لبوس الإسلام .. بقلم: أمل الكردفاني

مر الغرب بذات ما يمر به المجتمع الإسلامي من ارهاب وصراعات طائفية ومذهبية ، ولذا أعتقد بأن أسباب صبر الغرب على الثقافة الإسلامية داخله يأتي بسبب اعتقاده بأن هذه الرجعية في العقلية المسلمة حالة مؤقتة وصيرورة تاريخية حتمية . ما أراه أن هذا الاعتقاد خاطئ ؛ ﻷن المدخلات في الحالتين مختلفة وبالتالي المخرجات ؛ ومن أهم هذه المدخلات هو انعدام وجود مؤسسة دينية واحدة يمكن مواجهتها بحيث ينهار الدين نفسه بانهيارها كما كان الحال في المجتمعات المسيحية السابقة ، فالإسلام مطروح بمسلمات هي الوحيدة التي يمكن بهدمها هدمه كالقرآن والسنة ويأتي أخيرا التراث الفقهي كنقطة ضعف يشتغل عليها أدعياء التجديد أو التطوير. وفوق ذاك فإن الإسلام بمجموعه الكلي مشكل ابستمولوجي للحراك الفكري بل والاجتماعي كذلك ويؤثر بقوة على العقل الفردي رغما عنه. عمل ولا زال يعمل البعض على تفكيك التراث والقرآن والسنة ﻷعادة طرح إسلام علماني ولكن هذه الجهود إما أنها فردية أو إنها غير عميقة ، كما أنها تواجه بحرب شعواء من الفقهاء الكلاسيكيين بمذاهبهم المختلفة .. وهي جهود على قلتها لا تستطيع أن تتنزل إلى مستوى القاعدة بل هي جهود لا تكاد حتى أن تطرح انتشارها على مستوى الانتلجنسيا ، كما أنها تتحرك -داخل نرجسيتها- حركة عشوائية غير منظمة وغير ممنهجة ، بل مجرد اجتراحات مفاجئة وموزعة بغير هدى على دواليب الفكر الحديث. وهذه الحركة الفردانية في أغلبها لايمكن أن تشكل -وهي بهذا الأفق- مدرسة قائمة بذاتها تستطيع أن تستقطب حلفاء لها وأنصار ومن ثم زراعتها داخل سلطة سياسية تخرج بها إلى نور التطبيق والممارسة . ومن ثم لا يزال العقل الإسلامي منقسم إلى فسطاطين وبينهما هذه المتفرقات الحداثوية إن جاز التعبير.
كتب محمد أركون ولكنه كتب بلغة متعالية وبمقارنة قسرية عن العالمين الإسلامي والمسيحي ، وكتب نصر حامد أبو زيد ولكن بلغة متلعثمة وبغير منهج وكتب غيرهما ولا تزال الكتابات تتحرك بغير نقاط ارتكاز ولا أثر لها سوى الشهرة الشخصية. لكننا لم نر مشروعا -حتى الآن- متكاملا في فروع العلوم الإسلامية المختلفة ، وبانقطاع الفترة السيكولاستيكية القديمة التي كانت تشكل مذاهب المعتزلة انقطعت حركة التجديد الديني ، وأعتقد بأن سكولاستيكية حديثة هي نقطة الإنطلاق التي لابد من الاستناد إليها بمشروع جماعي كلي من قبل المفكرين والفقهاء المعاصرين . إن عملية الربط بين مكونات العلوم الحديثة والمصدر الإساسي في الإسلام -وهو القرآن- هي العملية التي يمكن أن تنشئ مدرسة لها حياتها ووجودها داخل مسرح الحرب المفتوح أمام القوى الراسخة بكل ما يدعمها من زخم تراثي . فالقضية الجوهرية هي قضية منهجة ، والمنهجة بحد ذاتها تحمل قوتها في عظمها ولا تحتاج إلا إلى إلقاء النرد على الطاولة لتتحرك بمفردها ودون حاجة حتى إلى مفكرين عظماء ، كما أنها تقلل من الإحتكاك والمواجهة غير المتكافئة مع النظريات الكلاسيكية بل وتقلب ميزان القوى رأسا على عقب دون أن يكون بالإمكان الطعن في نتائجها ومخرجاتها العلمية المدروسة. فالقضية ليست قضية صخب بل هي رسالة لإخراج الإسلام نفسه من ظلمات عقول أصحابه إلى نوره هو كمحض دين مفارق للعقل ومشتغل فيه.

10أبريل2015

amallaw@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

السودان بين حروب الموارد وأقنعة الهوية -قراءة لكتاب

زهير عثمانzuhair.osman@aol.comقراءة في كتاب د. محمد سليمان محمد على ضوء الحرب الجاريةفي خضمّ الحرب المدمّرة …

اترك تعليقاً