كمال حنفي كان لي صديقا .. بقلم: هاشم علي حامد
18 أبريل, 2015
المزيد من المقالات, منبر الرأي
60 زيارة
hashimh640@gmail.com
اكتب هذه الكلمات اضافة في سجل الذكرى وقد مرت سنتين على وفاته وفقده (18ابريل 2013) وفاء لعهد قد مضى على سطح هذه الدنيا وعهد قد تبقى في رحاب الله ..
كانت تجمعنا صداقة روحية وفكرية ونحن في عز الشباب والأمل تنبسط فضاءاته واسعة.. كمال حنفي قتله الزمان الصعب حيث أحبطت الغايات و ضاعت الآمال فلا ضمان ولا رؤية واضحة، ولا تفاؤل تجاه مستقبل .. كان صابرا حينما غشيته نوبه القلب الذي لم يستوعب ظروف هذا الزمان، قال لي عند زيارتي له بمركز القلب بأركويت في اول انكسار لقلبه الذي ظل صلبا طيلة سنوات شبابه وأيامه بالجامعة، ان الزملاء اصحاب المال والقرار في الجهة الصحفية التي تعامل معها قبل التحاقه بصحيفة الراي العام- اصابتهم حالة من تأنيب الضمير بعد ما راوا واستدركوا لكن بعد ان كاد ان يفوت الأوان، وحالة كمال حنفي هذه غشيت الكثير من المبدعين والعلماء الذين ماتوا وهم متعجبين من زمان لم يحسبوا لانتكاساته حسابا في دفاتر الاخوان..
كان نزيها لم تجرفه اغراءت المناصب ولم تستهويه دائرة البيزنس وكتابة الشيكات، كان زاهدا و قنوعا بما في يديه، كان عالي المقام في اوساط ممن هم حوله، كما ظل مميزا وسط كبار صغروا وصغار كبروا وكلاهما بعد أن اعطوا للزمان حديثه بأنفاس متصاعدة وقلوب متلهفة وضحكات متصنعة.
احب الحياة في حدود ما يعيشه من حياة ذا خلق رفيع في التعامل مع كل من عرف او لم يعرف، واخلاص جم فيما يعتقده من مبادئ وكان الله حاضرا في وعيه مؤمنا رشيقا في ايمانه .
كان لي صديقا عن قرب ابان دراستنا في جامعة الازهر بالقاهرة (1981-1985)لم يجمعنا درهم ولا دينار، وانما كانت تجمعنا الفكرة في وعينا بالحياة ، كان يجمعنا جمال الكون في سماءه وأرضه وتناسق احداثه فيما داخله وحوله بكسب العباد ورعاية الله وسننه .. كنا نذهب الى مقاهي القاهرة في الحسين والدراسًة، والعتبة، والعباسية، وميدان التحرير، نجلس الساعات الطوال نتفاكر في امور الحياة مبادئها، وغاياتها نفرح عند الفرح ولوح الامل عندما يحدث شيء في العالم والسياسة يكون قريبا مما نحمل من افكار، ونحزن عند الحزن عندما تعتري الباطل نوبات الغرور فترتفع اصوات الاستكبار ويسقط قتيل في فلسطين وجريح في لبنان وتدفن عائلة في الشيشان .
كانت السياسة والهم القومي مسار حديثنا.. (للسياسة عنصران في تركيبتها عنصر ايجابي في الفكرة والرؤية، وأخر ايجابي في الحركة والعطاء فاذا تكامل العنصران في تواضع وتناسق وإخلاص اهديا لخير الحياة خيرا لأهلها في لقمة العيش ومسار السياسة ورفعة الدولة)
كمال حنفي كان ومنذ ان وطأت قدماه في كلية الطب بجامعة الازهر ابا فكريا للحركة الطلابية ممثلة في الاتجاه الاسلامي الذي كان وقتها بمصر وعيا منافسا للاتجاهات الاخرى من شيوعيين وحزبيين وبعثيين ومستقلين .. وحينها كان الوعي متقدما في برامج الطلاب السودانيين بمصر وممارسات انشطتهم، وكانوا يمثلون في اتحادهم (الاتحاد العام للطلاب السودانيين بمصر) دولة راشدة في قيادات موهوبة وحركة سياسية نشطة تأدبت معها تعاملات السلطات المصرية خلال عهدي الرئيس السادات والرئيس حسني مبارك احتراما لرشدها. ظل كمال حنفي الى جانب اخوانه بيرقا تهرع اليه الاقدام في شتى ظروف الاحوال وتقلبات الاحداث ليعطي رأيا صائبا وتحليلا مستوعبا لكافة القضايا، وكان يمثل تلك الحالة من تركيبة الوعي الايجابي في الفكرة والرؤية والهدف، الى جانب مثابرة زملاء من امثال احمد البشير عبدالله رئيس اتحاد الطلاب السودانيين بمصر في الزمان الذهبي، والذي كان له دور القيادة والحركة والعطاء بالنسبة لدولة الطلاب بالقاهرة وهي دولة حفلت بقيادات واعية من شتى التنظيمات, احمد كدو، وعبد السلام…الاسكندرية(رحمهماالله) ،احمد البشير عبدالله، معتصم عبد الرحيم ، عثمان ميرغني, امال عباس, فيصل محمد صالح ،حسن البطري، مها زين العابدين ، محمد مصدق الشريف، شيخ التقلاوي,عبد المنعم حمدتو، محمد عبد العزيز، توفيق الملثم، عبد القادر الفجو، راشد عبد الرحيم، نادر السيوفي، المرحوم السماني محمد العوض، محمد الشيخ الى جانب الاساتذة عبدالله حمدنالله والاستاذ المرحوم تاج السر .. وغيرهم الكثير من اسماء زملاء لم تسعفني الذاكرة لذكرهم.
كان المرحوم كمال حنفي زاهدا في اي منصب طلابي الا فيما يعطيه من وعي ويتبرع به من تحليل ويسديه من فكرة، حتى عندما اختلت الظروف بعد تعاقب السنوات وتخرج زمرة من الرعيل الاول اضطر المكتب السياسي للحركة الاسلامية ان يرشحه لقيادة اتحاد الطلاب في ان يكون رئيسا للاتحاد العام للطلاب باعتباره الوحيد الذي يمثل البديل لمن غاب من جيل الصف الأول فكان رفضه رفضا قاطعا في حديث لاينسى في قطعيته، وكأنه يعطي استمساكا بنهج العنصر الايجابي في الفكرة والرؤية ..
تزاملنا في مجلة الثقافي التي اسسها المستشار الثقافي للسفارة السودانية بمصر المرحوم محمد سعيد معروف خلال ثمانينيات القرن الماضي، وكانت الثقافي هي صحافة الزمان الطلابي، وقد صدق حدس الاستاذ معروف في زمرة الصحفيين والكتاب الذين توقع ان تخرجهم الثقافي، وتجربة الثقافي أمل ان يتناولها الاخوة من خريجي الجامعات المصرية وهم كثر.. كانت لهم الثقافي منارة سواء في الوعي السياسي او الوعي الفكري او الادبي. كان كمال ذو صداقات خاصة وعامة وفي صداقاته الخاصة تنفتح شخصيته على افاقها في كافة النواحي فهو مرح الى اقصى الحدود فيما تصدره منه من قفشات ويلتقطه من مواقف، اذكر عندما كانت تأتي مناسبة شهر رمضان المعظم في مدينة البعوث الاسلامية بجامعة الازهر كنا نكلف كل واحد من شلتنا الرمضانية بمهام اعداد الطعام، وكانت شلتنا المحدودة تضم الى جانبنا كل من الزملاء الباشمهندس كمال الجاك ورجل الاعمال عمر ابراهيم حماد، والمرحوم مقداد حسن طنون، وعند نهاية كل فطور تكثر التعليقات حول طعام اليوم ودرجته من الجودة والإبداع ، لم يكن هو ذا نصيب في جملة التعليقات ، لأنه موكول فقط بتنظيف الاواني بعد كل فطور حينها وعندما شعر ان ليس له نصيب في الثناء على ابداع الطعام كان سؤله لنا بالله كيف نظافة الاواني والصحن الصيني الكبير..!
قلت له وقد التقينا في احدى زياراتي للسودان بعد غياب طويل.. موضوع البيت كيف؟. فأدرك ما اعني فقال لي اسكن الآن في منزل شقيق مغترب، ثم اضاف بعدين الاولاد بطريقتهم يتشاكلوا مع أبناء عمومتهم ثم يتفقوا ضحكنا..!
ولعل ما ذكرته من مواقف ربما يتبعها الكثير من المواقف الطريفة التي صادفت الكثيرين من الزملاء وكان فيها المرحوم مصدر راحة وطرفة لمن هم حوله، لكن اخر قصصه التي حكاها لي وهو يضحك ان مسئولي الصحيفة التي بدأ تعامله الاول معها كانوا لا يوفون بوعودهم في دفع رواتب من يعملون معهم من الصحفييين ، قال لي كنا عندما يأتي صحفي جديد وهو في زهو حلته مجتمعا مع ادارة الصحيفة لابرام عقد التعيين كنا نقف ننتظره حتى خروجه من مكاتب الادارة لنسأله على كم اتفقوا معك الا يعطوك..!!
انا ادرك ذلك الظرف الذي استعصت فيه الوعود في ان تنجز في اوئل سنيين الانقاذ وصحيفة الشاهد الدولي، والصحفي الدولي وصحيفة ايلاف وغيرها من مشروعات صحفية وفكرية.. اصطدم القائمون عليها هم الاخرين بجهات انقاذية شغلتها السلطة لا المشروع فأهمل المشروع وتضعضعت السلطة وضاعت الوعود.. وهذا حديث اخر يأتي حينه، وعلى كل حال فقد وجد الفقيد ضالته في استثمار قدراته الصحفية والفكرية في صحيفة الراي العام التي صادقها رايا وفكرا وزمالة منذا عهدها الاول، تاركا وراءه شذى ذكريات وسيرة عطرة وسط زملاءه الصحفيين، اضافة الى ثروة ادبية وفكرية ينضح بها عموده الصحفي (الا قليلا..) الذي أمل ان يعمل الزملاء في صحيفة الراي العام على اصداره في كتيب لفائدة القارئ وهذا أقل ما يمكن ان يقدم من عمل لضريح المرحوم ..
عامة صداقاته خاصة لمن يصادق، وقد كان له في محيط الزمالة اعداد كثر من الاصدقاء يتواصل معهم في كافة المناسبات يجذبهم بحديثه ودعاباته، وكان الزميل المرحوم مقداد حسن طنون من خاصته في القرب ومصدر نكاته من كثرة المواقف التي تصادف طريقهما. ضمن ملاحظاته فقد ذكر لي أحد الزملاء الصحفيين ان كمال ذو جاذبية غريبة للشباب الذين ما ان يصادف وجوده حتى يتحلقون حوله في كل موقع لا يفارقونه متجاذبين معه نواصي الحديث في شتى المناحي.
المرحوم كمال حنفي لمن لا يعرفونه كان صوفي في معاني ركونه للوجود وكونه فلك دائر في فضاءت القدر والحياة، وكان الى جانب ادراكه العلمي الواسع ذا ادراك صوفي كنت المسه في حديثه وصمته فهو مدرك لحقيقة الحياة في جوانب الغيب وما يحياه من شهادة .. كنت المس هذه الحقيقة ولكن ادركتها واقعا عندما حكى لي بعض الاخوة ان وفاته لم تكن سوى سكون نائم، ومما لا انساه ونحن في مدينة البعوث الاسلامية بالقاهرة كان يحدثني انه تنتابه حالات من الاستيقاظ المفاجيء وهو نائم عندما يتذكر انه سيموت في يوم من الايام.. تنبؤ طال زمانه ليصبح حقيقة، وتعاود قلبه زبحة ثالثة وتسكن روحه وهو نائم… ادعو له اخي القارئ فهو روح خيرة لحقت ببارئها.