلاثين إلى الشهر السادس والثلاثين. وتشمل استكمال شروط الانتخابات، ومراجعة الدستور المؤقت، وإجراء الانتخابات العامة، ونقل السلطة إلى المؤسسات المنتخبة، وإنهاء الهيئات الانتقالية وفق أحكام الدستور.

ويجب ألا يكون انتهاء الفترة الانتقالية مرتبطاً بالتاريخ وحده، وإنما بتحقق شروط موضوعية تشمل وقف النار، وحرية التنظيم السياسي، وأمن الناخبين، واستقلال المفوضية الانتخابية، وإمكانية التصويت في الداخل والخارج، ووجود قضاء قادر على الفصل في الطعون.

2. آلية الضمانات الدولية والإقليمية الموحدة

تقترح الدراسة إنشاء آلية دولية وإقليمية موحدة تضم الرباعية، والاتحاد الأفريقي، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي، مع مشاركة مدنية سودانية مستقلة في صنع القرار.

ويجب ألا تتحول الآلية إلى تجمع دبلوماسي يصدر بيانات دورية دون قدرة على المتابعة. بل ينبغي أن يكون لها تفويض واضح يشمل مراقبة وقف النار، والتحقق من الالتزامات، ومراقبة التمويل العسكري الخارجي، وفرض إجراءات متدرجة على المخالفين.

كما ينبغي إنشاء أمانة فنية دائمة للآلية، تضم خبراء في القانون الدولي والأمن والاقتصاد والوساطة والعدالة الانتقالية والانتخابات، وتنشر تقارير دورية عن الالتزام والتنفيذ.

ويجب أن تكون مشاركة المدنيين السودانيين في الآلية مؤسسية وليست استشارية شكلية، وأن تشمل ممثلين للضحايا والنازحين والنساء والأقاليم ولجان المقاومة والنقابات.

3. وقف الدعم العسكري الخارجي

لا يمكن إنهاء الحرب إذا استمرت الأطراف في الحصول على السلاح والتمويل والمرتزقة والدعم اللوجستي من الخارج. ولذلك يجب أن يتضمن الاتفاق التزاماً واضحاً من جميع الدول بعدم تقديم الدعم العسكري أو المالي أو الاستخباراتي لأي طرف مسلح خارج مؤسسات الدولة الشرعية.

ويجب توسيع حظر السلاح ليشمل السودان كله، بدلاً من الاقتصار على دارفور، مع إنشاء آلية مستقلة للتحقق من مسارات التهريب والتوريد، وتوثيق الشركات والوسطاء والشبكات المالية التي تسهل نقل السلاح.

كما ينبغي استخدام العقوبات المستهدفة ضد الأفراد والشركات والشبكات المتورطة في تمويل الحرب أو تسهيل الانتهاكات، مع ضمانات قانونية للطعن والتدقيق.

ويجب أن يشمل الاتفاق الدول المجاورة، بما فيها تشاد وجنوب السودان ومصر وليبيا وإثيوبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى، لضمان مراقبة الحدود ومنع استخدام أراضيها لتمرير السلاح أو المقاتلين.

4. العلاقة بين الرباعية والخماسية والمؤسسات الإقليمية

تحتاج الوساطة إلى تنسيق بين المبادرات الدولية والإقليمية، حتى لا تتحول تعددية المسارات إلى تنافس بين الوسطاء. وقد أظهرت التجارب السودانية السابقة أن تعدد المبادرات دون تنسيق قد يؤدي إلى تضارب الجداول الزمنية وتناقض الشروط وتعدد مراكز الاتصال.

ولذلك ينبغي أن يكون هناك مسار تفاوضي واحد، مع توزيع الأدوار بين المؤسسات. فالرباعية تتولى التنسيق السياسي بين الدول ذات النفوذ المباشر، والاتحاد الأفريقي يضمن الملكية الأفريقية للعملية، والإيغاد توفر قنوات التواصل الإقليمية، والأمم المتحدة تتولى الدعم الفني والإنساني والرقابي، والاتحاد الأوروبي يساهم في التمويل والمراقبة والعقوبات، وجامعة الدول العربية تضمن المشاركة العربية الأوسع.

لكن لا ينبغي أن يمنح أي طرف خارجي حق تعيين المسؤولين السودانيين أو تحديد أوزان التمثيل السياسي، فهذه مسؤولية وطنية يجب أن تتم وفق قواعد متفق عليها وشفافة.

5. التمويل الإنساني وتمويل الانتقال وإعادة الإعمار

توضح الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية والتمويل المتاح مدى صعوبة تمويل إعادة بناء الدولة. فقد احتاجت خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2026 إلى نحو 2.9 مليار دولار لاستهداف 20 مليون شخص، في حين ظلت خطط العام السابق تعاني نقصاً كبيراً في التمويل، إذ لم يتحقق سوى 36% من التمويل المطلوب البالغ 4.2 مليار دولار، وفق البيانات الواردة في تقارير الأمم المتحدة (OCHA, 2026).

ولا يجوز الخلط بين التمويل الإنساني وتمويل إعادة الإعمار. فالأول يهدف إلى إنقاذ الأرواح وتوفير الغذاء والصحة والمياه والمأوى، أما الثاني فيتعلق بإعادة بناء البنية التحتية والمؤسسات والاقتصاد والإنتاج.

وتقترح الدراسة إنشاء صندوق ائتماني متعدد المانحين لإعادة الإعمار والانتقال، يخضع لإدارة مستقلة وتدقيق دولي ومحلي، وينشر بيانات الإيرادات والمصروفات والعقود والمستفيدين.

ويجب أن تكون الأولوية لإعادة تشغيل المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء والطرق والجسور والاتصالات، وإعادة بناء الأسواق والمرافق الزراعية، وتأهيل المؤسسات الحكومية المحلية.

6. استخدام الأصول المجمدة واسترداد الأموال

يمكن أن تشكل الأصول المجمدة والأموال المستردة من شبكات الفساد وتمويل الحرب مصدراً إضافياً لتمويل إعادة الإعمار، لكن ينبغي عدم المبالغة في تقدير قدرتها على تغطية الاحتياجات.

وتتطلب هذه العملية تعاوناً قانونياً دولياً، وتحديد الملكية الحقيقية للأصول، وإثبات العلاقة بين الأموال والجرائم أو الفساد، وضمان إجراءات التقاضي والطعن، ومنع استخدام المصادرة أداة للانتقام السياسي.

كما ينبغي أن توجه الأموال المستردة إلى صندوق مستقل لتعويض الضحايا وإعادة الإعمار، وليس إلى الموازنة التنفيذية العامة دون رقابة.

7. مؤشرات الأداء والإنذار المبكر

توصي الدراسة بإنشاء لوحة متابعة وطنية ودولية تتضمن مؤشرات محددة، من بينها:

  • عدد خروقات وقف النار والضحايا المدنيين.
  • نسبة المناطق التي تصل إليها المساعدات الإنسانية.
  • عدد النازحين واللاجئين الذين تمكنوا من العودة الطوعية والآمنة.
  • نسبة المرافق الصحية والتعليمية التي عادت إلى العمل.
  • نسبة الإيرادات العامة التي تدخل الخزينة الموحدة.
  • حجم الإنفاق العسكري خارج الموازنة.
  • عدد الأسلحة الثقيلة المسجلة والمجمعة.
  • عدد المقاتلين المسرحين والمعاد دمجهم.
  • عدد القضايا المتعلقة بالجرائم الجسيمة التي فتحت فيها تحقيقات مستقلة.
  • نسبة تمثيل النساء والأقاليم في مؤسسات الانتقال.
  • مدى استقلال مفوضية الانتخابات والقضاء.
  • نسبة تنفيذ توصيات التدقيق المالي والإداري.

ويجب أن تكون المؤشرات منشورة بصورة دورية، وأن ترتبط بها إجراءات تصحيحية وعقوبات محددة عند الإخلال.

8. المخاطر التي قد تعطل التنفيذ

أخطر المخاطر هي استمرار رغبة الأطراف المسلحة في الحسم العسكري، وتضارب المصالح الخارجية، واستمرار اقتصاد الحرب، وضعف الثقة بين المكونات المدنية، وغياب التمويل، وصعوبة حماية المدنيين والموظفين المحليين.

ولذلك لا بد من الجمع بين الحوافز والعقوبات. فكل طرف يلتزم بوقف النار والانسحاب من المواقع المدنية وتسليم الأسلحة الثقيلة وفق الجدول المتفق عليه يحصل على ضمانات أمنية وقانونية مناسبة، بينما يتعرض من يخرق الالتزامات لعقوبات محددة تشمل تجميد الأصول وحظر السفر ووقف التعاملات المالية وملاحقة المسؤولين عن الجرائم.

ولا ينبغي أن تكون العقوبات جماعية أو أن تؤدي إلى تجويع السكان أو منع الخدمات الأساسية، بل يجب أن تستهدف المسؤولين والشبكات التي تمول الحرب.

الفصل الحادي عشر: تفكيك الأساطير والإشاعات والمعلومات المضللة: استعادة النقاش العام القائم على الأدلة

1. أسطورة أن الجيش وحده يحمي الدولة

تقوم هذه الأسطورة على افتراض أن الجيش هو الدولة، وأن أي انتقال مدني مستقل سيؤدي بالضرورة إلى انهيار الأمن والوحدة الوطنية.

لكن التجربة السودانية توضح أن الجيش، بوصفه مؤسسة، يجب أن يكون جزءاً من الدولة، لا بديلاً عنها. كما أن الحرب الحالية نشأت من تنافس مراكز القوة المسلحة وانقسام القيادة العسكرية وتعدد المؤسسات المسلحة، وليس من غياب الجيش.

ولا يعني ذلك إضعاف الجيش أو تفكيكه، بل إصلاحه وتحويله إلى مؤسسة وطنية مهنية تخضع للدستور والقانون والرقابة المدنية.

2. أسطورة أن الدعم السريع حركة تحرر للمهمشين

تستند هذه الرواية إلى حقيقة تاريخية تتمثل في أن السودان عانى تهميشاً واسعاً للأقاليم، وأن سكان دارفور وكردفان والنيل الأزرق تعرضوا لعقود من الإقصاء السياسي والاقتصادي.

لكن التهميش لا يمنح أي قوة مسلحة حق ارتكاب الانتهاكات أو احتكار تمثيل المجتمعات المهمشة. وقد وثقت تقارير حقوقية وأممية انتهاكات خطيرة في دارفور، شملت القتل على أساس إثني والعنف الجنسي والاعتقالات التعسفية والنهب والتهجير القسري، بما يفرض ضرورة التحقيق المستقل والمساءلة (Human Rights Watch, 2025؛ Amnesty International, 2025).

وفي المقابل، فإن الخطاب السياسي الذي يقدمه تحالف تأسيس عن العلمانية والديمقراطية والمساواة في المواطنة يجب تقييمه على أساس الممارسة الفعلية للقوات المرتبطة به، لا على أساس البيانات السياسية وحدها (Africanews, 2025).

والقاعدة الأساسية أن حقوق سكان دارفور والمهمشين لا تتوقف على شرعية أي حركة مسلحة، وأن رفض الانتهاكات لا يعني رفض مطالب المساواة والعدالة الإقليمية.

3. أسطورة أن صمود وتأسيس تحالف واحد أو أن أحدهما فرع للآخر

تظهر الوقائع السياسية أن صمود وتأسيس تحالفان مختلفان، وأن العلاقة بينهما شهدت خلافات حول طبيعة المشاركة السياسية والعلاقة مع قوات الدعم السريع والحكومة الموازية.

وقد كشفت اجتماعات أديس أبابا في 2026 عن عدم وجود توافق بينهما حول مسار الحوار والتمثيل السياسي، كما أشارت تغطيات صحفية إلى تعثر الاجتماعات المشتركة (Sudan Tribune, 2026؛ Mada Masr, 2026).

ولذلك فإن وصف أحدهما بأنه فرع تنظيمي للآخر لا يستند إلى دليل كافٍ، كما أن اختلافهما لا يعني بالضرورة أن أحدهما يمثل المدنيين بصورة حصرية.

4. أسطورة أن تسعة أشهر تكفي لبناء انتقال ديمقراطي

لا يمكن إنجاز إعادة بناء الدولة السودانية في تسعة أشهر، لأن تسجيل النازحين واللاجئين، وإعادة تشغيل المؤسسات، وإصلاح القضاء، وتوحيد الإدارة، وإعادة بناء الأجهزة الأمنية، وصياغة الدستور، وإنشاء مفوضية انتخابات مستقلة، كلها عمليات تحتاج إلى وقت وموارد وضمانات.

ولا يعني ذلك أن الانتقال يجب أن يكون مفتوحاً بلا نهاية. بل ينبغي تحديد مدة واضحة، مع مراجعة دورية للأداء، ومنع التمديد إلا وفق معايير موضوعية وموافقة تشريعية موصوفة.

5. أسطورة أن إبعاد الإسلاميين عن السلطة الانتقالية يعني إلغاء حقوقهم السياسية إلى الأبد

يجب التمييز بين منع المسؤولين عن الجرائم من تولي المناصب الانتقالية، وبين حرمان المواطنين من حقوقهم السياسية بسبب انتمائهم الفكري أو الحزبي.

وتؤكد القواعد الديمقراطية أن المحاسبة ينبغي أن تكون فردية، وأن الأحزاب التي تنبذ العنف وتقبل الدستور والتعددية والمساءلة يمكنها العودة إلى المنافسة السياسية وفق القانون.

لكن لا يجوز السماح بإعادة بناء أذرع عسكرية أو أمنية حزبية أو استخدام المؤسسات العامة لتمويل تنظيمات سياسية.

6. أسطورة أن استعادة الخرطوم تعني حسم الحرب

أدت استعادة الجيش الخرطوم في مارس 2025 إلى تغيير كبير في ميزان القوة، لكنها لم تنه الحرب. فقد احتفظت قوات الدعم السريع بمناطق واسعة في دارفور وأجزاء من كردفان، واستمرت المواجهات في مناطق استراتيجية، كما بقيت القدرة على شن الهجمات بالطائرات المسيّرة قائمة (Al Jazeera, 2026).

وتؤكد تحليلات أكتوبر 2026 أن كردفان ظلت محوراً رئيسياً للصراع، وأن الحرب لم تنته رغم استعادة الجيش مواقع مهمة في الوسط والشرق.

ولذلك يجب التمييز بين استعادة مدينة استراتيجية وبين تحقيق سلام وطني مستقر.

7. أسطورة أن سقوط الفاشر يجعل الدعم السريع حكومة وطنية جاهزة

أدى سقوط الفاشر في أكتوبر 2025 إلى تغيير السيطرة على معظم دارفور، لكنه لم يمنح الدعم السريع اعترافاً وطنياً أو دولياً، ولم يثبت امتلاكها القدرة على تقديم خدمات مستقرة لجميع السكان.

فالسيطرة على الأرض ليست بديلاً عن الشرعية الدستورية، وإعلان حكومة موازية ليس دليلاً على قيام دولة وطنية، كما أن التمثيل السياسي لا يمكن أن يستند إلى القوة العسكرية وحدها.

8. المعلومات المضللة والعمليات النفسية خلال الحرب

شهدت الحرب انتشاراً واسعاً للأخبار غير المؤكدة والمقاطع القديمة والصور المقتطعة والتسجيلات الصوتية المفبركة، فضلاً عن الادعاءات المتضاربة حول الوفيات والسيطرة العسكرية والمجازر والاغتيالات.

وتتفاقم هذه الظاهرة بسبب غياب المؤسسات الإعلامية المستقلة في مناطق كثيرة، وتعدد المنصات المرتبطة بالأطراف المسلحة، وتراجع الوصول إلى مصادر البيانات الأصلية.

وتوصي الدراسة بإنشاء وحدة تحقق مستقلة داخل هيئة الإعلام الانتقالية، لا تخضع للسلطة التنفيذية أو الأجهزة الأمنية، وتتعاون مع المؤسسات الأكاديمية ومنظمات الصحافة الاستقصائية ومجموعات التحقق الرقمية.

ويجب أن تعتمد الوحدة على مصادر متعددة، تشمل صور الأقمار الاصطناعية، وشهادات الناجين، والسجلات الطبية، وبيانات المنظمات الدولية، وقواعد بيانات النزاعات، مع توضيح درجة الثقة في كل معلومة.

كما ينبغي إنشاء منصة بيانات مفتوحة تنشر بصورة دورية إحصاءات الضحايا والنزوح والأمن الغذائي والخدمات والسيطرة الإقليمية، مع توضيح منهجية جمع البيانات وحدودها.

9. التمييز بين المعلومة المؤكدة والتقدير والادعاء

تؤكد الدراسة ضرورة اعتماد تصنيف واضح للمعلومات:

المعلومة المؤكدة هي التي تستند إلى مصدر أولي أو عدة مصادر مستقلة متقاطعة.

والتقدير هو رقم أو وصف يستند إلى منهجية معلنة لكنه لا يمثل إحصاءً نهائياً.

والادعاء هو معلومة تقدمها جهة طرف في النزاع ولم يتم التحقق المستقل منها.

أما الإشاعة فهي معلومة تنتشر دون مصدر موثوق أو دليل قابل للفحص.

ويجب أن تعتمد المؤسسات الرسمية هذا التصنيف في بياناتها، وأن تصحح الأخطاء علناً، وألا تستخدم وصف «المعلومة الكاذبة» بصورة سياسية لإسكات النقد أو حماية المسؤولين.

الفصل الثاني عشر: الخاتمة النقدية والسيناريوهات المستقبلية: هل تستطيع سلطة مدنية مستقلة أن تنتصر على منطق الحرب؟

1. نقاط القوة الأساسية في النموذج المقترح

يقدم النموذج المقترح بديلاً مؤسسياً عن ثلاثة مسارات أثبتت مخاطرها: استمرار الحكم العسكري، وإقامة حكومة موازية تستند إلى قوة مسلحة، وإعادة إنتاج الشراكة المدنية العسكرية التي طبعت تجربة 2019.

وتتمثل ميزته الأولى في الفصل بين القوة العسكرية والسلطة السياسية، بحيث لا تتحول السيطرة على السلاح إلى حق دستوري في الحكم. وتتمثل ميزته الثانية في تأسيس مجلس تشريعي واسع التمثيل، لا يحتكر فيه حزب أو تحالف واحد القرار، ولا تُمنح فيه الحركات المسلحة حصصاً دائمة. أما ميزته الثالثة فتتمثل في معالجة جذور الأزمة المؤسسية من خلال استقلال القضاء والنيابة وإصلاح الأجهزة الأمنية والاقتصاد العام.

وتتمثل ميزته الرابعة في الجمع بين التمثيل الجغرافي والاجتماعي والسياسي، بما يمنع اختزال السودان في العاصمة أو في التحالفات الحزبية الكبرى. وتتمثل ميزته الخامسة في ربط الانتقال بضمانات دولية وإقليمية قابلة للقياس، بدلاً من الاكتفاء ببيانات سياسية عامة.

كما يتميز النموذج بأنه لا يساوي بين رفض الحرب ورفض الجيش، ولا بين رفض الدعم السريع ورفض مطالب سكان دارفور والمناطق المهمشة، ولا بين محاسبة الإسلاميين والإقصاء الجماعي للتيارات الفكرية، ولا بين الاستقلال المدني وغياب الخبرة الفنية.

2. نقاط الضعف والافتراضات التي تحتاج إلى اختبار

رغم هذه المزايا، يواجه النموذج ثلاثة تحديات أساسية.

أولها أنه يفترض إمكانية قبول الأطراف المسلحة بسلطة مدنية لا تشارك في السيادة. وهذا افتراض لم يتحقق حتى الآن، لأن الطرفين لا يزالان يحتفظان بقدرات عسكرية ومصادر تمويل ومصالح سياسية واقتصادية تجعل التخلي عن السلطة مكلفاً بالنسبة إليهما.

وقد أظهرت الخلافات حول خارطة الرباعية والهدنة الإنسانية أن قبول وقف النار لا يعني بالضرورة قبول إعادة بناء النظام السياسي على أساس مدني مستقل (International Crisis Group, 2026).

وثانيها أن الأوزان المعيارية للمجلس التأسيسي قد تواجه اعتراضات من القوى السياسية والاجتماعية المختلفة. فالأحزاب التقليدية قد ترى أنها لا تحصل على تمثيل يتناسب مع تاريخها وقواعدها، بينما ترى بعض الحركات والقوى الإقليمية أن التمثيل الجغرافي والاجتماعي المقترح لا يعالج بصورة كافية آثار التهميش التاريخي.

وثالثها أن معايير الأهلية قد تتحول إلى أداة إقصاء سياسي إذا لم تكن تحت إشراف قضائي مستقل. ولذلك يجب ألا يكون منع الأشخاص من المناصب قائماً على اتهامات سياسية أو إعلامية، وإنما على معايير قانونية محددة، وأدلة موثوقة، وحق كامل في الطعن.

3. التناقض بين التصميم المؤسسي وميزان القوة

من أهم الانتقادات النظرية التي ينبغي أخذها بجدية أن المؤسسات لا تستطيع دائماً تغيير موازين القوة، بل قد تعكسها. فالتاريخ السياسي يوضح أن القوى المسلحة قد تفرض ترتيبات سياسية تتناسب مع قوتها، وأن النصوص الدستورية لا تكون كافية إذا لم توجد مؤسسات قادرة على إنفاذها.

وقد أظهرت تجارب تقاسم السلطة أن نجاح الترتيبات يعتمد على توافر ضمانات أمنية وسياسية واقتصادية، وليس على تصميم المؤسسات وحده (Walter, 2002؛ Hartzell & Hoddie, 2007).

ولذلك فإن المقترح لا يفترض أن إعلان سلطة مدنية مستقلة سيؤدي تلقائياً إلى قبول الجيش والدعم السريع بها، بل يشترط أن يتزامن التأسيس المدني مع تغيير حسابات الأطراف المسلحة من خلال الضمانات الدولية والضغط الاقتصادي والعقوبات المستهدفة والترتيبات الأمنية القابلة للتحقق.

4. السيناريو الأول: استمرار التقسيم الفعلي والسلطتين المتوازيتين

قد يستمر الوضع القائم سنوات إضافية، مع بقاء مناطق سيطرة منفصلة وسلطات إدارية متنافسة، دون أن يتمكن أي طرف من تحقيق انتصار حاسم.

وفي هذا السيناريو يصبح التحدي الأساسي هو منع تحول الانقسام العسكري إلى تقسيم سياسي ودستوري دائم. وينبغي إعطاء الأولوية لإنشاء إدارات مدنية محلية مستقلة عن التشكيلات المسلحة، وفتح الممرات الإنسانية والتجارية، وتوحيد نظم التعليم والصحة والوثائق المدنية، ومنع فرض أنظمة مالية وجمركية متنافسة.

كما يجب الحفاظ على الروابط الاجتماعية والاقتصادية بين الأقاليم، ومنع استخدام الهوية الإثنية أو الجغرافية لتبرير الفصل السكاني أو الاستيلاء على الممتلكات.

ويصبح بناء المؤسسات المدنية المحلية خطوة عملية لحماية وحدة الدولة حتى قبل التوصل إلى اتفاق سياسي شامل.

5. السيناريو الثاني: انتصار عسكري حاسم لأحد الطرفين

قد يحقق أحد الطرفين تفوقاً عسكرياً واسعاً، بما يؤدي إلى تراجع قدرة الطرف الآخر على مواصلة الحرب.

لكن الانتصار العسكري لا يعني بالضرورة قيام دولة مستقرة. فقد يؤدي فرض السيطرة دون تسوية سياسية إلى استمرار التمرد، وتوسيع الاعتقالات، وتعميق الانقسامات الإقليمية، وإنتاج دورة جديدة من العنف.

وفي هذه الحالة ينبغي أن تتمثل الأولوية الدولية والوطنية في منع الانتقام الجماعي، وحماية المدنيين، وإخضاع الانتهاكات للتحقيق، وإشراك المجتمعات المحلية في إعادة بناء الإدارة، وعدم منح القيادة المنتصرة حق احتكار الدستور أو المؤسسات.

ويجب أن يكون معيار الاعتراف الدولي هو احترام الحقوق والالتزامات القانونية، وليس مجرد السيطرة العسكرية.

6. السيناريو الثالث: هدنة تفرضها الضغوط الخارجية

قد تؤدي الضغوط الدولية والإقليمية إلى فرض هدنة إنسانية أو وقف شامل لإطلاق النار، دون أن يكون هناك اتفاق سياسي نهائي.

وهذا السيناريو يمثل الفرصة الأقرب لتطبيق النموذج المقترح، بشرط أن تتحول الهدنة إلى عملية سياسية وأمنية منظمة، وليس مجرد توقف مؤقت للقتال.

ويجب أن تبدأ العملية بتشكيل لجنة مراقبة مستقلة، وتأمين الممرات الإنسانية، وإخراج القوات من المنشآت المدنية، ثم إطلاق مفاوضات حول التسريح وإعادة الدمج وتوحيد المؤسسات.

ويجب أن يتزامن ذلك مع تأسيس السلطة المدنية والمجلس التشريعي، حتى لا يؤدي الفراغ السياسي إلى عودة الأطراف المسلحة إلى التنافس على الحكم.

7. السيناريو الرابع: تسوية سياسية جزئية بين القيادات العسكرية والمدنية

قد تتوصل الأطراف إلى اتفاق يضم القيادات العسكرية وبعض القوى المدنية الكبرى، مع استبعاد لجان المقاومة والنازحين واللاجئين والضحايا والمجموعات الإقليمية.

ورغم أن هذا الاتفاق قد يوقف الحرب، فإنه سيكون عرضة لفقدان الشرعية الشعبية، وقد يعيد إنتاج نموذج تقاسم السلطة بين النخب.

ولذلك ينبغي ألا يُعتمد أي اتفاق انتقالي دون حد أدنى من المشاركة المجتمعية، ومعايير شفافة لاختيار الممثلين، وآلية تسمح للمجموعات المستبعدة بتقديم الاعتراضات والمقترحات.

8. الدروس الدولية المقارنة وإمكانية تكييفها في السودان

توضح تجربة جنوب أفريقيا أهمية التفاوض على دستور ديمقراطي يضمن حقوق جميع المواطنين، مع معالجة إرث النظام العنصري من خلال آليات الحقيقة والمساءلة والإصلاح المؤسسي.

وتوضح تجربة ليبيريا أن إنهاء الحرب يحتاج إلى ترتيبات أمنية وتفكيك التشكيلات المسلحة وبرامج إعادة دمج ومراقبة دولية، وليس مجرد توزيع مناصب بين القيادات.

وتوضح تجربة سيراليون أهمية الجمع بين اتفاق السلام والمحاكمات والعدالة الانتقالية وإصلاح المؤسسات الأمنية.

وتقدم تجربة كولومبيا دروساً في دمج المقاتلين السابقين في الحياة المدنية والسياسية، وربط السلام بإصلاح المناطق المتضررة والتنمية الريفية والعدالة الانتقالية.

أما تجربة البوسنة والهرسك، فتوضح أن تقاسم السلطة القائم على الهويات المغلقة قد يؤدي إلى تجميد الانقسامات، حتى عندما يمنع عودة الحرب.

وتبين هذه التجارب أن السودان يحتاج إلى مزيج من التوافق السياسي المحدود زمنياً، والمؤسسات المدنية القوية، واللامركزية، والعدالة، والمساءلة، والرقابة الدولية، مع تجنب تحويل الهويات الإثنية أو الجهوية إلى حصص دستورية دائمة.

9. التوصيات التنفيذية النهائية

توصي الدراسة باعتماد حزمة مترابطة من الإجراءات:

1. الاتفاق على وقف شامل لإطلاق النار، مع آلية مراقبة مستقلة وضمانات دولية وإقليمية.

2. تشكيل سلطة انتقالية مدنية مستقلة، ومنع القادة العسكريين والأمنيين من عضوية المؤسسات السيادية والتشريعية والقضائية.

3. إنشاء مجلس سيادة مدني من خمسة أعضاء، وفق آلية ترشيح مستقلة ومعايير شفافة.

4. تشكيل حكومة مهنية خاضعة للرقابة التشريعية، مع أولوية للصحة والتعليم والزراعة والمياه وإعادة الإعمار.

5. إنشاء مجلس تأسيسي تشريعي من 301 عضو، وفق الأوزان المعيارية المقترحة، مع ضمان تمثيل النساء والأقاليم والنازحين والضحايا.

6. تشكيل المجلس خلال تسعين يوماً من بدء المرحلة الانتقالية، ومنع تأجيله دون مبرر دستوري.

7. إلغاء الإطار القانوني الذي يسمح بوجود قوات عسكرية موازية، وإقرار قانون موحد للقوات المسلحة والأجهزة النظامية.

8. تنفيذ برامج فردية للتسريح وإعادة الدمج، مع منع الدمج الجماعي للتشكيلات المسلحة في الجيش.

9. إخضاع المؤسسات الاقتصادية العسكرية والأمنية للتدقيق والموازنة العامة، ومنع الأنشطة التجارية والجبايات غير القانونية.

10. إنشاء مجلس أعلى مستقل للقضاء، وفصل النيابة العامة عن وزارة العدل، وتشكيل المحكمة الدستورية.

11. إنشاء مفوضية للحقيقة والعدالة الانتقالية، وصندوق لتعويض الضحايا، ونظام وطني لحفظ الأدلة.

12. إعادة بناء الخدمة المدنية على أساس الكفاءة والنزاهة، مع مراجعة فردية وعادلة للانتهاكات السابقة.

13. إنشاء إدارات انتقالية مدنية في الأقاليم والولايات، وضمان مشاركة السكان المحليين في إدارتها.

14. تأسيس صندوق ائتماني متعدد المانحين للإنسانية والانتقال وإعادة الإعمار، مع تدقيق مالي مستقل.

15. توحيد آليات الوساطة الدولية والإقليمية، وربط التمويل والاعتراف والضمانات بمؤشرات تنفيذ معلنة.

16. توسيع حظر السلاح ليشمل السودان كله، ومراقبة مصادر التمويل والدعم العسكري الخارجي.

17. إجراء تعداد سكاني مبسط وتسجيل النازحين واللاجئين والناخبين، مع ضمان حق التصويت للمواطنين داخل السودان وخارجه.

18. إجراء الانتخابات العامة بعد استيفاء الشروط الأمنية والقانونية والمؤسسية، ونقل السلطة إلى مؤسسات منتخبة.

10. التوصيات البحثية والمنهجية لاستكمال التصميم

تحتاج الأوزان التمثيلية المقترحة إلى دراسات ميدانية مستقلة تقيس تفضيلات السودانيين داخل البلاد وفي دول اللجوء، وتحدد الفروق بين الأقاليم والفئات العمرية والنوع الاجتماعي والشرائح الاقتصادية.

كما ينبغي إجراء دراسة شاملة لتوزيع السكان بعد النزوح، وتقييم قدرة الولايات على استعادة الإدارة المحلية، وتحليل الموارد المالية المتاحة لإعادة الإعمار، وتقدير الكلفة الحقيقية لإصلاح القطاع الأمني والقضائي.

وتوصي الدراسة بإجراء تجارب مؤسسية محدودة على مستوى الولايات والإدارات المحلية، لاختبار آليات المشاركة والرقابة والتوزيع المالي قبل تعميمها وطنياً. كما ينبغي تطوير قاعدة بيانات مستقلة عن المؤسسات العسكرية والاقتصادية والأمنية، تشمل الملكية والتمويل والموظفين والأنشطة التجارية، مع حماية المعلومات الحساسة.

ويجب أن تتضمن الدراسات اللاحقة تحليلاً للمخاطر السياسية والأمنية، واختبارات للسيناريوهات المختلفة، ومراجعات دورية للفرضيات المستخدمة في تصميم الانتقال.

11. الحكم النهائي: لا سلام مستداماً دون دولة مدنية ولا دولة مدنية دون مؤسسات مستقلة

إن الأزمة السودانية الراهنة ليست مجرد حرب بين قائدين عسكريين أو تنافس بين تحالفين سياسيين، وإنما هي نتيجة تراكم تاريخي لاختلال العلاقة بين السلطة والسلاح والمجتمع والاقتصاد. ولذلك فإن إنهاء الحرب دون إعادة بناء هذه العلاقة سيؤدي إلى تسوية مؤقتة، وربما إلى إعادة إنتاج الحرب بأسماء وتحالفات جديدة.

ولا يمكن تأسيس دولة ديمقراطية مستقرة إذا بقي الجيش فوق الدستور، أو بقيت قوات موازية خارج القيادة الموحدة، أو استمر الاقتصاد العسكري خارج الموازنة، أو ظلت النيابة والقضاء خاضعين للتدخل السياسي، أو احتكرت الأحزاب الكبرى تمثيل المواطنين، أو استُبعد الضحايا والنازحون والمناطق المهمشة من صنع القرار.

وفي المقابل، لا يمكن بناء دولة مدنية عبر إقصاء المجتمعات المرتبطة بالأطراف المسلحة أو حرمانها من التمثيل، ولا عبر تحويل المساءلة إلى انتقام سياسي أو إثني، ولا عبر فرض نظام مركزي جديد باسم الوحدة الوطنية.

والصيغة الأكثر قابلية للدفاع عنها دستورياً وسياسياً هي سلطة مدنية مستقلة، ومجلس تأسيسي واسع التمثيل، وحكومة مهنية خاضعة للمساءلة، وجيش وطني موحد خاضع للقيادة المدنية، وقضاء ونيابة مستقلان، وعدالة انتقالية تعترف بالضحايا وتحاسب المسؤولين، ونظام اتحادي ديمقراطي يوزع السلطات والموارد بصورة عادلة.

والقاعدة الجوهرية التي ينبغي أن تحكم الانتقال هي أن السلاح لا يمنح حق الحكم، وأن التهميش لا يمنح حق ارتكاب الانتهاكات، وأن الانتماء السياسي لا يمنح حصانة من المساءلة، وأن العدالة لا تعني الانتقام، وأن الوحدة الوطنية لا تعني استمرار المركزية والهيمنة.

إن الانتقال الديمقراطي ليس مناسبة لتوزيع المناصب، وإنما عملية طويلة لإعادة تأسيس الدولة على أساس المواطنة المتساوية وسيادة القانون والرقابة المدنية والعدالة الاجتماعية والتعددية السياسية. والاختبار الحقيقي لنجاحه لن يكون عدد الاتفاقيات الموقعة أو عدد الحكومات المشكلة، وإنما قدرة السودانيين على العيش دون خوف من الجيش أو المليشيا أو الحزب أو الجهاز الأمني، وقدرة المواطن على تغيير الحكومة بالانتخابات، ومحاسبة المسؤولين أمام القضاء، والحصول على حقوقه وخدماته بصرف النظر عن مكان ولادته أو هويته أو انتمائه.

المراجع

أولاً: المراجع باللغة الإنجليزية

1. Abdul Hussain H. Sudan’s Democratic Alliance blames Islamists for civil war [Internet]. Substack; 2025 [accessed 2026 Nov 1].

2. Africanews. Sudan: RSF paramilitaries and allies declare parallel government [Internet]. 2025 Jul 3 [accessed 2026 Nov 1].

3. Al Jazeera. Is the Sudanese army gaining momentum against the RSF? [Internet]. 2026 Oct 4 [accessed 2026 Nov 1].

4. Al Jazeera. Sudan: The battle for Kordofan and the corridor linking east and west [Internet]. 2026 [accessed 2026 Nov 1].

5. Al Jazeera. What does Sudan’s constitutional declaration say? [Internet]. 2019 Aug 4 [accessed 2026 Nov 1].

6. Al Jazeera. Yale report finds evidence of RSF mass killings in Sudan’s El Fasher [Internet]. 2025 Oct 28 [accessed 2026 Nov 1].

7. AllAfrica. Sudan: The war in Sudan and the challenges of mediation [Internet]. 2026 Oct 28 [accessed 2026 Nov 1].

8. Amnesty International. Sudan: El Fasher survivors tell of deliberate RSF killings and sexual violence – new testimony [Internet]. 2025 Nov 24 [accessed 2026 Nov 1].

9. Arab Center Washington DC. Sudan’s war: The failure of mediation and the struggle for civilian rule [Internet]. Washington, DC; 2025 [accessed 2026 Nov 1].

10. Arabi Post. Sudan’s map of control splits east and west as the army warns of a Libyan model and resists the US peace plan [Internet]. 2026 [accessed 2026 Nov 1].

11. Bell C, Pospisil J. Navigating inclusion in transitions from conflict: The formalised political unsettlement. J Int Dev. 2017;29(5):576-593.

12. Berridge WJ. Civil Uprisings in Modern Sudan: The Khartoum Springs of 1964 and 1985. London: Bloomsbury; 2015.

13. Call CT. Why Peace Fails: The Causes and Prevention of Civil War Recurrence. Washington, DC: Georgetown University Press; 2012.

14. Center for Information Resilience. Displacement, detentions, and killings following the RSF takeover of El Fasher: 26–31 October [Internet]. 2025 Nov 6 [accessed 2026 Nov 1].

15. Dabanga. Sudan government returns to Khartoum after 1,000 days of war [Internet]. 2026 Jan [accessed 2026 Nov 1].

16. Darfur24. TASIS alliance forms interim committees in Nyala [Internet]. 2026 Apr 27 [accessed 2026 Nov 1].

17. de Waal A. The Real Politics of the Horn of Africa: Money, War and the Business of Power. Cambridge: Polity Press; 2015.

18. Elster J. Closing the Books: Transitional Justice in Historical Perspective. Cambridge: Cambridge University Press; 2004.

19. European Union Agency for Asylum. Sudan: Security Situation. October 2026 [Internet]. Valletta: EUAA; 2026 [accessed 2026 Nov 1].

20. Feaver PD. Armed Servants: Agency, Oversight, and Civil-Military Relations. Cambridge, MA: Harvard University Press; 2003.

21. Ginsburg T, Elkins Z, Blount J. Does the process of constitution-making matter? Annu Rev Law Soc Sci. 2009;5:201-223.

22. Hartzell C, Hoddie M. Crafting Peace: Power-Sharing Institutions and the Negotiated Settlement of Civil Wars. University Park: Pennsylvania State University Press; 2007.

23. Horn Review. Calendar peace in Sudan: Putting the Quad’s roadmap to the test [Internet]. 2025 Sep 17 [accessed 2026 Nov 1].

24. Horn Review. Sudan’s enduring war and the limits of the Quad process [Internet]. 2026 Apr 30 [accessed 2026 Nov 1].

25. Horowitz DL. A Democratic South Africa? Constitutional Engineering in a Divided Society. Berkeley: University of California Press; 1991.

26. House of Commons Library. The conflict in Sudan. Research Briefing CBP-12177 [Internet]. London: UK Parliament; 2026 [accessed 2026 Nov 1].

27. Human Rights Watch. Sudan: Mass atrocities in captured Darfur city [Internet]. 2025 Oct 29 [accessed 2026 Nov 1].

28. Huntington SP. The Third Wave: Democratization in the Late Twentieth Century. Norman: University of Oklahoma Press; 1991.

29. Idris K. Sudan’s Prime Minister: This is the path out of the horrors of war [Internet]. Al Jazeera; 2026 Apr 17 [accessed 2026 Nov 1].

30. International Crisis Group. In breakthrough, US and three Arab powers agree on Sudan peace roadmap [Internet]. 2025 [accessed 2026 Nov 1].

31. International Crisis Group. Divided Sudan, elusive peace. Briefing No. 211 [Internet]. 2026 [accessed 2026 Nov 1].

32. International Criminal Court. Ali Muhammad Ali Abd-Al-Rahman (Ali Kushayb) sentenced to 20 years of imprisonment [Internet]. The Hague: ICC; 2025 Dec 9 [accessed 2026 Nov 1].

33. International Organization for Migration. Sudan displacement tracking and displacement reports [Internet]. Geneva: IOM; 2026 [accessed 2026 Nov 1].

34. Johnson DH. The Root Causes of Sudan’s Civil Wars. Oxford: James Currey; 2003.

35. Just Security. Sudan’s constitutional crisis: Dissecting the coup declaration [Internet]. 2021 [accessed 2026 Nov 1].

36. Library of Congress. Sudan: Interim Constitutional Declaration Signed [Internet]. Washington, DC: Library of Congress; 2019 Oct 9 [accessed 2026 Nov 1].

37. Lijphart A. Democracy in Plural Societies: A Comparative Exploration. New Haven: Yale University Press; 1977.

38. Linz JJ, Stepan A. Problems of Democratic Transition and Consolidation: Southern Europe, South America, and Post-Communist Europe. Baltimore: Johns Hopkins University Press; 1996.

39. Mada Masr. Sudan Nashra: Quintet’s Addis Ababa meetings lay bare divisions in Democratic Bloc [Internet]. 2026 Jun 5 [accessed 2026 Nov 1].

40. Mamdani M. Citizen and Subject: Contemporary Africa and the Legacy of Late Colonialism. Princeton: Princeton University Press; 1996.

41. OCHA. UN Geneva press briefing: Humanitarian consequences of 1,000 days of war in Sudan [Internet]. Geneva: United Nations; 2026 Jan 9 [accessed 2026 Nov 1].

42. OCHA ReliefWeb. Sudan crisis situation analysis, 20–26 April 2026 [Internet]. Geneva: United Nations; 2026 [accessed 2026 Nov 1].

43. Paris R. At War’s End: Building Peace after Civil Conflict. Cambridge: Cambridge University Press; 2004.

44. Roeder PG, Rothchild D, editors. Sustainable Peace: Power and Democracy after Civil Wars. Ithaca: Cornell University Press; 2005.

45. Sudan Horizon. Sumoud coalition demands the Sudanese dialogue be limited to three parties, including Tasis [Internet]. 2026 [accessed 2026 Nov 1].

46. Sudan Tribune. No meeting between Somoud and Tasis coalitions in Addis Ababa [Internet]. 2026 [accessed 2026 Nov 1].

47. Sudans Post. Territorial control map – Sudan conflict, as of April 27, 2026 [Internet]. 2026 Apr 28 [accessed 2026 Nov 1].

48. Sudans Post. Map: Who controls what in North Kordofan? [Internet]. 2026 Sep 22 [accessed 2026 Nov 1].

49. Sudans Post. Territorial control map – Sudan conflict, as of May 10, 2026 [Internet]. 2026 [accessed 2026 Nov 1].

50. Sudans Post. Kamil Idris expands Port Sudan cabinet with five new ministers [Internet]. 2025 [accessed 2026 Nov 1].

51. Teitel RG. Transitional Justice. Oxford: Oxford University Press; 2000.

52. The Sudan Times. Sudan’s TASIS alliance: What it is, who leads it, what comes next? [Internet]. 2025 [accessed 2026 Nov 1].

53. UK Home Office. Country policy and information note: Security situation, Sudan [Internet]. London: UK Government; 2026 Jul [accessed 2026 Nov 1].

54. United Nations. 1,000 days of conflict in Sudan [Internet]. New York: United Nations; 2026 [accessed 2026 Nov 1].

55. Walter BF. Committing to Peace: The Successful Settlement of Civil Wars. Princeton: Princeton University Press; 2002.

56. World Bank. World Development Report 2011: Conflict, Security, and Development. Washington, DC: World Bank; 2011.

57. World Health Organization. Sudan: 1,000 days of war deepen the world’s worst health and humanitarian crisis [Internet]. Geneva: WHO; 2026 Jan 9 [accessed 2026 Nov 1].

ثانياً: المراجع باللغة العربية

58. اتفاق جوبا لسلام السودان. اتفاق جوبا لسلام السودان. جوبا؛ 3 أكتوبر 2020.

59. قانون قوات الدعم السريع لسنة 2017. الخرطوم: جمهورية السودان؛ 2017.

60. الوثيقة الدستورية لسلطة المرحلة الانتقالية في السودان. الخرطوم: جمهورية السودان؛ 4 أغسطس 2019.

Author
د. عبد المنعم مختار

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
عرض لأعظم وأهم كتابين صدرتا في القرن المنصرم فيما يتعلق بالأديان السماوية
منبر الرأي
الكلمة أمانة والمسؤولية فردية أمام الله (ضياع وطن)
منبر الرأي
يا ياسر العطا.. لقد فات الأوان
منبر الرأي
زيارة الفريق البرهان لروسيا وعطاء من لا يملك
كمال الهدي
أقالوا أكرم عدو الثورة الأول .. بقلم: كمال الهِدي

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

عبد الجبار عبد الله: مثقف قدر ظروفك .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم

د.عبد الله علي ابراهيم
منبر الرأي

نيرتتي إمتحان السلام العسير على الحركات المسلحة .. بقلم: وليد محجوب

طارق الجزولي
منبر الرأي

الفرجوني: العقل الرعوي، العقل الشفاهي (العقل الرعوي 22) .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم

د.عبد الله علي ابراهيم
منبر الرأي

(الثورة لا يصنعها الجياع بل يصنعها الذين شبعوا من رؤية الفساد)

أمل أحمد تبيدي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss