بطولة افريقيا للمحليين: خواطر ذاتية وحلم شخصي … بقلم: د. خالد محمد فرح


Khaldoon90@hotmail.com  
يستضيف السودان بعد أقل من أسبوع من الآن في مدن الخرطوم وأم درمان وودمدني وبورتسودان ، فعاليات الدورة الثانية لبطولة كأس الأمم الافريقية لكرة القدم للاعبين المحليين ، بعد أن كانت النسخة الاولى من هذه البطولة الجديدة من نوعها ، قد جرى تنظيمها في ساحل العاج في عام 2009 م.
وسوف تشارك في هذه البطولة منتخبات وطنية لستة عشر دولة افريقية ، ستتبارى  فيما بينها ، مقسمة على أربع مجموعات تضم كل واحدة منها اربعة منتخبات موزعات على المدن السودانية الاربع المذكورة.
وعليه ، فسوف يكون السودان بإذن الله ، محط أنظار الملايين في شتى أنحاء العالم لمدة ثلاثة أسابيع تمتد من الرابع من شهر فبراير ، وحتى الخامس والعشرين منه ، لكي يشهدوا من على ثرى أرضه حدثا كبيرا ومدويا ، وخصوصا مفارقا لما درج الناس على سماعه ومشاهدته وقراءته عن السودان منذ سنوات خلون ، إذ ظلت معظم الاخبار والحوادث التي تتعلق بالسودان ، أو تدور بداخله ، ويعمد الاعلام العالمي الى ترويجها عنه ، تتمركز حول الوقائع والتطوات السياسية والاقتصادية والبيئية ، مع الميل الملحوظ نحو تكريس الجانب السلبي أو الكارثي من تلك الوقائع والتطورات ، بينما ندر جدا أن اهتم الاعلام العالمي باي حدث ثقافي او رياضي ، على سبيل المثال ، اذا كان ذلك الحدث ذا صلة بالسودان.
ربما بدت هذه الرؤية موغلة في الذاتية ، إن لم نقل إنها ؤية غارقة في المقاربة العاطفية لطبيعة الإعلام من حيث هي ، سواء كان ذلك الإعلام عالميا او محليا. بمعنى ان الاعلام من حيث هو ، وفي كل مكان وزمان ، إنما يقتات على السلبي والمفارق والمثير ، ويتجانف عن الايجابي والعادي والمألوف. فهو – على نحو ما – مثل الشعر الذي يكون أعذبه أكذبه كما يقال ، أو قل هو مثل النميمة ، أو ما صار يعرف مؤخرا ب " الشمار " في مجالس الانس ، التي يعبر السودانيون عن دورهما المزعوم في إضفاء نكهة سردية مميزة ، ومفعمة بالغواية على الأنس ، بقولهم في مثلهم الشعبي " القطيعة عنكوليب الحديث ".
ولا تغرنك عبارة أهل الاعلام الشائعة: اذا عض كلب إنسانا فان ذلك ليس خبراً ، وانما الخبر هو ان يعض الانسان كلبا ، ذلك بانهم اذا علموا على سبيل المثال ، ان الف كلب قد عضت عشرة آلاف شخصا في مدينة ما ، مما تسبب في استشراء حالة سعر وبائية على نطاق واسع ، لأرجفوا بهذا الخبر ، وطاروا به وأذاعوه على الفور ، وجعلوه على صدور نشراتهم وصحائفهم ، فتأمل.
هذا ، وما يزال الضعفاء والمهمشون في شتى أنحاء العالم ، يشتكون من أن إعلام الأقوياء والمتنفذين لا يأبه عادة بإنجازاتهم ومحاسنهم ، بل يحرص في المقابل على إبراز إخفاقاتهم ومعايبهم. وهو لعمري ذات الإحساس الذي حدا بدول العالم الثالث مجتمعة ، إلى المطالبة من خلال منظمة اليونسكو في عهد مديرها العام الأسبق السنغالي الجنسية ، البروفيسور أحمد مختار امبو ، بقيام نظام إعلامي عالمي جديد منذ سبعينيات القرن العشرين ، يهدف الى اصلاح الخلل ، ومعالجة انخرام التوازن في تدفق الأخبار ونشرها على مستوى العالم ، تلك المطالبة التي كلفت البروفيسور امبو منصبه في نهاية الامر كما هو معروف.
مهما يكن من أمر ، فإن استضافة السودان لهذه المناسبة الرياضية القارية الهامة ، لهي مزية نادرة من شأنها أن تتيح للبلاد فرصة ثمينة لتقديم صورة إيجابية عنها ليس من الناحية الرياضية فحسب ، وإنما أيضا من النواحي السياسية والامنية والاقتصادية والسياحية والاجتماعية والاعلامية والثقافية ، حيث من المتوقع أن يتقاطر على السودان آلاف اللاعبين والاداريين والاعلاميين والصحفيين والمشجعين الافارقة ، علاوة على قيادتي الاتحادين الدولي والافريقي لكرة القدم وغيرهم من كبار المدعوين ، وذلك على الرغم منأان مصدر القلق والاشفاق فيما يلي الاستغلال والتوظيف الاعلامي لهذا الحدث الضخم ، يظل حتى الآن ، هو عدم وضوح الرؤية حتى هذه اللحظة بالنسة لتحديد القناة ، او القنوات الفضائية الاجنبية ذوات المشاهدة العالية ، التي سوف تتولى نقل فعاليات هذه البطولة إلى اكبر عدد من المشاهدين على مستوى العالم ، وخصوصا الدول الافريقية ، اذ ان ذلك وحده هو الكفيل بضمان نجاح هذه البطولة ، وتحقيقها للاهداف التي يعلقها السودان عليها ، في ظل هذا الظرف الدقيق الذي بات يمر به هذا الوطن المبتلى والصابر.
على أنني كنت أود على المستوى الشخصي ، أن لو أتاحت لي الظروف الفرصة لشهود هذه المناسبة العظيمة كفاحاً من داخل أرض الوطن ، ولكن ظروف العمل خارج البلاد ، قد حالت دون ذلك مع الأسف. ذلك بأن من النادر تكرار مثل هذا الحدث في غضون سنوات قليلة ، علما بان آخر مناسبة مماثلة ، ألا وهي استضافة السودان لنهائي بطولة كاس الامم الافريقية ، قد تمت في عام 1970 م ، وهو تاريخ بعيد نسبياً ، ولا احتفظ انا وابناء جيلي الا بذكريات قصية وغائمة عنه ، وعن تلك البطولة التي اقيمت فيه ، وقد كنا وقتها أصيبية صغارا ، فضلا عن أننا كنا نقيم في الاقاليم ، حيث لم يكن ثمة تلفزيون آنئذٍ. ولم تتبق لنا من تلك المناسبة غير ذكرى خافتة تلفها حجب  كثيفة من تطاول الزمان ، وغفلة الطفولة وغرارتها ، ما تزال تحمل لنا طيف صوت علي الحسن مالك عليه رحمة الله ، وهو يعلق على المباريات من خلال المذياع ، ويردد عبارة كانت ، وما تزال تأسرني تركيبتها النحوية الطريفة: " في اللحظة الكان حيشوت ! " ، وهي مما أؤثر تسميته بالفعل الدال على المستقبل الناقص او غير المكتمل ، أو Incomplete future tense  .
وهكذا طفقت أحلم خلال الايام القليلة الماضية ، بقضاء أمسية شتوية رائعة باستاد الخرطوم – وما اروع شتاءات الخرطوم – ، حيث ستجرى فعاليات حفل افتتاح هذا العرس الافريقي البهيج كما نامل ، في وسط ثلة من الاصدقاء والزملاء الكرام ، ومن بينهم واسطة العقد ، اخونا السفير عمر صالح ، بقفشاته وتعليقاته الفكهة ، خصوصا وانه قد بلغني انه قد ضبط توقيت عطلته السنوية على ايقاع هذه البطولة. كيف لا ! ومثله يفعل ذلك. فقد هبط عينا فجأةً في صيف عام 1998 ، ونحن يومئذ بباريس ، مزوداأ ببطاقات وتصاريح دخول ما أنزل الله بها من سلطان ، والله وحده يعلم كيف حصل عليها ، حيث شهد نهائيات كأس العالم لكرة القدم التي أقيمت في فرنسا عامئذٍ.
وأشاهد بعين الخيال أيضاً ، من ضمن فقرات حفل الافتتاح ، بانوراما مصورة باستخدام مؤثرات الصوت والضوء ، تشتمل على مشاهد تبرز معالم تطور مسيرة السودان الرياضية في مجال كرة القدم تحديداأ مثل: مشهد افتتاح أول بطولة افريقية ، وهي تلك التي استضافها السودان في عام 1957 م ، مع إبراز صور رموز ذلك العهد من الرواد مثل الدكتور عبد الحليم محمد ، والمهندس عبد الرحيم شداد وغيرهما ، مرورًا بصور طائفة من رموز الكرة السودانية ، بأجيالهم المتعاقبة ، من لاعبين وإداريين وصحفيين ، وحتى مشاهير المشجعين مثل المرحوم ( الخزين ) ، مع مرعاة التوازن المطلوب ، وسائر الحساسيات المعوفة ، والتركيز بصفة أخص على إبراز دور السودان الرائد في تاسيس الاتحاد الافريقي لكرة القدم.
ولولا أنني علمت أن فقرة الغناء احتفاءً بهذه المناسبة في حفل الافتتاح ، قد عُهد بها إلى الفنان الكبير شرحبيل أحمد ، وهو من هو ، لسرحت مع خيالي كذلك ، ورأيت المطربين الشباب: جمال فرفور ، وعاصم البنا ، وعصام محمد نور والمجموعة ، وهم يلهبون المشاعر الوطنية ومن بعدها العاطفية ، برائعتي السر قدور وإبراهيم الكاشف: " أرض الخير افريقيا مكاني : و " يوم المهرجان " على التوالي ، ومن خلفهم الفرقة الموسيقية الماسية بقيادة المايسترو: محمد عبد الله محمدية.    
 

عن د. خالد محمد فرح

د. خالد محمد فرح

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً