أُولا .. لا التعجبية ! .. بقلم: د. خالد محمد فرح

Khaldoon90@hotmail.com

أُولا.. لا Ouh là là ، هي واحدة من أشهر الأصوات التعبيرية ، أو التعابير الصوتية – كما كان سيحلو للدكتور طه حسين أن يقول –  التي تصدر عن الفرد الفرنسي ، أو الفرانكفوني على سبيل التأثر أيضاً ، في معرض التعبير عن جملة من الأحاسيس المختلفة والمتناقضة كذلك. مثلا الاحساس الطاغي بالتعجب ، أو الاندهاش ، او الإعجاب ، أو الفرح والاستبشار ، أو الحزن والتأثر الوجداني ، أو حتى الاستنكار والاستبشاع أحيانا.
ولعل من أطرف وأفكه استخدامات عبارة أُولا .. لا هذه ، خصوصا بالنسبة للمتلقي العربي ، رد الممثلة المصرية (شيرين) على الفنان الكوميدي الكبير (سمير غانم) في مسرحية: (المتزوجون) عندما وجدت شيرين جرة صغيرة من الفخار لحفظ الماء موضوعة فوق منضدة بائسة من ضمن أثاث منزله الرث ، فلم تتعرف عليها ، بحكم أنها من أسرة برجوازية ثرية ، تسكن في فيلا فخمة ، ولا عهد لها بمثل تلك الأشياء (البلدي). ولما قالت شيرين لسمير غانم الذي كان يسمى (مسعود) في تلك المسرحية: أيه دي يا مسعود ؟ وأجابها بقوله: دي قلة أو( أُلّة ) بحسب النطق المصري القاهري ، ردت عليه قائلة: أُولاّ.. لا !.  على طريقة التلاعب بالألفاظ ، أو الجو دو مو ، التي هي من الخصائص العتيدة للفكاهة الفرنسية. وسينفجر الذين يدركون موقع أولا .. لا هذه من اللغة والثقافة الفرنسية وحدهم بالطبع بالضحك من تلك المفارقة الهائلة  ، أما الذين لا يدركونه ، فسوف تمر عليهم النكتة مرور الكرام ، ولن تحرك فيهم ساكنا.
ويالطبع فإن أولا .. لا التي استخدمتها الممثلة شيرين في ذلك المقطع من تلك المسرحية الكوميدية ، تنم عن كلا معنيي الاندهاش والإعجاب معاً. ذلك النوع من الإعجاب المشوب بشيء من الاستطراف الفولكلوري والاثنوغرافي ، الذي يشبه إعجاب السياح الأوروبيين الذين يلمون ببلدان العالم الثالث بالأشياء التراثية والمصنوعات التقليدية في تلك البلدان ، وهو – على كل حال – إعجاب كأنه مشفقٌ ومتعالٍ غالبا ، ولكن ذلك موضوع آخر.  
فما هي حكاية أولا .. لا هذه ، وما هو أصلها ؟. لا يزيد موقع ويكبيديا على الشبكة العنكبوتية في معرض تناوله لهذا الصوت التعبيري الفرنسي الشهير أُولا  لا في الواقع ، على بيان كونه مجرد صوت للتعجب أو interjection  ، ولم يمض إلى بيان تأثيلها أو تخريجها اللغوي. على أنه قد يغلب على الظن بحسب بعض الآراء ، أن قول الفرنسيين في بعض لحظات الانفعال لأسباب مختلفة: أُولا .. لا ، أنها محض تحريف لشهادة التوحيد عند المسلمين: لا إله إلا الله ، سمعت ذلك من شخص ما منذ سنوات ، غير أنني نسيت اسم ذلك الشخص وأين قال لي ذلك. أو لعلها تحريف لعبارة: يا الله .. يا الله ، او يا إلهي يا إلهي التي تقال في معرض الاستحسان والإعجاب ، أو مختلف أنواع المشاعر السلبية الأخرى من خوف واستنكار ، او تأثر أو انفعال وجداني بإزاء مشهد بعينه ، أو موقف ما.
ومما عزز احتمال صحة هذه الفرضية لدى كاتب هذه السطور ، ما وقع عليه أثناء قراءته مؤخراً لاستعراض بقلم الكاتب الكبير الأستاذ عباس محمود العقاد لكتاب من تأليف الكاتب الاسباني ( انريك سوردو ) عنوانه: اسبانيا المغربية ، جاء فيه ما يلي فيما يتعلق بتأثر الاسبان باللغة والثقافة العربيتين من جراء مكوث العرب في بلاد الأندلس لقرابة الثمانية قرون. يقول الأستاذ العقاد في ثنايا استعراضه لذلك الكتاب:
“ويشيد المؤلف بما اتسمت به الحضارة العربية من قوة الشعور بالحياة الحسية والحياة الفكرية في آن. ويطيل الوقوف عند ظاهرة (الطرب) للسماع ونغمات الأصوات والآلات ، فيروي ما يرجحه بعضهم من انها أصل كلمة الطربادور التي تطلق على الشعراء المنشدين بين جنوب فرنسا وشمال البلاد الإسبانية ، ويشير بعضهم إلى ما تخيله بعضهم من انها تتصل بمادة (طاب) العربية ، بمعنى: طيب العيش وطيب الشعور ، ثم يعود فيقول: إن هذا الشعور الذي يدل على قابلية النفس للامتلاء بالحيوية والإحساس بجمال الحياة لم يخلفه اليوم غير ثورة الحس في حلبات مصارعة الثيران ، وغير أناشيد الرقص في الحانات ، تتخللها صيحات : ووللي .. ووللي عند النشوة والاستحسان ، وما هي إلا تحريف لكلمة الجلالة: الله .. الله ، التي كان من عادة العربي أن يهتف بها لإبداء إعجابه بكل جميل.” أ.هـ ( انظر كتاب العقاد بعنوان: ما يقال عن الإسلام ، من إصدارات مجلة الأزهر ، الجزء الثالث ، ربيع الأول 1432 هـ ، صفحة 83 ).
فالراجح إذاً – والله أعلم – أن أصل أولا .. لا الفرنسية هو ذاك ، وذلك نظراً لقرب اسبانيا من فرنسا التي أوشكت جيوش المسلمين القادمة من الاندلس على اجتياحها في القرن الثامن الميلادي ، بعد أن عبرت سلسلة جبال البرانس الفاصلة بينها وبين اسبانيا بقيادة عبد الرحمن الغافقي ، لو لا أن صدتهم عنها جيوش الملك شارل مارتل.
ولعله يجوز لنا أن نجازف بالافتراض في ذات السياق أيضاً ، بأن تكون عبارة ألالويا أو ايلولويا ، التي يرددها المسيحيون المؤمنون بمختلف لغاتهم في شتى بقاع الأرض ، في لحظات التواجد والانتشاء الروحي ، أو حمد الله وشكره مطلقاً ، ترجع إلى أصل عروبي أو سامي قديم ، وأن تكون اللفظة الأساسية فيه متعلقة بكل تاكيد بلفظ الجلالة: الله.. كأن يكون أصلها القديم هو: هللوا لله مثلاً ، ثم  تحرفت من بعد إلى ايلولويا. ذلك بأن كلمة ” ايلوهيم ” في العبرانية على سبيل المثال ، هو الله تعالى نفسه ، وإنما جعلوها في صيغة الجمع من قبيل التعظيم والتبجيل للخالق العظيم ،فكأن مفردها هو ” أيلوه أو إله ” ، والله العليم.

عن د. خالد محمد فرح

د. خالد محمد فرح

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً