إمام الأدبـــاء عبد الله بن المقفـع .. بقلم: صـلاح محمـد علـي

salah ali [smali19@hotmail.com]

الخرطـــــــوم _ نوفمــــــــــــبر 2011 م
اشتهر إبن المقفع بكتابه ( كليلة و دمنة ) الذي أتى به من بلاد الهند برزويه الطبيب بطلب من ملك الفرس كسرى أنوشوان الذي كان مهتماً بالعلم و الأدب و النظر في أخبــــــــــار الأوائـــــل فتلطف برزويه حتى أخرجه من بلاد الهنـد وأقـره في خزائـن فارس بعد ترجمته للفارسية .
إبن المقفع هو أبو محمد عبد الله ( 724 م  – 759 م ) مؤلف وكاتب من البصرة   ( تقول بعض المصادر أنه من أصل فارسي )  درس الفارسية و تعلم العربية و اشتهر بالبلاغة و حسن العبارة في كتابة رسائل النثر . كان ذا علم واسع و عـــرف الثقـــافة الفارسية و اليونانية و الهندية . في ظل الدولة العباسية اتصل بعيسى بن علي عم المنصور وظل في خدمته حتى قتله سفيان بن معاوية والي البصرة .
قتل إبن المقفع و هو في مقتبل العمر لم يتجاوز السادسة والثلاثين في الأوج وبيده لواء البلاغة و الفصاحة إلاّ أنه ترك من الآثار ما يشهد على سعة عقله و عبقريته و أنه صاحب المدرسة الرائدة في النثـــر .
نظر في كتاب ( كليلة و دمنة ) الذي ألفه بيدبا الفيلسوف لملك الهند دبشليم وأجرى فيه المواعظ و الحكم على ألسنة البهائم و الطير في حكايات قصيرة مسليّة تتصل واحدتها بالأخرى فأعجبه فقام بترجمته من الفارسية للعربية .
سمعت بكتاب ( كليلة و دمنة ) و قرأت بعضاً منه أيام الطلب.. إلاّ أنني لم أقف على كتاباته الأخرى حتى وقع في يدي مؤخراً كتاب ( آثار ابن المقفع ) الذي ضم أنفـــس آثاره : كتابيْ ( الأدب الكبير ) و ( الأدب الصغير ) :  الأول عن السلطان وعلاقته بالرعيّة و الثاني حول تهذيب النفس و ترويضها على الأعمال الصالحة – فضلاً عن رسالته في الصحابة ، و الدرة اليتيمة ( التي هي قريبة من بتـــــراء زياد بن أبيه من حيث البلاغــــة        و قـوة السبك ) .
ومما قيل في الدرة أنها: ( من الرسائل المفردات اللواتي لا نظير لها وهي من أركان البلاغة ومنها استقى البلغــاء لأنها نهاية في المختار من الكـلام و حسن التأليــف والناس جميعاً مجمعون أنه لم يعبـــر أحد عن مثلها و لا تقدمها من الكلام شئ  قبلها ) . 
و تضم آثاره كذلك رسائله لإخوانه في مناسبات مختلفة ، أكثرها في التعزية في فقد الأبناء و البنات و الأقارب ، ضمّنها اقتباسات من القـرآن الكريـم والأحاديث النبويّة و بعضاً من مآثر العرب فضلاً عن ما عنّ له من أقوال ذات أثر في النفس البشرية من حِـكم فلاسـفة الفرس و اليونان.
الأرجح في أسباب مقتله هو المبالغة في صيغة كتاب الأمان الذي وضعه ليوقع عليه أبو جعفر المنصور أماناً لعمه عبد الله بن علي و يقال أن إبن المقفع قد أفرط في الاحتياط عند كتابة هذا الميثاق بين الرجلين حتى لا يجد المنصور منفذاً للإخلال بعهده .. فممّا جاء في كتاب الأمان :
( إذا أخل المنصور بشرط من شروط الأمان كانت نساؤه طوالق وكان الناس في حلّ من بيعته ) !

من ومضـات إبن المقفـع :-
•    من ورع الرجل ألاّ يقول ما لا يعلم ومن الإرب أن يتثبت فيما يعلم .
•    من أفضل أعمال البر الصدق في الغضب و الجود في العسرة والعفو عند المقدرة و رأس الذنوب الكذب .
•    لا يعجبنّك إكرام من يكرمك لمنزلة أو سلطان فإن السلطان أوشك أمور الدنيّا زوالاً – ولا يعجبنّك إكرامهم إيّاك للنسب فإن الأنساب أقل مناقب الخير غِناءاً عن أهلها في الدين و الدنيا .
•    الدين أفضل المواهب التي وصلت من الله تعالى إلى خلقه و أعظمها منفعة  و أحمدها حكمة – فقد بلغ فضل الدين و الحكمة أن مُدحا على ألسنة الجُهال على جهالتهم بهما و عماهم عنهما .
•    ليس في الدنيا سرور يعدل صحبة الإخوان ولا فيها غم يعدل غم فقدهم .
•    لا يستخف ذو العقل بأحد . وأحق من لا يستخف به ثلاثة الأتقياء والولاة  والإخوان : فإنه من استخف بالأتقياء أهلك دينه ، ومن استخف بالـولاة أهلك دنياه ، و من استخف بالإخوان أهلك مرؤته .
•    خمسة أشياء ليس لها ثبـــات ولا بقـــاء : ظل الغمامة ، وخلة الأشرار( أي صداقتهم ) ، و عشق النساء ، و النبأ الكاذب ، و المال الكثيــــر .
•    خمسة أشياء إذا كن في المرأة كانت أهلاً أن يُحزن عليها : إذا كانت عفيفة ، كريمة الحسب و النسب ، عاقـلة ، جميـلة ، موافقة لزوجها محبة له .
•    ليس خلة هي للغني مدح إلا و هي للفقير عيب :                         فإن كان شجاعاً سُمّي أهوج ، و إن كان جواداً سُمّي مفسداً ، و إن كان حليماً سُمّي ضعيفاً ، و إن كان وقوراً سُمّي بليداً ، و إن كان لسِناً سُمّي مهذاراً ،   و إن كان صموتاً سُمّي عيّياً .

•    على العاقل أن يذكر الموت في كل يوم و ليلة ذكراً يباشر به القلوب و يقذع الطماح : فإن كثــــرة  ذكر الموت عصمة من الشر و أماناً من الهلع .

أطرف ما وجدت في أقاصيص كليلة و دِمنة :-

زعموا أنه بأرض كذا تاجر أراد الخروج لبعض الوجوه و كان عنده مائة رطل من الحديد فأودعها رجلاً من إخوانه . ثم قدِم بعد مدة و التمس الحديد فقــال له الرجل قد أكلته الجــُرذان .
قال التاجر : قد سمعت أن لا شئ أقطع من أنيابها للحديد .. ففرح الرجل بتصديقه على ما ادعى .
ثم أن التاجر خرج فوجد إـبـنـاً للرجل فأخذه وذهب به إلى داره ــــ ثم رجع له الرجل من الغد يسأله : هل عندك علم من إبني ؟
فقال له التاجر إني لما خرجت من عندك بالأمس رأيت بازيــاً قد اختطف صبياً صفته كذا و كذا .. و لعلّه إبنــك .
فلطم الرجل رأسه وقال : يا قوم هل سمعتم أن البــُـزاة تختطف الصبيان ؟! فقال : نعم ! و إن أرضاً تأكل جــُرذانها مائة رطل من الحديد ليس بمستنكر أن تختطف بزاتها الفيلة !!!

عن صلاح محمد علي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً