باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الجمعة, 6 نوفمبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
الرشيد خليفة
الرشيد خليفة عرض كل المقالات

الاستعمار البريطاني للسودان في الميزان، حسناتُه وسيّئاتُه وأيُّهما أرجح

اخر تحديث: 6 نوفمبر, 2026 4:20 مساءً
شارك

الاستعمار البريطاني للسودان في الميزان، حسناتُه وسيّئاتُه وأيُّهما أرجح
قراءةٌ في سجلّ الحكم الثنائي من كرري إلى الاستقلال (1898–1956)
د. الرشيد خليفة
سؤالٌ ملغوم، ولماذا يُطرح
قلّما يُطرح سؤالٌ في المجالس السودانية فينقسم الحاضرون حوله كما ينقسمون حول هذا السؤال: هل أحسن الإنجليز إلى السودان أم أساؤوا؟ فريقٌ يتنهّد على «أيام الإنجليز» حين كان القطار يصل في موعده، والموظف يحضر في ساعته، والقاضي لا يعرف الرشوة، وفريقٌ آخر يذكّر الأول بأن هذا القطار نفسه وصل أول مرة محمّلًا بالمدافع لا بالركّاب، وبأن الموظف المنضبط كان يقبض راتبه من قطنٍ زرعه السودانيون ونسجته مصانع لانكشاير. والحق أن السؤال ملغومٌ من أصله؛ لأن المستعمر لا يأتي ليُحسن ولا ليُسيء، بل، يأتي ليحكم ويربح، فيقع الإحسان والإساءة على هامش هذين الغرضين، ويتوزّعان على الناس بحسب قربهم من سكة الحديد أو بعدهم عنها.
ومع ذلك فالسؤال مشروع، ولا يصحّ الهروب منه بشعارٍ جاهز من أيٍّ من الفريقين. فالحكم الثنائي، الذي امتدّ رسميًّا من اتفاقيتي 19 يناير و10 يوليو 1899 حتى إعلان الاستقلال في الأول من يناير 1956، ترك في السودان مؤسساتٍ ما زال بعضها قائمًا، وجراحًا ما زال بعضها ينزف. ولذلك يسرد هذا المقال الحسنات أولًا كاملةً غير منقوصة، ثم السيئات كاملةً غير مضخّمة، ثم يضع الكفّتين في الميزان، ويقول أيّهما رجحت، وبأيّ معيار.
البداية بالدم، كرري وما بعدها
لا يمكن فهم الحكم الثنائي دون البدء من صباح الثاني من سبتمبر 1898 في كرري، السهل الحصوي الممتدّ شمال أم درمان. والسهل الحصوي أرضٌ صحراوية منبسطة يغطّي سطحَها الحصى والحجارةُ الصغيرة، لأن الرياح سفَت عنها الرمل والتراب الناعم على مرّ الزمن، فبقيت الحصى المتراصّة كأنها رصيفٌ طبيعي، لا شجر فيه ولا عشب يُذكر. وسهل كرري من هذا الصنف، تحدّه ضفة النيل من الشرق، وتقوم فيه تلالٌ صخرية متفرّقة أشهرها جبل سركاب، ولا ساتر فيه لمن يعبره [1]. وهذه الصفة الجغرافية وحدها كانت نصف المعركة؛ فالسهل المكشوف الذي لا يحجب الرؤية ولا يعيق الرصاص هو أفضل ما يتمنّاه صاحب الرشاش، وأسوأ ما يُبتلى به المقاتل الراجل. هناك واجه جيش الخليفة عبد الله التعايشي، المقدَّر بنحو خمسين ألف مقاتل، جيشًا إنجليزيًّا مصريًّا سودانيًّا بقيادة السردار هربرت كتشنر قوامه نحو خمسة وعشرين ألفًا، مسلّحًا ببنادق سريعة الطلقات، ومدافع، ورشاشات مكسيم القادرة على إطلاق ستمائة طلقة في الدقيقة، وزوارق حربية تقصف من النيل [1]. وانتهت المعركة قبل الظهر بأرقامٍ لا تحتاج إلى تعليق: نحو عشرة آلاف قتيل، ونحو أربعة عشر ألف جريح من الأنصار، مقابل ثمانيةٍ وأربعين قتيلًا في جيش كتشنر [1]. لم تكن معركةً بالمعنى الذي يعرفه الفرسان، بل، كانت تجربةً ميدانية على ما تفعله الآلة بالشجاعة.
وما جرى بعد المعركة كان أسوأ من المعركة نفسها في ميزان الأخلاق. فقد أمر كتشنر بهدم قبة المهدي في أم درمان [1]، ونُبش القبر، وأُلقيت رفاته في النيل، واحتفظ القائد المنتصر برأس المهدي زمنًا قبل أن يُدفن الرأس لاحقًا تحت ضغط الاستياء في لندن نفسها. وكان المراسل الحربي الشاب ونستون تشرشل (Winston Churchill)، الذي حضر المعركة ضابطًا في فرقة الرمّاحة الحادية والعشرين، أحد من سجّلوا استنكارهم لقتل الجرحى ولتدنيس القبر في كتابه «حرب النهر» [2]. وحين يكون أشدّ الإمبرياليين حماسةً هو من يحتجّ على سلوك جيشه، فذلك يكفي شهادةً على أن الحكم الجديد دخل السودان من باب الثأر قبل باب الإدارة.
حكمٌ ثنائي برأسٍ واحد
نصّت اتفاقية 1899 على أن يُعيَّن الحاكم العام بأمرٍ من الخديوي، ولكن بترشيحٍ من الحكومة البريطانية، وأن يجمع بين يديه السلطتين المدنية والعسكرية العليا [3]. وكان العلَمان، البريطاني والمصري، يرفرفان معًا فوق المباني الحكومية، غير أن العلَم المصري كان أقرب إلى الزينة منه إلى السيادة؛ فالحكّام العامّون، ومديرو المديريات، والمفتشون، كانوا بريطانيين في الغالب، وإن حملوا رتبًا في الجيش المصري، وظلّت المناصب الحاسمة حكرًا على خرّيجي الجامعات والمدارس العسكرية البريطانية [3]. أما مصر فكانت تدفع الجزء الأكبر من نفقات الفتح ومن عجز الميزانية في السنوات الأولى، أي إنها كانت الشريك الذي يموّل ولا يقرّر [4]. وهكذا وُلد في السودان نظامٌ فريد في القانون الدولي: «حكمٌ ثنائي» برأسٍ واحد، وجيبين، أحدهما مصري يُفرغ، والآخر بريطاني يمتلئ.
كفّة الحسنات، عشرٌ لا يجوز إنكارها
الإنصاف يقتضي أن يُعترف للحكم الثنائي بعشر حسنات، هي: إقرار الأمن وإنهاء الحروب الداخلية، وتجريم تجارة الرقيق، وإنشاء شبكة سكة الحديد والنقل النهري، وإنشاء ميناء بورتسودان، وخزان سنار ومشروع الجزيرة، وتأسيس التعليم النظامي الحديث، وإدخال الطب الحديث والصحة العامة، وبناء خدمةٍ مدنية وقضاءٍ منضبطين، وتأسيس تقاليد التوثيق والمسح العلمي، والخروج المنظَّم الذي أفضى إلى استقلالٍ بلا حرب تحرير. وفيما يلي تفصيلها.
أولى الحسنات إقرار الأمن. فقد خرج السودان من المهدية مُنهكًا بحروبٍ داخلية لم تهدأ، ومجاعة «سنة ستة» (1889–1890) التي حصدت أعدادًا هائلة من الناس، وتهجيرٍ قسري لقبائل بأكملها إلى أم درمان. وجاء الحكم الثنائي فأوقف الحملات التأديبية على القبائل، وأنهى استنزاف الرجال في جبهات الحبشة ومصر، وفرض على البلاد سلطةً مركزية واحدة لا تُنازَع. ولا شكّ أن المزارع في الجزيرة أو التاجر في الأبيض كان، بعد سنواتٍ قليلة من كرري، أكثر أمنًا على نفسه وماله مما كان عليه في العقد الأخير من القرن التاسع عشر [5]. والمفارقة أن هذا الأمن جاء على يد من سفك في صباحٍ واحد دماءً تفوق ما سُفك في كثيرٍ من حروب المهدية الداخلية، ولكن التاريخ لا يستشير الضحايا في ترتيب مفارقاته.
والحسنة الثانية تجريم تجارة الرقيق. فقد نصّت اتفاقية 1899 نفسها على حظر استيراد الرقيق إلى السودان وتصديرهم منه حظرًا مطلقًا [3]، وطاردت الإدارة طرق القوافل القديمة التي كانت تنقل البشر من الجنوب وجبال النوبة إلى أسواق الشمال والبحر الأحمر. وهذا تحوّلٌ لا يُستهان به في بلدٍ عاش قرونًا على اقتصاد الرقيق، من السلطنات القديمة إلى زرائب التركية. غير أن هذه الحسنة تحمل في داخلها سيئتها، كما سيأتي في كفّة السيئات.
والحسنة الثالثة سكة الحديد والنقل النهري. بدأت سكة الحديد في السودان سلاحًا حربيًّا؛ إذ مدّها كتشنر عبر صحراء العتمور من وادي حلفا إلى أبي حمد ثم إلى عطبرة ليُطعم جيشه ويُسلّحه في زحفه جنوبًا [1]، ثم بلغت الخرطوم بحري عام 1899. وبعد انتهاء الحرب تحوّلت السكة الحديدية إلى شريانٍ اقتصادي؛ فوصلت إلى البحر الأحمر، ثم عبرت النيل الأبيض غربًا حتى بلغت الأبيض عام 1912، وصارت مع أسطول البواخر النهرية العمود الفقري الذي ربط أطراف البلاد بمركزها، وبنى حول ورشه في عطبرة أول طبقة عاملة سودانية حديثة [6]. وقد كتب ريتشارد هِل (Richard Hill)، الذي عمل في سكة حديد السودان قبل أن يصير مؤرّخها، تاريخ هذه الشبكة بحنين الموظف ودقّة المؤرّخ معًا [6].
والحسنة الرابعة ميناء بورتسودان. فقد كانت سواكن، الميناء العثماني العتيق على البحر الأحمر، عاجزةً عن استقبال السفن الكبيرة لضيق مرساها وشعابها المرجانية، فاختارت الإدارة الجديدة مرسى الشيخ برغوت (Sheikh Barghut)، المرسى الطبيعي الواقع على ساحل البحر الأحمر على بعد نحو ستين كيلومترًا شمال سواكن. وقد حمل المرسى قرونًا اسم وليٍّ صالح تذكر الروايات أنه كان فقيهًا، وكان ضريحه قائمًا بارزًا على الطرف الشمالي لمدخل المرسى، يزوره البحّارة والصيادون ويتبرّكون به قبل الإبحار [7][8]. وتقرّر عام 1905 تحويل المرسى إلى ميناء حديث يحمل اسم «بورتسودان»، أي ميناء السودان، فرست فيه أول سفينة عام 1906، وافتُتح رسميًّا عام 1909 [8]. وهكذا انتقل الاسم من الولي إلى الوطن، فصار الشيخ برغوت، الذي كان يحرس مرساه الصغير، يحرس بلدًا بأكمله دون أن يُستشار. ووُصل الميناء بسكة الحديد، فصار منفذ السودان الرئيس إلى العالم [6]. وما زالت بورتسودان إلى اليوم رئة البلاد التجارية، وإن كانت سواكن قد دفعت ثمن ولادتها فتحوّلت إلى أطلالٍ مرجانية يزورها السيّاح.
والحسنة الخامسة خزان سنار ومشروع الجزيرة. اكتمل خزان سنار على النيل الأزرق عام 1925، وبدأ معه الريّ الانسيابي في الجزيرة، السهل الطيني المنبسط بين النيلين الأزرق والأبيض، فقام أكبر مشروعٍ زراعي تحت إدارةٍ موحّدة في العالم، تزيد مساحته اليوم على مليونَي فدان [9]. وصار القطن طويل التيلة عماد اقتصاد السودان، ومصدر عملته الصعبة، وموّل المدارس، والمستشفيات، والطرق لعقود، وتحوّلت الجزيرة إلى أكثف مناطق البلاد سكانًا [10]. ولا يوجد سودانيٌّ وُلد في القرن العشرين إلا وقد أكل من خبزٍ دُفع ثمنه، بطريقٍ مباشر أو غير مباشر، من قطن الجزيرة. ويقرأ المؤرخ السوداني محمد سعيد القدال هذا البناء كله، من سكة الحديد إلى الميناء إلى المشروع، حلقاتٍ في سلسلة واحدة أدخلت السودان السوق الرأسمالية العالمية منتجًا للمادة الخام [11]. وهو ما يمكن أن يُلخَّص بأنه تحديثٌ حقيقي في الأدوات، وتبعيةٌ حقيقية في الوظيفة.
والمقصود بتبعية الوظيفة أن المنشأة قد تكون حديثةً في ذاتها، متقنةً في هندستها، ولكن الدور الذي بُنيت لتؤدّيه مرسومٌ لخدمة اقتصادٍ آخر، فلا تبني اقتصادًا وطنيًّا قائمًا بذاته، بل، تجعله ملحقًا بغيره. فمشروع الجزيرة كان يُنتج سلعةً واحدة هي القطن طويل التيلة، ولم يكن يُنتجها لكساء السودانيين، بل، لمصانع النسيج في لانكشاير؛ فكان القطن يُحلج في السودان ويُصدَّر خامًا، ثم يعود إليه قماشًا مستوردًا، فتُضاف القيمة الكبرى في إنجلترا، ويبقى السودان في أول السلسلة [10][11]. وسكة الحديد رُسمت خطوطها لتصل مناطق الإنتاج المعدّ للتصدير بالميناء، من قطن الجزيرة، وصمغ كردفان، وماشية الغرب، لا لتربط أقاليم البلاد بعضها ببعض، ولذلك بلغت الجزيرة، وكسلا، والأبيض مبكرًا، وبقيت أقاليم واسعة لا تُنتج للتصدير بعيدةً عنها [6]. وميناء بورتسودان كان البوابة التي يخرج منها الخام ويدخل منها المصنوع، فهو نهاية الطريق المرسوم لا بدايته. والحاصل أن هذه الحلقات الثلاث، المشروع، والسكة الحديدية، والميناء، تؤلّف سلسلةً واحدة يقع طرفها الأول في الجزيرة، وطرفها الأخير في ليفربول ومانشستر. ولذلك صار مصير الاقتصاد السوداني معلّقًا بسعر القطن في بورصة ليفربول، فإذا ارتفع السعر انتعشت الجزيرة، وإذا انهار، كما حدث في الكساد العظيم أوائل الثلاثينيات، انهار معه دخل البلاد كلها [10]. وهذا هو الفرق بين التحديث والتنمية: فالتحديث أن تمتلك قطارًا، والتنمية أن تقرّر أنت إلى أين يذهب.
والحسنة السادسة التعليم النظامي الحديث. ففي أعقاب كرري جمع كتشنر بالاكتتاب في بريطانيا مائة ألف جنيه في ستة أسابيع لإنشاء كلية تحمل اسم غوردون، وافتُتحت كلية غوردون التذكارية في 8 نوفمبر 1902 [12]. ثم أُنشئت مدرسة كتشنر الطبية عام 1924، أول مدرسة للطب في السودان، ومدرسة الحقوق عام 1936، وارتبطت الكلية بجامعة لندن ارتباطًا خاصًّا عام 1947، ثم صارت كلية الخرطوم الجامعية عام 1951، فجامعة الخرطوم في 24 يوليو 1956 [12]. ومن هذه الكلية خرج الجيل الذي قاد الحركة الوطنية وحكم السودان بعد الاستقلال. وفي الأمر طرافة لا تخفى: فأول كلية سودانية حملت اسم القائد الذي قتله الأنصار، وأول مدرسة طبية حملت اسم القائد الذي أجهز جيشه على جرحى الأنصار، ثم تخرّج فيهما من طالب بخروج الاثنين. ولم يكن التعليم كله منّةً من الإدارة؛ فقد انتزع الشيخ بابكر بدري، الذي قاتل في صفوف الأنصار في توشكي عام 1889 ووقع في الأسر، موافقة الحكومة على افتتاح أول مدرسة نظامية للبنات في رفاعة، البلدة الواقعة على الضفة الشرقية للنيل الأزرق، عام 1907، بعد إلحاحٍ طويل على مسؤولين لم يروا في تعليم البنات أولوية، ويروي في مذكراته «تاريخ حياتي» كيف تعامل مع الحكم الجديد واقعًا قائمًا يُستفاد من أدواته، دون أن يمحو ذلك ذاكرة المقاتل القديم [13].
والحسنة السابعة الطب الحديث والصحة العامة. فقد أنشأ الصيدلاني الأمريكي البريطاني هنري ولكم (Henry Wellcome) مختبرًا للأبحاث المدارية في الخرطوم مطلع القرن العشرين، فصار السودان طوال ثلاثة عقود مركزًا لدراسة الأمراض المدارية، من مرض النوم إلى الحمّى الصفراء [14]. وأُقيمت حملات مكافحة الأوبئة، وأُنشئت مدرسة لتدريب القابلات في أم درمان، دخلت بها الخدمة الطبية بيوت الناس على نحوٍ لم يسبق له مثيل [14]. وتُبيّن الباحثة هذر بِل (Heather Bell) أن هذا الطب لم يكن مجرّد «خادمٍ للإمبراطورية»، بل، كان أيضًا ميدانًا لطموح الأطباء العلمي، وأنه أشرك سودانيين وسودانيات في ممارسته [14].
والحسنة الثامنة الخدمة المدنية والقضاء. فقد بنى الحكم الثنائي جهازًا إداريًّا صغير العدد، عالي الانضباط، عُرف أعضاؤه البريطانيون بـ«الخدمة السياسية السودانية»، واشتهر بنزاهةٍ نسبية وقلة فساد قياسًا بما سبقه وما لحقه [4]. وأُرسيت محاكم مدنية، ومحاكم شرعية للأحوال الشخصية، وسجلّات للأراضي، وقوانين مكتوبة، وتقاليد إدارية ورثتها الدولة الوطنية وعاشت عليها سنوات [15]. ولعل أبلغ شهادة على هذه الحسنة أن عبارة «حليل زمن الإنجليز» صارت تتردّد في العامية السودانية. و«حليل» كلمة تحسّرٍ على ما مضى وفات، يقولها السوداني في «حليل أيام زمان»، وفي «حليل فلان» لمن رحل، فصار «زمن الإنجليز» بها مرادفًا للنظام، والمواعيد، ونظافة اليد. وهو مديحٌ يقوله الناس عادةً حين يُصابون بخيبة أملٍ في من جاء بعدهم، فالسوداني لا يقول «حليل» إلا لشيءٍ يعلم أنه لن يعود.
والحسنة التاسعة التوثيق والمسح العلمي. فقد رُسمت خرائط السودان الحديثة بمسحٍ منظّم، وصدرت مجلة «السودان في رسائل ومدوّنات» (Sudan Notes and Records) منذ 1918 فجمعت أبحاث التاريخ، واللغات، والأنساب، والآثار، ونشأت لاحقًا في جامعة درم البريطانية مجموعة «أرشيف السودان» التي تضمّ أوراق الإداريين، والمهندسين، والأطباء، وصارت من أغنى مصادر تاريخ البلاد [9]. وما يزال الباحث السوداني اليوم يضطر إلى السفر إلى شمال إنجلترا ليقرأ تاريخ قريته، وهي مفارقةٌ تُحسب للحسنات والسيئات في آنٍ واحد.
والحسنة العاشرة الخروج المنظَّم. فبعد أن قاوم البريطانيون مطالب الخرّيجين طويلًا، أنشأوا المجلس الاستشاري لشمال السودان عام 1944، ثم الجمعية التشريعية عام 1948، ثم وُقّعت الاتفاقية الإنجليزية المصرية لعام 1953 التي رسمت خطوات الحكم الذاتي وتقرير المصير، فجرت انتخابات، وتشكّلت حكومة وطنية، وسُودِنت الوظائف، ونال السودان استقلاله في الأول من يناير 1956 دون حرب تحرير [3][16]. وقياسًا بما جرى في الجزائر أو كينيا في الحقبة نفسها، كان خروج البريطانيين من السودان خروجًا هادئًا، وإن لم يكن خروجًا بريئًا. فالبراءة تعني أن يخرج المرء ولا يترك خلفه ما يُدينه، وقد ترك البريطانيون خلفهم الكثير. فقد خرجوا بعد أن أمضوا ربع قرن في عزل الجنوب عن الشمال، ثم سلّموا البلدين للدولة الواحدة في سنوات قليلة دون ضمانات، فانفجر تمرّد توريت في أغسطس 1955 قبل أن يرحل آخر حاكم عام [17]. وخرجوا بعد أن أخّروا السودنة نصف قرن، ثم أنجزوها في نحو ثلاث سنوات، فاستلم السودانيون جهازًا لم يتدرّبوا على قيادته [16]. وخرجوا تاركين اقتصادًا معلّقًا بالقطن وبالسوق البريطانية، وأحزابًا قائمة على أكتاف الطائفتين اللتين رعوهما [10][18]. ثم إن الخروج نفسه لم يكن زهدًا في السودان، بل، كان حسابًا سياسيًّا؛ فبريطانيا فضّلت سودانًا مستقلًّا على سودانٍ متّحدٍ مع مصر، ورأت في استقلاله أفضل وسيلة لحرمان القاهرة من وادي النيل كله [19]. فالخارج لم يكن بريئًا، بل، كان خارجًا يعرف تمامًا ما يتركه خلفه.
كفّة السيئات، إحدى عشرة لا يجوز تجميلها
وفي المقابل ترك الحكم الثنائي إحدى عشرة سيئة، هي: دموية الفتح وتدنيس الموتى، والقمع المتواصل لحركات المقاومة، وسحق ثورة 1924 وإقصاء مصر، وقانون المناطق المقفولة وسياسة الجنوب، والتنمية غير المتكافئة بين المركز والأطراف، والاقتصاد الأحادي المرهون للقطن، والتعليم الشحيح الموجَّه لإنتاج الكتبة، والإدارة الأهلية وتجميد البنى القبلية، وتقوية الزعامات الطائفية، والتهاون الطويل مع الرق المنزلي، واحتكار الوظائف العليا وتأخير السودنة. وفيما يلي تفصيلها.
أولى السيئات دموية الفتح وتدنيس الموتى، وقد سبق بيانها: آلاف القتلى في ساعات، وجرحى أُجهز عليهم، وقبرٌ نُبش، ورفاتٌ أُلقيت في النيل [1][2]. وهذه ليست تفصيلًا عابرًا في تاريخ الحكم الثنائي، بل، هي شهادة ميلاده.
والسيئة الثانية القمع المتواصل لحركات المقاومة. فالسلام البريطاني لم يُفرض مرةً واحدة في كرري، بل، فُرض بالتقسيط على مدى ثلاثين عامًا. ففي عام 1908 ثار عبد القادر ود حبوبه في الجزيرة قرب الكاملين، فقُتل عددٌ من أنصاره في المواجهة، وحوكم هو وأُعدم شنقًا [20]. وفي عام 1916، وفي خضمّ الحرب العالمية الأولى، اجتاحت قوةٌ بريطانية سلطنة دارفور، وقُتل السلطان علي دينار، وضُمّت السلطنة إلى السودان [21]. وتتابعت الحملات على جبال النوبة، المرتفعات الواقعة في جنوب كردفان، وعلى انتفاضة نيالا في جنوب دارفور عام 1921، وعلى قبائل الجنوب واحدةً بعد أخرى [4][17]. وبلغ القمع ذروته فيما سُمّي «تسوية النوير» بين 1927 و1930، حين قصفت طائرات سلاح الجو الملكي البريطاني مناطق النوير، وأُسقطت القنابل على هرم النبي نقندينق، المزار المقدّس عندهم، ثم نُسف بالمتفجرات، فكانت آخر حملة «تهدئة» بريطانية في أفريقيا كلها [22]. والتهدئة هنا مصطلحٌ إداري مهذّب يعني أن الطائرة تتكلّم ويسكت الجميع.
والسيئة الثالثة سحق ثورة 1924 وإقصاء مصر. ففي عام 1924 قاد الضابط علي عبد اللطيف، مع رفاقه في «جمعية اللواء الأبيض»، أول حركة وطنية حديثة ضد الاستعمار البريطاني في السودان، رافعين شعار وحدة وادي النيل [23]. وحين اغتيل الحاكم العام السير لي ستاك (Lee Stack) في القاهرة في نوفمبر 1924، اتخذت بريطانيا الحادثة ذريعةً لطرد الجيش المصري والموظفين المصريين من السودان [4]. وتمرّدت وحداتٌ سودانية في الخرطوم تضامنًا، فسُحقت بالمدفعية، وقُتل قائدها الملازم عبد الفضيل الماظ تحت أنقاض المستشفى العسكري، وحُكم على علي عبد اللطيف بالسجن، ثم نُقل إلى مصر حيث مات في مصحّة للأمراض العقلية عام 1948 [23]. ومنذ ذلك العام لم يبقَ من «الحكم الثنائي» إلا اسمه، وصار السودان مستعمرةً بريطانية خالصة ترفع علمين. ويعدّ محمد عمر بشير ثورة 1924 الحلقة التي انتقلت بها المقاومة من الانتفاضة الدينية والقبلية، على طريقة ود حبوبه، إلى الحركة الوطنية الحديثة التي يقودها المتعلمون، وهي الحركة التي ستبلغ نضجها في مؤتمر الخريجين عام 1938 [24].
والسيئة الرابعة، وهي أثقل السيئات وزنًا، قانون المناطق المقفولة وسياسة الجنوب. ففي عام 1922 صدر قانون الجوازات والتصاريح، الذي خوّل السكرتير الإداري إعلان مناطق بعينها «مناطق مقفولة» يُمنع غير أهلها، بمن فيهم السودانيون الشماليون، من دخولها أو الإقامة فيها إلا بتصريح [25][17]. وشمل القانون معظم الجنوب، وأجزاءً من جبال النوبة، والنيل الأزرق، ودارفور. ثم جاءت مذكرة 25 يناير 1930 فأعلنت «سياسة الجنوب» صراحةً: تطوير الجنوب على أسسٍ «أفريقية» منفصلة، وطرد التجار الشماليين الجلّابة، ومحاربة اللغة العربية، والزيّ العربي، والأسماء العربية، واعتماد الإنجليزية واللغات المحلية، وتسليم التعليم كلّه تقريبًا للإرساليات التبشيرية، مع ترك الباب مفتوحًا لضمّ الجنوب إلى شرق أفريقيا البريطاني [25]. ثم انقلبت السياسة فجأةً عام 1946، وتقرّر في مؤتمر جوبا عام 1947 أن يبقى الجنوب جزءًا من سودانٍ موحّد، بعد أن أمضت الإدارة ربع قرن في إقناع الجنوبيين بأن الشماليين غرباء [17]. وكانت النتيجة أن الجنوب دخل الدولة الواحدة متأخرًا في التعليم، ومتوجّسًا من شركائه، فانفجر تمرّد توريت في أغسطس 1955 قبل أن يُرفع علم الاستقلال، وبدأت حربٌ أهلية انتهت بالانفصال عام 2011. ويجادل المؤرخ دوغلاس جونسون (Douglas Johnson) بأن سياسة الجنوب كانت عَرَضًا لإهمال الإدارة لريف السودان كله لا سببًا وحيدًا للمأساة [17]، وهو تحفّظٌ وجيه، غير أن العَرَض حين يدوم ربع قرن يصير مرضًا قائمًا بذاته.
والسيئة الخامسة التنمية غير المتكافئة. فقد تركّزت السكك، والمشاريع، والمدارس، والمستشفيات في المثلث الواقع بين الخرطوم، والجزيرة، وعطبرة، وما حوله من شريط النيل، بينما بقيت دارفور، وكردفان الغربية، والشرق البجاوي، والجنوب، خارج دائرة التنمية تقريبًا [5][17]. ولم يكن ذلك سهوًا، بل، كان منطقًا اقتصاديًّا صريحًا: يُنفق المال حيث يُنتج القطن ويُحصّل الضريبة، ويُترك ما سوى ذلك «للإدارة الأهلية» بأقل كلفة ممكنة. وهكذا وُلدت ثنائية «المركز والهامش» التي ستحكم السياسة السودانية بعد الاستقلال، وتُشعل حروب الأطراف واحدةً بعد أخرى.
والسيئة السادسة الاقتصاد الأحادي المرهون للقطن. فمشروع الجزيرة، الذي عُدّ في كفّة الحسنات، صُمّم أصلًا لتزويد مصانع النسيج البريطانية بالقطن [9]. وأُرغم أصحاب الأرض على تأجيرها للحكومة والعمل فيها مزارعين مستأجرين، تحت إدارةٍ شديدة المركزية تقتسم العائد مع الحكومة وشركة السودان الزراعية البريطانية [9][10]. ويُسمّي الباحث توني بارنيت (Tony Barnett) المشروع «وهمًا للتنمية»، لأنه ربط مصير ملايين الناس بسعر سلعةٍ واحدة في بورصة ليفربول، وصنع مزارعًا مدينًا للمشروع أكثر مما صنع مزارعًا مالكًا لمصيره [10]. وحين انهار سعر القطن في الكساد العظيم أوائل الثلاثينيات، انهار معه دخل الجزيرة كلها، فعرف السودانيون مبكرًا معنى أن يُعلّق اقتصادٌ كامل على شجيرة.
والسيئة السابعة التعليم الشحيح الموجّه لإنتاج الكتبة. فكلية غوردون، على أهميتها، لم تكن مشروعًا لتعليم شعب، بل، كانت مصنعًا لتخريج الكتبة، والمحاسبين، والمعلمين، والمهندسين المساعدين الذين تحتاجهم الإدارة، وكانت كل مدرسةٍ فيها ملحقةً بالمصلحة الحكومية التي سيعمل فيها خرّيجوها [12]. وظلّ التعليم العالي الحقيقي مؤجّلًا حتى الثلاثينيات والأربعينيات، وظلّ التعليم الأولي محدود الانتشار، حتى إن السودان دخل الاستقلال وأغلب أهله لا يقرؤون ولا يكتبون [18]. ويخلص محمد عمر بشير، في دراسته لتطور التعليم بين 1898 و1956، إلى أن سياسة التعليم كانت تابعةً لحاجات الإدارة لا لحاجات المجتمع، وأنها تراجعت خطواتٍ إلى الوراء بعد 1924، وتركت تعليم الجنوب للإرساليات بمناهج ولغات منفصلة، فأورثت البلاد فجوةً تعليمية بين أقاليمها لم تُردم بعد الاستقلال [26]. ثم إن الإدارة، بعد أحداث 1924، نظرت إلى الخرّيجين أنفسهم نظرة ريبة، فقلّصت التعليم الذي أنشأته خوفًا من الوعي الذي أنتجه [18][4]. والمستعمر في ذلك كمن يشعل شمعةً ليقرأ دفاتره، ثم يطفئها حين يرى الناس يقرؤون على ضوئها.
والسيئة الثامنة الإدارة الأهلية وتجميد البنى القبلية. ففي العشرينيات، وبعد صدمة 1924، تبنّت الإدارة سياسة «الحكم غير المباشر» على طريقة لوغارد (Lugard) في نيجيريا، فأصدرت قوانين سلطات المشايخ، ومنحت زعماء القبائل، والعُمد، والنُظّار صلاحيات قضائية وإدارية واسعة [4][16]. وكان الغرض المعلن احترام التقاليد المحلية، والغرض الفعلي ضرب الخرّيجين المتعلمين بالزعامات التقليدية، وحكم البلاد بأقل عدد من الموظفين البريطانيين. وقد وثّق جعفر محمد علي بخيت، في دراسته للإدارة البريطانية والحركة الوطنية بين 1919 و1939، أن هذا التحوّل جاء ردَّ فعلٍ سياسيًّا على ثورة 1924 أكثر مما جاء قناعةً إدارية، وأن الإدارة رأت في شيخ القبيلة حليفًا مأمونًا وفي الأفندي المتعلم خصمًا محتملًا [27]. وسجّل أحمد خير المحامي، أحد روّاد مؤتمر الخريجين، من موقع الشاهد، كيف ضيّقت الإدارة على الخريجين وراهنت على الزعامات التقليدية لعزلهم عن جمهورهم، فكان كتابه «كفاح جيل» شهادة جيلٍ كامل على هذه السياسة [28]. والنتيجة أن القبيلة، التي كانت تذوب تدريجيًّا في المدن، والأسواق، وسكة الحديد، أُعيد تثبيتها بقانون، وصارت وحدةً إدارية وسياسية ما زالت تتحكم في مصائر الناس إلى اليوم.
والمقصود بتجميد البنى القبلية أن الإدارة أخذت تنظيمًا اجتماعيًّا مرنًا متحرّكًا، فحوّلته إلى هيكلٍ إداري ثابت تحرسه القوانين. فالبنى القبلية هي مجموع ما يقوم عليه كيان القبيلة: النسب الذي ينتمي إليه الفرد، والزعامة من ناظرٍ وعمدةٍ وشيخ، و«الدار» أي الأرض التي تعدّها القبيلة موطنها ومرعاها، والأعراف التي تُفضّ بها النزاعات وتُدفع بها الديات. وكانت هذه البنى قبل الحكم الثنائي تتبدّل باستمرار؛ فالقبائل تتحالف وتنقسم، والبطون تنتقل من قبيلةٍ إلى أخرى، والأفراد يهاجرون إلى المدن، أو ينضمّون إلى طرق التصوّف، أو يذوبون في التجارة والجندية، فتضعف صلتهم بالقبيلة جيلًا بعد جيل [4][27]. فجاءت الإدارة فسجّلت كل جماعةٍ تحت زعيمٍ تعترف به الحكومة، ورسمت حدود «الدار» القبلية على الخرائط، وجعلت الناظر جابيًا للضرائب، وقاضيًا في محكمته الأهلية، ووسيطًا وحيدًا بين الناس والدولة. فصار الانتماء إلى القبيلة هو الطريق إلى الأرض، والقضاء، والوظيفة، والتمثيل، وصار خروج الفرد منها خروجًا من الحماية. وهذا هو التجميد: أن تُوقف حركة المجتمع عند صورته في لحظةٍ بعينها، ثم يُطلب منه بعد الاستقلال أن يصير شعبًا من المواطنين وهو ما يزال مقسّمًا إلى ديارٍ مسجّلة بأسماء القبائل. ولذلك فإن كثيرًا من نزاعات الأرض في دارفور وكردفان اليوم هي في أصلها نزاعاتٌ على حدود «ديار» رسمتها الإدارة البريطانية بالمسطرة.
والسيئة التاسعة تقوية الزعامات الطائفية. فبعد أن طاردت الإدارة المهدية في سنواتها الأولى، عادت خلال الحرب العالمية الأولى لتتحالف مع السيد عبد الرحمن المهدي، ابن الإمام المهدي، وتمكّنه من أراضٍ زراعية واسعة في جزيرة أبا، الجزيرة النهرية في النيل الأبيض، ومن مشاريع قطنٍ جعلته من أثرى رجال السودان، في الوقت نفسه الذي رعت فيه السيد علي الميرغني زعيم الختمية [4][18]. ووجد الخرّيجون أنفسهم مضطرين إلى الاحتماء بإحدى الطائفتين ليكون لهم صوتٌ سياسي، فقامت الأحزاب السودانية الكبرى على أكتاف الطوائف [16]. وبذلك سلّم المستعمر الوطن المستقل إلى بنيةٍ سياسية يقرّر فيها الأب الروحي ما يصوّت له الناخب.
والسيئة العاشرة التهاون الطويل مع الرق المنزلي. فقد حظرت الإدارة تجارة الرقيق، كما سبق، ولكنها خشيت أن يُغضب تحرير الرقيق المنزليين ملّاك الأرض والزعماء في الشمال، فتهاونت عقودًا في تطبيق التحرير، وأعادت أحيانًا الهاربين إلى أسيادهم، ولم تتحرك بجدية إلا تحت ضغط عصبة الأمم في العشرينيات والثلاثينيات [29]. ويُبيّن أحمد العوض سكينجة كيف تحوّل كثيرٌ من المحرَّرين إلى عمالة رخيصة في المدن، وفي سكة الحديد، وفي الجيش، دون أن يتغيّر موقعهم الاجتماعي كثيرًا [29]. فالمستعمر الذي تفاخر أمام العالم بإلغاء الرق، تصالح في الداخل مع بقائه حين كان بقاؤه أرخص من إلغائه.
والسيئة الحادية عشرة احتكار الوظائف العليا وتأخير السودنة. فقد بقيت المناصب الإدارية العليا، من المفتش إلى الحاكم العام، حكرًا على البريطانيين حتى منتصف الخمسينيات، وظلّ السوداني المتعلم، مهما بلغت كفاءته، محصورًا في الوظائف الكتابية والفنية الوسطى [3][18]. ولم تبدأ السودنة الجادّة إلا بعد اتفاقية 1953، فاستلم السودانيون في سنتين أو ثلاث جهازًا لم يُتح لهم أن يتدرّبوا على قيادته طوال نصف قرن [16]. وحين يُلام السودانيون اليوم على ارتباك الدولة بعد الاستقلال، ينبغي أن يُذكر أنهم استلموا القيادة دون أن يُسمح لهم طويلًا بالجلوس في مقعدها.
أقلامٌ سودانية في الميزان
قبل وضع الكفّتين في الميزان، يحسن أن يُسمع صوت المؤرخين والكتّاب السودانيين أنفسهم؛ فقد ظلّ تاريخ الحكم الثنائي زمنًا طويلًا يُكتب بأقلام إدارييه وورثتهم في الجامعات البريطانية، حتى كاد السوداني يقرأ سيرة بلاده كما يقرأ تقريرًا سنويًّا لمفتش المركز. والأقلام السودانية التي كتبت في الموضوع لم تتّفق على حكمٍ واحد، ولكنها اتّفقت على رفض الرواية التي تجعل الاستعمار رسالةً حضارية خالصة.
فمحمد سعيد القدال، من موقع المؤرخ ذي النزعة الاقتصادية الاجتماعية، لا ينكر ما بُني من سكك، ومشاريع، ومدارس، ولكنه يقرأ الحقبة كلها من زاوية الوظيفة التي أُسندت إلى السودان في الاقتصاد الإمبراطوري، أي إنتاج القطن والمواد الخام، ويرى أن الحركة الوطنية، من ثورة 1924 إلى الاستقلال، كانت في جوهرها احتجاجًا على هذه الوظيفة قبل أن تكون احتجاجًا على العلَم [11]. ومحمد عمر بشير يقف عند التعليم والحركة الوطنية، فيعترف للحكم الثنائي بأنه أنشأ النواة الحديثة للتعليم، ثم يُحمّله مسؤولية شحّه، وتوجيهه، وتقسيمه بين شمالٍ وجنوب، ويرى أن الوعي الوطني نشأ في الفصول التي فتحها المستعمر، ثم انقلب عليه [26][24].
وجعفر محمد علي بخيت يكشف الوجه السياسي للإدارة الأهلية، فيراها أداةً لإدارة الصراع مع المتعلمين أكثر منها احترامًا للتقاليد [27]. ومدثر عبد الرحيم، وهو سوداني كتب بالإنجليزية، يتتبّع التطور الدستوري حتى الاستقلال، فيرى أن الخطوات الدستورية التي يُنسب فضلها إلى البريطانيين جاءت في الغالب استجابةً لضغط الحركة الوطنية وللتنافس الإنجليزي المصري على السودان، لا كرمًا إداريًّا [16]. أما محمد أبو القاسم حاج حمد فيربط بين المأزق السياسي الذي عاشه السودان بعد الاستقلال وبين طريقة تكوين الكيان السوداني الحديث نفسه، فيرى أن الدولة الموروثة حملت منذ ولادتها تناقضات أقاليمها وهوياتها دون أن تملك صيغةً لجمعها [30].
وتبقى شهادتا أحمد خير وبابكر بدري من طرازٍ آخر، لأنهما شهادتا معاصرَين لا مؤرخَين. فأحمد خير يكتب بلسان الخرّيج الذي صنعه المستعمر ثم حاربه، ويرى أن الإدارة أرادت متعلمين يكتبون ولا يفكرون، وأن الخريجين لم يجدوا سبيلًا إلى السياسة إلا بانتزاعها [28]. وبابكر بدري يكتب بلسان رجلٍ عاش المهدية مقاتلًا، والحكم الثنائي معلّمًا، فلا يمدح ولا يلعن، بل، يروي كيف يتدبّر المرء أمره بين عهدين، ويأخذ من العهد الجديد مدرسةً للبنات كان العهد القديم سيعدّها بدعة [13]. والخلاصة من هذه الأقلام جميعًا أن السودانيين لم يكونوا متلقّين سلبيين لحسنات المستعمر وسيئاته، بل، كانوا طرفًا فاعلًا انتزع بعض الحسنات، وقاوم بعض السيئات، ودفع ثمن الباقي.
الميزان، ثلاثة معايير لا معيارٌ واحد
الحكم على الكفّتين يتوقّف على المعيار الذي يُوزن به. وأول المعايير معيار المقارنة بما سبق. فإذا قيس الحكم الثنائي بالتركية السابقة، بضرائبها الباهظة، وزرائبها، وتجارة الرقيق التي ازدهرت في ظلّها، وبالمهدية، بحروبها الداخلية، ومجاعاتها، وتهجيرها، فإن كفّة الحكم الثنائي تبدو أخفّ وطأةً على الحياة اليومية للسوداني العادي في الشمال والوسط: أمنٌ أكثر، وضرائب أخفّ، وقضاءٌ أنزه، وموتٌ أقل في السنوات العادية [5][11]. وبهذا المعيار وحده قد ترجح كفّة الحسنات.
والمعيار الثاني معيار المستفيد. والسؤال هنا: لمن أُنشئت الحسنات؟ فسكة الحديد مُدّت أولًا لنقل جيش الغزو، ثم لنقل القطن إلى الميناء. والميناء أُنشئ لتصدير القطن. والمشروع أُنشئ لإطعام مصانع لانكشاير. والكلية أُنشئت لتخريج موظفين يُديرون الدولة بأجورٍ أقل من أجور البريطانيين. والطب الحديث بدأ لحماية الجيش والموظفين الأوروبيين من الأوبئة، ثم امتدّ إلى الناس [14][10][6]. أي إن الحسنات، في أغلبها، كانت أدواتٍ لغرضٍ استعماري، ووصل نفعها إلى السودانيين نتيجةً جانبية، وإن كانت نتيجةً حقيقية. أما السيئات فكانت في أغلبها مقصودةً بذاتها: قانون المناطق المقفولة لم يُصدر سهوًا، والإدارة الأهلية لم تُفرض خطأً، وتأخير السودنة لم يكن صدفة. وبهذا المعيار ترجح كفّة السيئات.
والمعيار الثالث، وهو الأهم، معيار الإرث. ما الذي بقي في السودان بعد سبعين عامًا من رحيل آخر حاكم عام بريطاني؟ بقيت سكة الحديد، ثم تآكلت بإهمال الحكومات الوطنية. وبقي مشروع الجزيرة، ثم تدهور. وبقيت جامعة الخرطوم، وهي أطول الحسنات عمرًا. وبقيت الخدمة المدنية، ثم سُيّست وفُكّكت. أما السيئات فقد بقيت كلها، بل، تضخّمت: انفصل الجنوب عام 2011 بعد حربين أهليتين كانت بذرتهما الأولى في قانون 1922 ومذكرة 1930 [17][25]، وما تزال ثنائية المركز والهامش تُشعل الحروب في دارفور، وكردفان، والنيل الأزرق، وما تزال القبيلة التي ثبّتها قانون المشايخ وحدةً سياسية مسلّحة، وما تزال الطائفة لاعبًا في السياسة. فالحسنات كانت مبانيَ تحتاج إلى صيانة، فتهدّمت حين غابت الصيانة، والسيئات كانت بنىً تعيد إنتاج نفسها، فعاشت بعد رحيل صانعها.
الكفّة الراجحة
بعد وضع الحسنات العشر والسيئات الإحدى عشرة في الميزان بالمعايير الثلاثة، يتّضح أن الكفّة الراجحة هي كفّة السيئات. وهذا الترجيح لا ينفي الحسنات، بل، يضعها في موضعها الصحيح: فهي حسناتٌ حقيقية، انتفع بها السودانيون فعلًا، وما زال بعضها شاهدًا قائمًا في الخرطوم، وعطبرة، وبورتسودان، والجزيرة. ولكنها كانت في الأصل وسائل لخدمة المستعمر، وجاء نفعها للسودانيين ثمرةً جانبية، أما السيئات فقد أصابت بنية الدولة السودانية نفسها: وحدتها، وتوازن أقاليمها، وطريقة حكمها، وعلاقة مواطنيها بعضهم ببعض.
ثم إن الحسنات قابلةٌ للتعويض، فالسكك، والموانئ، والجامعات تبنيها أي دولةٍ وطنية تملك الإرادة والمال، كما بنتها شعوبٌ لم تُستعمر. أما السيئات فيصعب علاجها، لأن الشعب الذي قُسّم بقانون، والإقليم الذي هُمّش بسياسة، والقبيلة التي ثُبّتت بمرسوم، لا يعودون إلى ما كانوا عليه بقرارٍ إداري معاكس. ولذلك فإن السؤال الأدقّ ليس «ماذا أعطانا الإنجليز؟»، بل، «ماذا كان سيصنع السودانيون بأرضهم، وقطنهم، ونيلهم لو تُركوا يصنعون؟». وهذا سؤالٌ لا يملك أحدٌ جوابه، لأن الاستعمار، فيما سلب، سلب السودانيين أيضًا حقّ التجربة.
ويبقى أن الحنين الذي تختصره عبارة «حليل زمن الإنجليز» ليس شهادةً للإنجليز بقدر ما هو شهادةٌ على من جاء بعدهم. فالناس لا يمدحون المستعمر لأنه كان عادلًا، بل، لأن الذين ورثوه لم يكونوا أعدل منه. وهذا حكمٌ على الدولة الوطنية لا على الاستعمار، ولا يصحّ أن يُستعمل لتبرئة من فتح البلاد بالرشاشات، ثم أغلق نصفها بقانون، ثم خرج منها تاركًا خلفه سكة حديدٍ ومشروع قطن، وقنبلةً موقوتة في الجنوب انفجرت قبل أن يُرفع علم الاستقلال.
المراجع
[1] Encyclopaedia Britannica. “Battle of Omdurman.” Encyclopaedia Britannica, Chicago.
https://www.britannica.com/event/Battle-of-Omdurman
[2] Churchill, Winston S. The River War: An Historical Account of the Reconquest of the Soudan. 2 vols. London: Longmans, Green and Co., 1899.
[3] McKenna, Amy (rev.). “Anglo-Egyptian Condominium.” Encyclopaedia Britannica, Chicago.
https://www.britannica.com/event/Anglo-Egyptian-Condominium
[4] Daly, M. W. Empire on the Nile: The Anglo-Egyptian Sudan, 1898–1934. Cambridge: Cambridge University Press, 1986.
[5] Holt, P. M., and M. W. Daly. A History of the Sudan: From the Coming of Islam to the Present Day. 6th ed. Harlow: Pearson Longman, 2011.
[6] Hill, Richard. Sudan Transport: A History of Railway, Marine and River Services in the Republic of the Sudan. London: Oxford University Press, 1965.
[7] Encyclopaedia Britannica, 11th ed. “Port Sudan.” Vol. 22. Cambridge: Cambridge University Press, 1911.
[8] الجزيرة نت. «”الشيخ برغوت” في بورتسودان.. حكاية مرسى تحول إلى ميناء». موسوعة الجزيرة، الدوحة، 6 أكتوبر 2021.
https://www.aljazeera.net/encyclopedia/2021/10/6/مخزون-الأدوية-على-وشك-النفاد-هذه-حكاية
[9] Gotto, Francis. “The Gezira Canalisation Scheme.” Sudan Archive Blog, Archives and Special Collections, Durham University Library, Durham, 5 November 2021.
https://libguides.durham.ac.uk/asc-sudan-archive/blog/202105
[10] Barnett, Tony. The Gezira Scheme: An Illusion of Development. London: Frank Cass, 1977.
[11] القدال، محمد سعيد. تاريخ السودان الحديث 1820–1955. الطبعة الثانية. السودان: مركز عبد الكريم ميرغني، 2002.
[12] University of Khartoum. “History.” University of Khartoum, Khartoum.
https://uofk.edu/index.php/about
[13] بدري، بابكر. تاريخ حياتي. ثلاثة أجزاء. مطبعة مصر، 1959.
[14] Bell, Heather. Frontiers of Medicine in the Anglo-Egyptian Sudan, 1899–1940. Oxford Historical Monographs. Oxford: Clarendon Press, 1999.
https://doi.org/10.1093/acprof:oso/9780198207498.001.0001
[15] Warburg, Gabriel. The Sudan under Wingate: Administration in the Anglo-Egyptian Sudan, 1899–1916. London: Frank Cass, 1971.
[16] Abd al-Rahim, Muddathir. Imperialism and Nationalism in the Sudan: A Study in Constitutional and Political Development, 1899–1956. Oxford: Clarendon Press, 1969.
[17] Johnson, Douglas H. The Root Causes of Sudan’s Civil Wars. Oxford: James Currey; Bloomington: Indiana University Press, 2003.
[18] Sharkey, Heather J. Living with Colonialism: Nationalism and Culture in the Anglo-Egyptian Sudan. Berkeley: University of California Press, 2003.
[19] Daly, M. W. Imperial Sudan: The Anglo-Egyptian Condominium, 1934–1956. Cambridge: Cambridge University Press, 1991.
[20] Husabø, Terje Ovrid. “Wad Habouba-opprøret i Sudan i 1908.” MA thesis in History, University of Bergen, Bergen, 2011.
https://hdl.handle.net/1956/19455
[21] Encyclopaedia Britannica. “ʿAli Dīnār.” Encyclopaedia Britannica, Chicago.
https://www.britannica.com/biography/Ali-Dinar
[22] Johnson, Douglas H. (ed.). Empire and the Nuer: Sources on the Pacification of the Southern Sudan, 1898–1930. Fontes Historiae Africanae. Oxford: Oxford University Press for the British Academy, 2016.
[23] كوريتا، يوشيكو. علي عبد اللطيف وثورة 1924، بحث في مصادر الثورة السودانية. ترجمة مجدي النعيم، تقديم محمد سعيد القدال. القاهرة: مركز الدراسات السودانية، 1997.
[24] بشير، محمد عمر. تاريخ الحركة الوطنية في السودان 1900–1969. ترجمة هنري رياض، ووليم رياض، والجنيد علي عمر. الطبعة الثانية. بيروت: دار الجيل، 1987.
[25] رزق، يونان لبيب. «مشكلة جنوب السودان.. أصل النشأة الأولى». الجزيرة نت، الدوحة، 3 أكتوبر 2004.
https://www.ajnet.me/2004/10/03/مشكلة-جنوب-السودان-أصل-النشأة-الأولى
[26] بشير، محمد عمر. تطور التعليم في السودان 1898–1956. ترجمة هنري رياض. بيروت: دار الجيل؛ الخرطوم: مكتبة خليفة عطية، 1970.
[27] بخيت، جعفر محمد علي. الإدارة البريطانية والحركة الوطنية في السودان 1919–1939. ترجمة هنري رياض. بيروت: دار الثقافة، 1972.
[28] خير، أحمد. كفاح جيل، تاريخ حركة الخريجين وتطورها في السودان. الخرطوم: الدار السودانية للكتب، 1970 (الطبعة الأولى 1948).
[29] Sikainga, Ahmad Alawad. Slaves into Workers: Emancipation and Labor in Colonial Sudan. Austin: University of Texas Press, 1996.
[30] حاج حمد، محمد أبو القاسم. السودان، المأزق التاريخي وآفاق المستقبل. الطبعة الأولى. بيروت: دار الكلمة، 1980.

rkhalifa747@gmail.com

Author
الرشيد خليفة

الرشيد خليفة

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

كمال الهدي
كم عاطل تعاقد معه الكاردينال!! .. بقلم: كمال الهِدي
منبر الرأي
“ميثاق الفجر الجديد” … الحكومة الإنتقالية !! .. بقلم: سيف الدولة حمدناالله
الأخبار
حرب السودان تحتدم في إقليم كردفان .. هجمات مكثفة على الأُبيّض بمسيّرات «الدعم السريع»
منبر الرأي
بين ضفاف البحيرة وصحراء الخوف (3/3)
إلى عمار محمد آدم: لقد كفرت بالتنظيم، وبقي أن تَّطهر من الفكرة !! .. العلمانية ليست سُبَّة، و”الكيزان” ليسوا علمانيون !. بقلم: عزالدين صغيرون

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

المناهج التربوية … ومناورات السياسة: هل سيكون دكتور القراي ضحية لتلك المناورات؟ .. أ.د يس محمد يس

طارق الجزولي
منبر الرأي

الدولة المدنية الديمقراطية ضمان لوحدة السودان …. بقلم: تاج السر عثمان

تاج السر عثمان بابو
منبر الرأي

عن الحقد النوعي أو ضغينة المنشق .. بقلم: إبراهيم عثمان

طارق الجزولي
منبر الرأي

صراعات القبائل العربية في دارفور .. بقلم: صلاح شعيب

صلاح شعيب
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss