ديل مهندسين ساكت .. بقلم: د. عزت ميرغني طه

izattaha@yahoo.com

 

حتما أن البساط قد سحب من تحت الموظفين فلم يعد ينظر لهم كقدوة و مثلا أعلى يطلب ودهم التجار و يحثوهم على الاستدانة منهم فهم صك مضمون و ليس كل أول الشهر ببعيد… كما لا يمانع بل يشجع التجار أن يخطبوا لبناتهم من الموظفين في الأرض فهم الذين يفكون الخط و يسافرون الى الخارج مبعوثين و يعودون بالسيارات و العفش و يتدرجوا في الوظائف وفق نسق محفوظ يتنقلون من مدينة لآخرى و في كل مدينة جهز حي الموظفين بكل شئ؛ و كانت "بيوته" تختلف عن سائر منازل المدينة و يتميز منزل المدير من منازل بقية الموظفين ليس في شكلها و لكن في عدد الغرف و البرندات و غرف الغفير و عدد المراحيض… و كان لكل فئة منازلهم و يجتهد مسئولى الأشغال بتهيئتها جميعها و صيانتها لتكون ناصعة البياض و تقف علما في المدن… و غالبا ما يختاروا منزلا أو اثنين من تلك المنازل حيث يكون واسعا متعدد الغرف و البرندات و غالبا ما يكون على مرمى من بيوت المتزوجين ليخصص للموظفين الغير متزوجين و يسمى فيما بعد (بالميز).

 

اشتهرت في مدن السودان المختلفة "ميزات" الموظفين بأنواعها و اختلاف عملهم فكانت هناك ميزات الأطباء و ناس الجيش و القضائية و كانت هناك اشلاقات البوليس و منازل السكة حديد و عرفت الميزات بأنها مسرحا لكل شئ ففيها الصالح و فيها الطالح "المارق للربا و التلاف" كما يقولون و تسمع فيها صوت (العود) بالليل و ضحكات المجتمين و تسمع فيها آذان الفجر فكل يعرف حدوده و قلما يوجد من يتعدى على حقوق الآخرين… فالضبيحة و عملها يشترك فيه الكل و يتسامر الجميع حولها و تسمع النكات ممن يقارع الكأس و ممن يحلو لهم مقارعة الجلسات دون خمر… يستجيب سكان (الميزات) للنفرة و عمل الخير في الحي و لي مشي الدافنة، و تكثر فيها العوازيم و الأفراح شأنها كسائر البيوت و تأتي السيارات صباح كل يوم لتأخذ الموظفين في الصباح الباكر لمقار أعمالهم في نواحي المدينة المختلفة، أو تدور (اللاندروفرات) منها كذلك.

 

بالرغم من الحيوية التي تكتنف تلك (الميزات) و الحرية المطلقة التي تعم في أرجائها الا أن ذلك التفويض الذي منحه المجتمع لسكانها كان لا يسيئون استخدامه فسكانها محترمون لا يعاكسوا بنات الحي و لا يعتدون على أعراض الناس و لا يفتعلون المشاكل.. فهم في حالهم دائما و ساعد أن حي الموطفين و الميزات دائما ما تكون بعيدة عن أحياء سائر المواطنين لذا كان لا يتحرج الموظفين في الميزات من استقبال الزوار من الجنس الآخر وفق أسس و ضوابط لا تجرح أحدا و يعرف الزوار حدودهم فلا يطلقوا العنان للضحكات المجلجلة و الغنا فكل شئ كان بمقدار… و كانت في بعض المناطق العاملات من النساء في تلك الميزات يجهزون الأكل و يغسلون و يفرشون السراير لا غضاضة فهو عمل شريف و لكن فيهم ما يمكن أن يمتد عملهن لأكثر من فريش السراير و هم قلة يستجيب لها "الممسوخين" في الميزات فكان أن كان هناك (ميزا) في حتة ما يسكنه مهندسين و الذي جائهم مهندسا للسكن معهم و مضت الأيام و كان أن مضى كل سكانه فتبقى ذلك المهندس وحده فصعب حاله على المراة التي كانت تعمل في خدمته و صارت بعد أن تقضى عملها و تهيئ أي شي في المنزل تتودد له و هو يصدها و كمان مرة عاوز يتونس معها و كان بالمنزل (كر) بتاع دجاج كان يسقيهم و يرمي لهم بالأكل مرة فلاحظ أن هناك ديوكا أكثر من الدجاج فالطبيعي أن يستغرب فقال لها:

        انتي ليه عدد الديوك كثيرة فالطبيعي أن يكون واحدا و البقية اناث

فيبدو أن خيبة أملها في مودته قد أقلقتها و لم تجد غير أن ترد له بكل ذكاء

        أن الديك واحد… أهو داك لكين الباقين ديل مهندسين ساكت …!!!!

عن د. عزت ميرغني طه

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً