قراءة نقدية في تصريحات رئيس المؤتمر الوطني المفوّض ومفارقات خطاب الحرب
بقلم: طلعت محمد الطيب
تكشف التصريحات الأخيرة لأحمد هارون، رئيس حزب المؤتمر الوطني المفوّض، عن محاولة سياسية واضحة لإعادة صياغة رواية الحركة الإسلامية حول سقوط نظام الإنقاذ، والحرب الراهنة، ومستقبل الإسلاميين في السودان. فالرجل الذي ظل بعيداً عن الظهور الإعلامي منذ عام 2019، يعود الآن بخطاب لا يكتفي بالدفاع عن حزبه، بل يسعى إلى إعادة تقديمه بوصفه طرفاً وطنياً تعرض للخيانة، وليس قوة سياسية تتحمل مسؤولية تاريخية عن انهيار الدولة السودانية.
إن قراءة هذه التصريحات لا يمكن أن تنفصل عن التاريخ السياسي لأحمد هارون، ولا عن الدور الذي لعبته الحركة الإسلامية في عسكرة السياسة، وتوظيف المليشيات في الحروب الداخلية، وإضعاف مؤسسات الدولة، ثم السعي إلى العودة إلى السلطة من بوابة الحرب.
أولاً: إنكار العلاقة بالبرهان لا ينفي التحالف الموضوعي
ينفي أحمد هارون وجود علاقة عضوية أو ترتيب سياسي خفي بين المؤتمر الوطني والبرهان، ويعزو التقارب إلى ظروف الحرب وميدان المعركة. لكن هذا النفي يبدو أقرب إلى محاولة الفصل بين العلاقة التنظيمية المباشرة وبين التحالف السياسي الموضوعي.
فالسؤال ليس فقط ما إذا كان هناك اتفاق سري بين الطرفين، وإنما ما إذا كانت الحرب قد وفرت للحركة الإسلامية فرصة لاستعادة نفوذها داخل مؤسسات الدولة والجيش.
إن وجود الإسلاميين في صفوف القوات المسلحة، وتلاقي مصالحهم مع قيادة الجيش في مواجهة الدعم السريع، لا يحتاج بالضرورة إلى اتفاق مكتوب حتى يصبح تحالفاً سياسياً ذا آثار ملموسة.
غير أن هذا الدفاع يتجاهل السياق التاريخي الذي جعل العلاقة بين الحركة الإسلامية والمؤسسة العسكرية واحدة من أهم إشكالات السياسة السودانية.
ثانياً: الإسلاميون والحرب.. إعادة توزيع المسؤولية
يصف هارون اتهام الإسلاميين بإشعال الحرب بأنه اتهام سمج، ويؤكد أنهم لا يمتلكون جيشاً، وأن مشاركتهم في القتال جاءت استجابة لنداء القائد العام.
لكن هذا الدفاع يتجاهل حقيقة أن الحركة الإسلامية لم تكن مجرد حزب سياسي عادي خلال فترة حكم الإنقاذ، بل كانت صاحبة مشروع لإعادة تشكيل الدولة والمجتمع، وقد ارتبط هذا المشروع بتوسيع دائرة العسكرة، وتوظيف المليشيات، وإضعاف المؤسسة العسكرية المهنية لصالح شبكات الولاء السياسي.
إن مسؤولية الإسلاميين عن الحرب لا تختزل في السؤال عما إذا كانوا قد أطلقوا الرصاصة الأولى، وإنما تتعلق أيضاً بإرثهم في عسكرة السياسة، وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة على أسس الولاء، وإضعاف المؤسسات المدنية، وتوسيع نفوذ التشكيلات المسلحة.
وبالتالي، فإن نفي امتلاكهم جيشاً خاصاً لا يكفي لنفي مسؤوليتهم السياسية والتاريخية عن البيئة التي انفجرت فيها الحرب.
ومن المفارقات أن أحمد هارون، الذي يتحدث اليوم عن حماية الدولة ووحدتها، ارتبط اسمه في الماضي بتوظيف المليشيات في الحروب الداخلية، ولا سيما في دارفور، حيث استخدم نظام الإنقاذ قوات الدعم السريع، التي نشأت من بيئة مليشيات الجنجويد، ضمن منظومة الحرب بالوكالة ضد الحركات المسلحة والقبائل الإفريقية.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل تصريحه الشهير الذي خاطب به القوات المقاتلة في جنوب كردفان عام 2012:
«امسح، اكسح، قشو، ما تجيبو حي، ما تعملوا لينا عبء إداري».
وهو تصريح أثار انتقادات واسعة، لما ينطوي عليه من دعوة إلى عدم إبقاء الأسرى أحياء، والتعامل معهم باعتبارهم عبئاً إدارياً، بدلاً من الالتزام بالقواعد الإنسانية والأخلاقية للحرب.
ومن المهم التوضيح أن هذا التصريح ورد في سياق الحرب بجنوب كردفان ضد الحركة الشعبية – قطاع الشمال، وليس في دارفور مباشرة. لكن استحضاره هنا يكتسب دلالته من طبيعة الخطاب الحربي الذي ارتبط بقيادات نظام الإنقاذ، ومن الدور الذي لعبته تلك المنظومة في توظيف المليشيات في الحروب الداخلية.
وتبرز هنا مفارقة سياسية وأخلاقية أخرى: فبعض القبائل الإفريقية التي تعرضت للحرب والتنكيل في دارفور، والتي كانت حركات مسلحة من أبنائها في مواجهة نظام الإنقاذ ومليشياته، أصبح مقاتلون منها اليوم ضمن القوات المشتركة.
إن التحالفات العسكرية الراهنة لا تمحو ذاكرة الصراعات السابقة، ولا تلغي التناقضات التاريخية. بل تكشف عن مدى تعقيد الحرب السودانية، وعن قدرة المصالح السياسية والعسكرية على إعادة تشكيل التحالفات بين أطراف كانت في الماضي على طرفي نقيض.
والسؤال الذي يفرض نفسه: كيف يمكن لمنظومة سياسية وظفت المليشيات في حروبها ضد السودانيين أن تقدم نفسها اليوم باعتبارها حامية الدولة ووحدتها؟
ثالثاً: وصف سقوط نظام الإنقاذ بالانقلاب والخيانة
وصف هارون ما جرى في أبريل 2019 بأنه انقلاب وخيانة، مع تحميل صلاح قوش المسؤولية الأساسية.
وهنا تتجلى محاولة واضحة لإعادة كتابة التاريخ من منظور النظام السابق. فالثورة السودانية لم تكن مجرد مؤامرة داخل أجهزة النظام، بل كانت تعبيراً عن أزمة اجتماعية وسياسية عميقة، وعن رفض شعبي واسع لثلاثة عقود من الحكم الاستبدادي.
إن اختزال سقوط الإنقاذ في دور صلاح قوش أو في خيانة بعض أركان النظام يتجاهل الأسباب البنيوية التي أدت إلى انهياره، وفي مقدمتها الفشل الاقتصادي، والقمع السياسي، والحروب الداخلية، وغياب الحريات.
لقد سقط النظام لأن المجتمع السوداني لم يعد قادراً على احتمال استمرار حكمه.
إن تصوير ما جرى باعتباره خيانة داخلية لا يعدو أن يكون محاولة لتبرئة المشروع السياسي نفسه من المسؤولية عن انهياره، وتحويل الثورة الشعبية إلى مجرد صراع بين أجنحة السلطة.
رابعاً: استسلام الدعم السريع أم مشروع الدولة؟
يتبنى هارون موقفاً متشدداً من الدعم السريع، ويرى أن الحرب ينبغي أن تنتهي باستسلامه الكامل.
لكن المشكلة تكمن في تحويل هذا الهدف إلى مشروع سياسي مكتمل، وكأن القضاء على الدعم السريع وحده كفيل بإعادة بناء السودان.
إن موقف هارون وحزبه الإسلامي لا يمكن فهمه إلا في إطار رفض قيادة الدعم السريع أن تكون أداة في الحرب بالوكالة عن الإسلاميين، أو أن تخضع لمشروعهم السياسي.
ومع ذلك، فإن نقد الدعم السريع ورفض انتهاكاته لا يعني منح الحركة الإسلامية صك براءة من مسؤوليتها التاريخية عن عسكرة الدولة وتفكيك مؤسساتها.
فالسودان لا يحتاج فقط إلى إنهاء التمرد المسلح، وإنما يحتاج إلى إعادة تأسيس الدولة على قاعدة جيش مهني موحد، وسلطة مدنية ديمقراطية، ومؤسسات خاضعة للمساءلة.
إن هزيمة الدعم السريع، إذا انتهت إلى إعادة إنتاج هيمنة الحركة الإسلامية أو إلى استمرار الوصاية العسكرية، لن تحقق أهداف الثورة السودانية، بل قد تفتح الباب أمام دورة جديدة من الاستبداد والحروب.
خامساً: الحرب باعتبارها مواجهة دولية
يتحدث هارون عن أبعاد دولية للحرب، ويوجه اتهامات للإمارات، مع الإشادة بدور دول إقليمية أخرى.
لكن هذا الخطاب يثير إشكالية تفسير الأزمة السودانية من خلال العامل الخارجي وحده.
فالتدخلات الخارجية حقيقية ومؤثرة، غير أنها لا تلغي مسؤولية القوى السودانية عن خياراتها السياسية والعسكرية. كما أن تصوير الصراع باعتباره مواجهة بين قوى خارجية متآمرة وقوى وطنية مدافعة عن السودان قد يؤدي إلى إعفاء الأطراف الداخلية من مسؤولياتها.
إن العامل الخارجي لا يمكن فهمه بمعزل عن هشاشة الدولة السودانية، وعن تنافس القوى المحلية على السلطة والثروة، وعن البنية السياسية والعسكرية التي تشكلت خلال عقود من الحكم الاستبدادي.
وبالتالي، فإن مواجهة التدخلات الخارجية تتطلب أولاً بناء دولة ذات مؤسسات وطنية مستقلة، لا إعادة إنتاج النظام الذي ساهم في إضعافها.
سادساً: الانتخابات وعودة الإسلاميين
لعل أخطر ما في تصريحات هارون هو حديثه عن مستقبل المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، وعن إمكانية عودتهما إلى السلطة عبر الانتخابات، مع تأكيده أن الجيش سيظل جزءاً من المشهد السياسي.
وهنا نصل إلى جوهر الخطاب.
فالتصريحات لا تبدو مجرد دفاع عن موقف الإسلاميين من الحرب، وإنما تحمل مشروعاً سياسياً يسعى إلى تطبيع وجودهم في الحياة السياسية، وإعادة تقديمهم باعتبارهم قوة يمكن أن تعود إلى الحكم من خلال صناديق الاقتراع.
لكن الانتخابات ليست مجرد إجراء شكلي. إنها تفترض وجود بيئة سياسية حرة، ومؤسسات محايدة، ومساواة بين القوى المتنافسة، ومحاسبة على الجرائم والانتهاكات السابقة.
فكيف يمكن الحديث عن عودة ديمقراطية لحزب ارتبط حكمه بتفكيك المؤسسات المدنية، وإقصاء الخصوم، وتوظيف أجهزة الدولة لمصلحة التنظيم، دون معالجة هذه المسائل؟
كما أن إصرار هارون على بقاء الجيش في السياسة يكشف عن تناقض جوهري مع مفهوم الحكم المدني الديمقراطي. فالجيش، في الدولة الديمقراطية، يخضع للسلطة المدنية ولا يشكل شريكاً سياسياً دائماً في إدارة الحكم.
إن الحديث عن الانتخابات لا يمكن أن يكون بديلاً عن المساءلة، ولا يمكن أن يتحول إلى وسيلة لتجاوز تاريخ طويل من الاستبداد والحروب.
لا سلام بإعادة إنتاج النظام السابق
تكشف تصريحات أحمد هارون عن محاولة لإعادة صياغة الأزمة السودانية من منظور الحركة الإسلامية، بحيث تتحول مسؤولية النظام السابق إلى مجرد خلافات داخل السلطة، وتصبح العودة إلى الحكم احتمالاً سياسياً مشروعاً دون مراجعة حقيقية للتجربة.
لكن أزمة السودان ليست مجرد صراع بين الجيش والدعم السريع، ولا مجرد مؤامرة خارجية، بل هي أزمة دولة نشأت وتفاقمت بفعل عقود من الاستبداد والعسكرة والإقصاء والفساد.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان المؤتمر الوطني يستطيع العودة إلى السلطة، وإنما ما إذا كان السودان يستطيع بناء دولة ديمقراطية دون مساءلة القوى التي ساهمت في تقويضها.
إن السلام لا يتحقق بمجرد انتصار طرف عسكري على آخر، ولا بإعادة تدوير النظام السابق تحت شعارات جديدة، وإنما بإقامة دولة المواطنة، والعدالة، والحكم المدني، والمحاسبة.
وذلك يقتضي إرغام الحركة الإسلامية، بوصفها طرفاً سياسياً وعسكرياً مؤثراً في الحرب، على الجلوس إلى طاولة التفاوض من أجل إنهائها، والتوقيع على اتفاق سلام عن يد وهم صاغرون. سلاما يضع حداً للحرب ويؤسس لانتقال مدني ديمقراطي، لا أن تفرض نفسها على مستقبل السودان بقوة السلاح أو عبر تحالفاتها العسكرية.
فالسودان الذي خرجت جماهيره في ديسمبر 2018 مطالبة بالحرية والسلام والعدالة، لا يمكن اختزال مستقبله في عودة الإسلاميين إلى السلطة، أو استمرار المؤسسة العسكرية وصيةً على السياسة.
إن استعادة الدولة السودانية تبدأ بمواجهة الماضي، لا بإنكاره، وبإخضاع جميع القوى السياسية والعسكرية للمساءلة، لا بمنح أي منها حصانة تاريخية أو سياسية.
فالحرية والسلام والعدالة لا يمكن أن تتحقق بإعادة إنتاج القوى التي ساهمت في تقويضها.
