(1)
لبعض الرُّموز الابداعيَّة خصيصة القدرة على اختزال جيلها بأكمله، وعصرها بأسره. والشَّاعر صلاح الدين حاج سعيد هو أحد هؤلاء بالنسبة للجِّيل الذي فتح أعينه على نور الحياة خلال النصف الثاني من أربعينات القرن المنصرم، بكلِّ ما توفرت له من روافع تغوى بالصُّعود، ومصدَّاتٍ توسوس بالانكسار، وما أكثر هذى وتلك، حيث تَشَهِّى إغواءِ الصعود مأثرة في اليُسر، ومغالبة وسواس الانكسار بطولة في العُسر، وفى (الخاص) تماماً مثلما في (العام):
“وأعلمُ فى الهَوى أنى فتىً هزتهُ منكِ براءة خجْلى،
وأشقى قلبَهُ المِمْراحَ قيدُ زمانِهِ المصلوبِ ..
فوقَ عيونِكِ الوَجْلى،
أحسُّ حلاوة اللقيَا،
وأحلمُ فيكِ بالتوقيتِ فوقَ سواعِدِ الميعادْ،
وألمحُهُ كما لقياكِ وجهَ خلاصِنا المزروع ..
فوقَ شواهدِ الأوغادْ،
فوعدُ الحَرْفِ أن أهمِي ..
بعِطر الشِّعر فوقَ جدائِل الإمكانْ،
ووعدُ الحُبِّ أن أختارَ مجدَ العِشق فى عينيكِ ..
أحفظ سِيرة الإنسانْ”!
ولا غرو، فقد تفتحت عيون ذلك الجيل، في عقابيل الحرب العالميَّة الثانية، على عصر بطولىٍّ اتسم، عالميَّاً، بهزيمة النازيَّة والفاشيَّة، ورفرفة رايات السَّلام والدِّيموقراطيَّة والاشتراكيَّة والتحرُّر الوطني، من أقصى الكوكب إلى أقصاه، مثلما اتسم، سودانيَّاً، بالنبش المجيد في قلب الصَّخرة البريطانيَّة الصَّمَّاء، ظِفراً وناباً، عن سبيل لاستقلال أمتنا! ثمَّ ما لبث الوعي الشِّعري لهذا الجِّيل أن تفتَّح على ملاحم القوى الاجتماعيَّة الحيَّة تصادم نظام أرستقراطيَّة الجَّيش الذي تأسَّس على انقلاب الفريق عبود في نوفمبر 1958م، حتَّى استوى ذلك الوعي الباكر خلقاً إبداعيَّاً مُمَيَّزاً في أتون الثَّورة الشَّعبيَّة المظفرة التي أطاحت بتلك الدكتاتوريَّة البغيضة في أكتوبر 1964م:
“فلتأتِ يا أكتوبرُ ..
رغمَ الألم البادي فوقَ جراح الحُرقةِ والتعذيبْ،
ولتأتِ برغمَ سنين الصَّبر القابع ..
تحتَ الظنِّ الخاطئ ..
والتقريبْ،
فرَحاً أخضرَ ..
يمسحُ هذا الهمَّ القابضْ،
يرفضُ هذا الذلَّ الرَّابضْ”!
(2)
أنتمي أنا نفسي إلى ذات الجِّيل. ولئن كانت تلك هي العناوين الرئيسة لتلك الحقبة، فثمة من التفاصيل ما يستعصي على الرَّصد في حقول السِّياسة والاجتماع والثقافة والأدب والفنِّ والرِّياضة، بل وفي طوايا (الخاصِّ)، و(خاصِّ الخاصِّ) بالضَّرورة، وما قد يكفى وصفه، إجمالاً، بالأفق المفتوح على كلِّ الآمال العِراض:
“يا ألف ما أوَدْ ..
لو يجيئني الكلامُ طائِعاً كما أوَدْ،
لو تنداحُ في فواصِلي روائعُ البهاءِ ..
أستزيدُ في المَدَدْ،
فالشوقُ للعيون جائِشٌ،
وحُبِّىَ النبيلُ ذاخِرٌ،
ولا يُحَدْ”!
…………………………….
…………………………….
ربطتني بصلاح صداقة عذبة منذ بواكير ذلك التشكل الابداعي، بكلِّ ما اكتنز به، وقتها، من طاقة الفداء النبيل، وثراء الدَّهشة الصَّبيَّة، والرَّغبة الباذخة في هدهدة الحلم الإنسانيِّ الفاره، يوم كان يبدو، لغـرارتنا، فـي متناول الأيـدي، بل ملء الأكفِّ، قبل أن تعشوشب الأحزان في الدَّواخل حدَّ الفجيعة، وتتسامق، مثلما اللبلاب، على أغصان الفرائص والحنايا، ليغدو (حلمنا) الأوَّل ذاك محض (هشيم) تذروه ريح، وتسفوه ريح، فما ينفكُّ يتناءى سراباً كلما تراءى زلالاً، ويتلاشى صدىً خافتاً كلما حسبناه صليل وعد عبق وبشارة دبقة، فلا يورثنا سوى الحيرة والحسرة، ولا يَعِدنا بغير ليالي الحمَّى والهذيان: “تتساقط منِّي الكلماتُ بلا معنىً،
فأتوهُ .. ويفقدُ عفوُ الخاطر ما أتذكرُ أن أعْنِيهْ،
الحَيرة بادية الأوصافْ
والأسطرُ باردة الأطرافْ
من أين ستبدأ يا شِعري ..
وأنا مشنوقٌ فوقَ صليبِ الدَّهشةِ والإيحاءْ”!
(3)
ذوت نضارة الاستقلال أمام أعيننا، مباشرة، وشحُب يانع أكتوبر. ولأن المشهد اتخذ في وجداننا شكل الطعنة النجلاء في الظهر، فقد نصَّبنا من (مزاميرنا)، على الفور، ضحايا وشهوداً وقضاة في آن! مغدورين، إذن، عدَدْنا أنفسنا، ومغدوراً طفل أحلامنا البكرة، بخناجر قتلة مأجورين، مثلما استعصى، بذات القدر من اليقين، على ثوريَّتنا الرُّومانسيَّة أن تتجرَّع أوهى خاطرة بأن ليس في الأمر (خيانة) ما .. هنا أو هناك! ومن ثمَّ مضينا ندمن غصص المظلومين، ونجوى شكاياتهم، لا فرق بين عسف عدوٍّ وبين تفريط صليح، فدم أحلامنا في رقبة الكلِّ، والكلُّ، أمام (عدالتنا)، مدانٌ نرميه (بنشيد الوأد)، و(عطر الموت)، و(وجع النعي)، و(ثقل الهمِّ)، و(فيض الألم)، و(غصص القلب) الشَّارق (بالدَّمع)، وليس من عجب أن تلك بعض عناوين قصائد صلاح:
“بلدي اللحظة حينَ ذكرتكِ مِتُّ،
وحين أتاني النعيُ .. بكيتُ وما استكفيتْ،
لو أنى كنتُ صغيراً يشربُ دمعَ الدنيا فيكِ
لما استغنيتْ،
لكنى حينَ وأدتُّ الدمعَ كبيراً صرتِ هنالك
بحرَ دموع فاضَ ولمْ يُحبَسْ،
بالحَمْل ينوءُ القلبُ فلا يَلبثْ ..
قلبي يتوجَّع، لكنْ أرجعُ دونَ دمُوعْ
اللحظة أعصِرُ قلبي همَّاً،
أشبكُ إصبعَ ألمِي حرفَ خنوعْ
البيتُ خواءْ،
الزحمةُ ألفُ ذراع مُدَّ بغير ذكاءْ،
الشارعُ نبضٌ ماتَ بقلبِ الصَّمْتْ،
يتكالبُ عِطرُ المَوْتِ الأسوَدِ عبرَ الخطوةِ ..
في الأسفلتْ،
الحقُّ تأخَّر .. ضاعَ الوقتْ،
وأنا وحدِي”!
هكذا انطلق (مزمور) صلاح الدين، منذ أواخر ستينات القرن المنصرم، متناغماً، وقع الحافر على الحافر، مع (مناحات) جيلنا الواحدة المتوحِّدة، إيقاعاً ومفردة وموسيقى، ومتساوقاً، حذوك النعل بالنعل، مع عشرات (المزامير) الصَّادحة بفجيعة عصرنا الحامض، وهمومه العميقة، وأوجاعه التي تبدَّت لنا، أوَّل أمرها، وفى اختلاط (عامِّها) بـ (خاصِّها)، كأن لم تبق ولم تذر:
“حبيبتي ..
كرهتُ أعينَ الفضول تبصقُ الحديثَ في الزحامْ،
وألسنَ المستوزرين في إمارةِ الكلامْ،
المُقبلين في مواسم الفواتْ،
مخاتلين من مهادِهمْ ..
إلى المَمَاتْ”!
لكن، وبرغم كلِّ تلك المنغِّصات والإحباطات ودوافع اليأس والاعتزال، تصمد الكلمة الشَّريفة عند صلاح، كما عند مجايليه من الشُّعراء التقدميين، فما تزال، وقد وخط الشَّيب فوديها، تتسربل بذات شرفها وعزتها ونخوتها، ولعلَّ هذا هو بعض الزَّاد الرُّوحي لكلِّ تلك (المزامير)، حتى لتكاد تتماهى أجمعها وتندغم في (مزمور) واحد بديع لا يذهل لحظة عن تمجيد ذلك (الحلم الهشيم) ولو بالتحية العابرة:
“حبيبتى ..
لكنَّما، وحينما عرفتُ في عينيكِ كيفَ ننكرُ الذواتْ،
وكيفَ نبذلُ العَطاءَ ..
دونما التفاتْ،
وهبتُ كلَّ ما ملكتْ،
وكلَّ ما وجدتُّ أو مسكتْ،
لمْ يَبقَ لي سوى أمرُّ مُطرقاً،
وحينما أفوتُ ..
أرفعُ السَّلامْ”!
…………………………….
…………………………….
وبعد ، لقد شرَّفني صلاحٌ بأن أقدِّم لمجموعته الشِّعريَّة الأولى (مزمارُ الحلم الهشيم) التي أفرحني صدورها، بعد أن تأخَّرت كثيراً، فتلك بضع كليمات وددتُّ أن يجئن، على تواضعهنَّ، شارة محبة لصديقي العزيز، وتلويحة تقدير لفنه الرفيع.
***
Kamal Elgizouli [kgizouli@gmail.com]
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم