موضوع الساعة و النقاشات فى مختلف المنابر هذه الايام هو الوثيقة المسربة من قلب الظلام الانقاذي و هى عبارة عن محضر اٍجتماع اللجنة الامنية العسكرية المشتركة الحاكم الفعلي للبلاد. وثيقة تحكى عن الازمة التى تعيشها نظام الانقاذ و كذلك تحكى طرف من المأساة المصير القاتم الذى تريده بالشعب و البلاد. عندما قرأت الاجزاء الاولية التى نشرها الباحث الامريكي اريك ريفز راودتني بعض الشكوك او قل الاحتمالات حول مدى صحة هذا المحضر لكن عندما قرأت النسخة الكاملة التى نشرها الاستاذ فتحى الضو وجدتها تشبه الانقاذ و أهل الانقاذ الخالق الناطق. و من شابه أباه فما ظلم. لكن حتى بعد ظهور النسخة الكاملة لمحضر الاجتماع بقى هناك من تراوده الشكوك فى حقيقة الوثيقة. الدكتور عشاري أحمد محمود أحد هؤلاء المشككين فى طبيعة الوثيقة و الغرض منها و أنبرى لعرض وجهة نظره حولها بمقالين نشرا فى سودانايل. أرغب هنا فى التعقيب على مقالات الدكتور عشاري و أعرض لحقيقة الوثيقة فى عدد من النقاط هى كالاتى:
أولا:
موضوعات و أجندة الاجتماع. اي متابع للشأن السياسي يعرف ان هذه الاجندة هى الانسب لاجتماع اللجنة الامنية التى تدير شؤون النظام حالياً. هذه هى أهم الموضوعات التى تشغل بال كل الساحة السياسية على الاطلاق. اٍذن من ناحية الاجندة فهى معقولة و ملائمة للغاية لإجتماع قيادة النظام. كذلك العناصر المشاركة فى الاجتماع. هى ذات العناصر التى تمسك بمفاصل الدولة فى الوقت الراهن و تعمل تحت اٍشراف تام و سلطة مطلقة من بكرى حسن صالح.
ثانياً:
طريقة اٍدراة الاجتماع او المشاركة فى الحديث حسب ما ورد فى المحضر. الاستاذ فتحى الضو قدم فرضية معقولة هى أن المحضر الحالي هو عبارة عن تفريغ لحديث الاجتماع، اما من مصدر تسجيل صوتي او تسجيل كتابي سابق. هذا الفرضية معقولة جدا، اٍذ لا نتوقع وجود سكرتير للاجتماع يكتب ما يدور من حديث على الحاسوب مباشرة. النسخة المسربة تم تحريرها على ملف ويرد، لاحقا بعد الاجتماع. هذا ما يفسر عدم وجود مقاطعات أثناء حديث كل فرد من الحضور كما ورد فى المحضر. على العموم لا يجب ان نتوقع وجود مقاطعات و خلافات فى الراى داخل هذه العصابة التى تدار مثل المافيا. لا أحد يرغب فى مقاطعة أحد او ابداء خلاف فى الراي. هذا ليس نوع الاجتماعات التى يعرفها و يألفها الدكتور عشاري. هذا قطيع يمشى على نسق واحد و كل فرد منهم يخشى على كرسيه الذى يجلس عليه. و من يخرج على روح القطيع هذه تأكله الذئاب قبل شروق الشمس.
ثالثاً:
القضايا المطروحة على أجندة الاجتماع كما ذكرنا قضايا حقيقة و هى الاهم للنظام الان. الجذع من اٍحتمال قيام ثورة شعبية، العلاقات مع دول الخليج، اٍتفاق باريس و سفر المهدى، العمل العسكري فى مناطق العمليات الخ. هذه قضايا الساعة. فى كل هذه القضايا الوثيقة تطرح تصرفات و النظام و سياساته الحقيقية التى نراها كل يوم. لا أعتقد ان هذه القضايا و المواقف مناسبة للمناورة السياسية و الامنية. مثلا عملية التصدى للثورة الشعبية بالسلاح و قتل المدنيين، هذه سياستهم الحقيقية لكن لا يتوقع أحد ان يعترفوا بها جهراً و يعملوا على تأكيدها للناس بطريقة ما. لان مثل هذا الاعتراف الصريح سوف يدعم اي اتجاه تدعوا للعمل العسكري ضد النظام فى المستقبل القريب. اذا كان عمل عسكري من الداخل أو حتى من الخارج على قرار النموذج الليبي. فالذى يشدق بذبح شعبه لن يجروء أحد للترافع عنه يوم تذبحه طائرات الناتو و ما شابهه.
كذلك محاولة التقرب من دول الخليج عن طريق تحجيم الوجود الايراني فى البلاد. من المهم أن نذكر ان المقاطعة الاقتصادية التى اٍبتدرها دول الخليج ذات أثر شرس على عصابة الانقاذ. ليس لانها أضعفت الاقتصاد فقط، فالاثر الاقصادي لا يقع عليهم مباشرة اٍنما بطريقة غير مباشرة. لكن لانها أدخلتهم فى ورطة جعلت وصلت الى حد ان يحمل الدبلوماسيين السودانيين مصاريف السفارات فى الخارج، الاف الدولارات داخل كيس نايلون. لا ننسي ان سفارات الانقاذ فى الخارج هى ليست للاعمال الدبلوماسية و خدمة السودانيين فى الخارج. هى محطات أمنية قبل ذلك و المال هو العصب للازم لكل هذا العمل الامني. اٍجراءات التقرب للخليج حقيقية و يرجى منها ان تحل مشاكل مزمنة لذلك ليس من مصلحتهم التلاعب بها و التشكيك cast doubt فى صدقيتها. نفس القول ينطبق على حكاية الحوار الوطني و التى حاولوا تسويقها للاتحاد الاوربي و نجحت الى حد ما فى خدمتهم خلال أجتماع حقوق الانسان الاخير. فقد أشار له المحقق مسعود بدرين أكثر من مرة، لتبييض وجه و جه الانقاذيين. ليس من مصلحتهم اٍيضا فتح التشكليك فى صدقيتها و طبيعة أغراضها لانها اصلا فاقدة المصداقية لدي الكثيرين.
رابعاً:
فى ظني ان نقطة الدكتور عشاري الاساسية و التى دفعته لكتابة مقالاته المشككة هو اٍعتقاده بأن الوثيقة كتبت بغرض أرهاب المعارضة و الشعب السوداني و اٍستعراض القوة عليهم. الذى صدّر هذا الشعور للدكتور هو نبرة التفاخر باختراق الاحزاب و الحركات السياسية المختلفة. لكن هذه ليس نقطة ذات بال. ماذا تتوقع من رجل يتحدث الى رؤسائه فى عصابة المافيا؟ لابد ان يتجمّل بالاكاذيب ما شاء الله له. اٍذا لم يفعل ذلك سوف لن يجد مقعده الذى يجلس عليه الان. طبعاً الاختراقات غير مستبعده تماماً. فألاجهزة الامنية و العسكرية تنفق ما يقارب 80 من الميزانية العامة للبلاد فمن الطبيعي أن تتمكن من شراء بعض ضعاف النفوس. هذه ميزانية لو أعطيتها لخروف سوف يتمكن من شراء بعض العملاء، لكنه فى نفس الوقت تكشف ترهل هذه الاجهزة و عجزها. تنفق 80 من الميزانية و ها هى وثائقها فى العراء. و عموماً الاختراقات مها كانت لا يمكنها أن تحمى نظام سياسي من السقوط. النظم السياسي أثقل من ان تسندها مثل هذه الصغائر.
خامسا:
الوثيقة ذكرت أسماء بعينها على أنهم عملاء للنظام و ناسه فى الاحزاب الاخري. مثلا صديق اٍسماعيل من حزب الامة، أحمد سعد من الاتحادي، دانيال كودي و عبد الباقي قرفة من الحركة الشعبية، بخيت دبجو من العدل و المساواة و أبناء الصادق المهدي المشاركين فى النظام. أصلا هنالك شكوك و اٍتهامات قوية من المعارضة لهؤلاء الناس و أدوراهم السياسية. لاحظ أن كل هؤلاء عملاء فى الخدمة، لم ينزلوا المعاش بعد. لكن المعروف أن أجهزة تعمل على تغطية عملائها حتى يتمكنوا من مواصلة المهام الموكلة لهم فى سهولة و يسر. العميل يظل ذو قيمة اٍذ لم يتم حرقه. يعنى بالعربي البسيط أجهزة الامن من مصلحتها التشكيك فى الراي العام الذى يقول بعمالة صديق اٍسماعيل لا أن تسوق فى ذات الاتجاه الا اذا أردت حرقه. و على هذا قس بالنسبة للاخرين. بل اذا كانت الوثيقة بغرض التمويه، لماذا تذكر كل هذه الاسماء؟ كان بمكانها الاكتفاء ببعضهم، لماذا تحرق هذا الحشد من عملاء النظام من أجل وثيقة مفبركة؟ كل هذا يؤكد ان الوثيقة التى بين أيدينا حقيقة و تعبّر عن تفاصيل داخليه كانت من المفترض أن تبقى طى الكتمان.
سادسا:
الاخطاء الاملائية و سقوط بعض الكلمات هناك و هناك. مثلا فى الجملة و التى أتخذها الدكتور عشاري كمثال: “وهذا العام ناس الجيش الشعبي زرعوا أراضي كبيرة بجنوب كردفان. يجب أن نسمح لهم بحصاد هذه الزراعة لابد من منعهم.”
هذا الجملة ليس فيها شئ غريب، كل ما حدث هو سقوط حرف النفى “لا” و يتسق المعني مع بعضه لتقراء “يجب ان لا نسمح لهم …”. اي شخص معرض لمثل هذا الخطاء دعك عنك كاتب السلطان الانقاذي. يبدو ان الدكتور يحسن الظن بقدرات جماعة الانقاذ و المتحلقين حولهم. يا دكتور هذه قدرتهم و ليس لديهم أحسن من هذا. الانقاذ اليوم تحلق حولها أغبياء السودان. كمثال: رئيس اٍتحاد الطلاب السودانيين اليوم كان طيش دفعته فى الجامعة و لم يتمكن من النجاح فى اي من مواد كلية العلوم قسم الرياضيات و تم نقله قسرياً لكلية الاقتصاد و تخرّج منها بكرامة البليلة. أخشى ان تجده وزير فى الحكومة اٍذا بقيت الانقاذ لسنوات. دعك عن هذا و خذ عندك مثال أخر على مستوى عالي فى النظام. عملية أمنية مثل عملية الخندق التى ورد ذكرها فى كتاب للاستاذ فتحي الضو بذات العنوان و كان يديرها ضابط برتبة عقيد كان تجري المراسلات فيها عن طريق اٍيميل فى الياهو Yahoo.com. و على هذا قس. هؤلاء الناس دمروا التعليم فى السودان فى كل مستوياته فمن أين يجدوا كادر ذو قدرات؟ حتى الشباب أهل القدرات و الملكات لن يتورطوا فى مثل هذا الاعمال القذرة. بامكانهم تدبير شؤون الحياتية بسبل كثيرة أفضل من العمل الامني ضمن عصابة اٍجرامية. لذا لم يتبقى لهم سوى العويش من منتجات التعليم الانقاذي.
سابعاً و خلاصة الامر. هذه الوثيقة حقيقية و تحكى فعلاً عن قلب الظلام الانقاذي كما وصفها الباحث الامريكي اريك ريفز. يجب علي المعارضة السودانية ان تستلمها و تملكها لكل جماهير الشعب السوداني و تشرح لهم حقيقة هذه العصابة الاجرامية و ما تدبره من مصائر جهنمية ضد الشعب السوداني و البلاد. كذلك يجب اٍيصالها لكل الجهات التى يهمها الامر. الاتحاد الافريقي و لجنة امبيكي، لجان الاتحاد الاوربي المتعلقة بالشؤون السياسة الخارجية. كذلك يجب تمليكها للاعلام و الجهات الرسمية فى الدول الشقيقية مثل السعودية و الامارات و مصر حتى يعلموا حقيقة هذه العصابة الاجرامية و يتخذوا حذرهم فى التعامل و التعاون معاها. أما أحاديثهم عن قتل الشعب السوداني بالرصاص فنقول لهم ياتوا رصاص ما عقبوا خلاص. هل نفع الرصاص بن على؟ هل نفع مبارك، هل نفع القذافي؟ فمن يقتل بالسيف يقتل بالسيف.
abubakr_salih@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم